اسم ملياني الذي ذكره مفتش الشرطة الذي كان يرافقني، يُعتبر من الأسماء المرتبطة بشخص خطر للغاية وكان محط اهتمام أجهزة الأمن بسبب الجرائم التي ارتكبها.
كان هذا المجرم من أسوأ معاوني زعيم العصابات القاتلة، وهو المدعو بوياعلي مصطفى، العقل المدبر للهجوم الإجرامي على مدرسة الشرطة في الصومعة البليدة.
كانت سمعته مرهبة، لدرجة أن أكثر المحققين خبرة كانوا يترددون في مواجهته مباشرة، كما كانت أفعاله دائماً منظمة ودموية، تترك وراءها آثاراً من الرعب والفوضى.
كانت قصته تجسيداً حياً للإفلات من العقاب، ونجاته من قبضة العدالة.
بالنسبة للقوات الأمنية، كان مجرد التفكير في القبض عليه يبدو شبه مستحيل. ومع ذلك، لم تكن أجهزة الأمن عاجزة عن ذالك تماماً.
كانت المعلومات تنتشر بشأن تحركاته، لكنها كانت غالباً مجزأة وصعبة التحقق، كل دليل يبدو أنه يؤدي إلى طريق مسدود، مما يترك مكاناً للشعور بالإحباط والعجز بين أولئك الذين يسعون لإلقاء القبض عليه.
ومع ذلك، كانت الآمال في القبض عليه لا تزال حية، خاصة في جهاز الشرطة حيث كان الهدف من الايقاع بمجرم بحجمه يعدّ إنجازاً كبيراً. بينما كان المحققون يكافحون لتتبع الأدلة الضئيلة التي تركها ملياني، كنت أعلم أنه خلف ضجة المطاردة، يجب أن أحتفظ بهدوء استراتيجي.
كان دوري كمفتش يتجاوز مجرد تنفيذ الأوامر. لم أكن مجرد منفذ، بل كنت مراقباً، ومحللاً للسلوكيات البشرية، قادراً على كشف الدوافع حيث كان الآخرون يرون الفوضى فقط، مع كل دليل، كنت أطبق منهجاً وتفكيراً واضحاً يساعدني على الاقتراب، خطوة بخطوة، من الحقيقة.
لم تكن مجرد مسألة جمع المعلومات. كان لدي القدرة على فهم نوايا المجرمين و قراءة ما بين سطور أفعالهم.
فكل تحرك من ملياني، يقدم لي دليلاً إضافياً حول نفسيته واستراتيجياته. وهكذا استطعت أن اتقدم في مهمتي و توجيه زملائي أحياناً، وإرشادهم إلى مسارات لم يكونوا قد استكشفوها بعد.
بعد عدة أيام فقط، وفي إطار إحدى تحقيقاتي، كشفت لي امرأة غجرية، وهي زوجة أحد كبار مساعدي المنظمة الإجرامية، معلومة في غاية الأهمية. مؤكدة لي أنه في عام 1983، كان زوجها وإخوته يستضيفون في منزلهم في دوار العزيز بلدية بوقرة، ولاية البليدة، المتمرد بوياعلي مصطفى، وعدداً من المجرمين المعروفين ايضا، و وفقاً لقولها، كان هؤلاء الرجال قد غادروا المنزل بعد ارتكابهم لجريمتهم و هجومهم على مدرسة الشرطة في الصومة، وهو ما بدا في البداية مجرد صدفة لكن ما أثار انتباهي فعلاً كان التفصيل الذي ذكرته بشأن شاب إرهابي، قريب من زعيم العصابة.
كان هذا الشاب يقف بالقرب من نافذة المنزل، نافذة مفتوحة قليلاً كانت تقابلنا وكان يحرص على أن يكون ملتزماً جداً بالجدار.
من هناك، كان يراقب تحركاتنا، يراقبنا مثل المفترس، دون أن نتمكن من تحديد هويته في ذلك الوقت.