20

0

أحمد باي: مغامرةٌ بصريةٌ قابلةٌ للنِّقاش

 

بقلم: عمر خضرون

   يُعيد العمل السِّينمائي "أحمد باي" إذكاء النِّقاش عن هوية الأفلام وعن المعايير التي تُحدِّد جنسيتها؛ فهل يُنسبُ الفيلم إلى مُخرجِه، بوصفه صاحب الرُّؤية الفنِّية التي مكَّنتْ من إخراجه، أم أنَّ الجنسية تظلُّ مرتبطة بالجهة التي بادرت بالمشروع، ثم تحمَّلت نفقات تنفيذه، ثم منحته الغطاء القانوني بعد ذلك؟

   إنَّ هذا الطرح يتخطَّى، في واقع الأمر، الأطر الإدارية ليلامس عمق السِّيادة على الذاكرة الوطنية؛ فكثيراً ما تتداخل الوقائع المحلِّية بالخلفيات الأيديولوجية للمبدعين الأجانب الذين يشقُّ عليهم التَّحرُّر من موروثهم، ما قد يدفعهم إلى صياغة الأحداث بانحياز معرفي يزيّف الحقائق أو برودٍ يسلبها الزَّخم الوجداني.

يُضاف إلى ذلك خطر إفراغ القصَّة من عمقها التُّراثي وتغليفها بقالب تجاري، لا سيما حين يكون العمل نتاج صفقة مالية بحتة بين الطرفين، المخرج والمنتج، وإن حاول هذا الأخير التَّبرؤ من هذا الأمر أحيانا.

   والحقيقةُ أنَّ صناعةَ السِّينما لم تعد تلتزمُ بالقيود الجغرافية؛ فحتَّى هوليوود، الغارقة في أوهام المركزية والغرور والاستغناء، باتت تفتح أبوابها لمخرجين من خارج حدودها لتقديم أعمالٍ تغوص في هواجس التَّاريخ الأمريكي وآثاره المثيرة للاستنكار.

ومن أبرز الأمثلة على ذلك: فيلم (12 عاماً من العبودية) الذي جسَّد فظائع الرِّق قبيل الحرب الأهلية الأمريكية، وفيلم (الوطني) الذي تناول حرب الاستقلال وتجاذباته الحقودة، بالإضافة إلى فيلم (جاكي) الذي نقل مأساة الأرملة جاكي كينيدي عقب اغتيال زوجها الرَّئيس، وفيلم (العائد) الذي صوّر تهافت المستكشفين الأمريكان خلال القرن التَّاسع عشر، وفيلم (مسيرة بيلي لين) عن الجنود العائدين من العراق وعن الصَّدمات النَّفسية التي بقيتْ تلاحقهم، وصولاً إلى فيلم (نومادلاند) عن حياة العوز والتّرحال في أعقاب الرُّكود الاقتصادي الكبير.

وكلُّ هذه الأعمال أنجزها مخرجون غير أمريكيين: البريطاني ستيف ماكوين والألماني رولاند إيميريش والتشيلي بابلو لارين والمكسيكي أليخاندرو إيناريتو والتَّايواني أنغ لي والصِّينية كلويه جاو؛ وهي نماذج تعكس نهجاً عالميا باتت تتبعه كبرى العواصم السِّينمائية، بفتح استيديوهاتها لمخرجين من جنسيات مختلفة والسَّماح لهم بإعادة قراءة التًّاريخ المحلِّي بمنظورٍ عالمي مغاير.

   أمَّا على الصَّعيد المحلِّي، فإنَّ المشهد السِّينمائي لا يزال مفتقرا إلى الدَّعائم التي تقوده إلى فتح الأبواب كلِّها أمام الأجانب.

ففي وقتٍ يواجه فيه المخرجون الجزائريون بطالة قسرية شبه دائمة وشُحًّاً في التَّأهيل لدى فئة عريضة منهم، يظلُّ التَّناول الدرامي للذاكرة التَّاريخية رهين قوالب جاهزة تفرض رقابة ضمنية على المحتوى وتتحسَّسُ من أيِّ مقاربةٍ تشتغلُ على "الثَّوابت"، حتَى وإن كانت بأنامل جزائرية.

وهذا الواقع يضع الفنَّ السَّابع في بلادنا بين فكَّيْ كماشة: هشاشة الإمكانات المهنية من جهة، وصرامة الخطوط الأيديولوجية من جهة أخرى؛ وهي عوائق تزيد من تعقيد ملف الاستعانة بالمخرجين الأجانب، لا سيما وأنَّ أغلبهم يأتون رفقة أطقمٍ كاملة من بلدانهم، مِمَّا يُذكِي السِّجال مجدَّدا حول تهميش الكفاءات الوطنية.

   وعلى الرُّغم من هذا الإرث المثقل بالتَّوجس، لا تزال الجزائر تحتفي بروائع سينمائية ارتبطت ببلادنا، مع أنها كانت نتاج صُنّاع أجانب، وفي طليعتها فيلم "معركة الجزائر"؛ تلك الملحمة التي صاغها الإيطالي "جيلو بونتيكورفو" بصدق آسر، محولاً كفاح الشعب إلى لغة سينمائية رفيعة تُوجت بـ "الأسد الذهبي" في مهرجان "البندقية" عام 1966؛ وليغدو هذا الفيلم أهم أعمال مخرجه على الإطلاق والمرجع الإبداعي الأول عن التَّحرر الوطني.

   وفي المقابل، يبرز فيلم "زد" كمثالٍ عن السِّينما الإنسانية العابرة للحدود؛ فبينما ركَّز "معركة الجزائر" على التَّاريخ الوطني، اختار المخرج اليوناني الفرنسي "كوستا غافراس" تقديم عملٍ يُجسِّد قيم الحرية التي تتقاسمها الجزائر مع شعوب أخرى في الشَّرق والغرب.

   ورغم أنَّ أحداث الفيلم تدور في بلد غير مُسمَّى، إلا أنَّ "جزائريته" تجلَّت في الإرادة السِّياسية الدَّاعمة له وفي الدَّور المحوري لمنتجه "الديوان الوطني للتِّجارة والصِّناعة السِّينماتوغرافية"، وهو ما جعل غافراس يتمسَّكُ بهوية الفيلم الجزائرية حتى وصوله إلى مِنصَّات التَّتويج.

   ولا يزال الجزائريون يذكرون ما حدث عام 1970 في مسرح "دوروتي تشاندلر بافيليون"، حين صعد المنتج الجزائري "أحمد راشدي" ليستلم جائزة "أوسكار أفضل فيلم أجنبي" من النَّجمين "كلوديا كاردينالي" و"كلينت إيستوود"؛ وليبقى "زد" الأثر العربي الوحيد الذي نال هذا الاستحقاق بمُسمّاه القديم قبل أن يتحوَّل إلى "أوسكار أفضل فيلم دولي"، في تغيُّرٍ لافتٍ يعكس تطور الذهنيات لدى صُنَّاع السينما عبر العالم.

   واليوم، يأتي هذا الفيلم، أحمد باي، ليُثيرَ النقاشات ذاتها وإنْ في سياقٍ مختلف؛ فقد استُقدِم المخرج الإيراني "جمال شورجة"، صاحب المساهمة الكبيرة في مسلسل "يوسف الصديق" الغني عن التَّعريف، ليقوم بإخراج نصٍّ للكاتب "رابح ظريف"، يُخلّد فيه سيرة آخر بايات "قسنطينة" ويُسلّط الضوء على مقاومته الضارية للغزو الفرنسي.

   بين المعالجة التاريخية والمنزع الإنساني، يقدم فيلم "أحمد باي" رؤية جذابة لشخصية فذَّة من رموز المقاومة الجزائرية؛ فهو لا يكتفي برصد الملاحم الحربية الكبرى التي قادها، كدفاعه عن قسنطينة عام 1836، بل يستعرض المساعي التي قام بها لتوطيد دعائم الحكم وإرساء العدل وتعبئة القبائل لصالح القضية الوطنية.

   ومن خلال التَّركيز على هوية البطل بصفته ابنًا لأمٍّ جزائرية عربية، وزوجًا لامرأة من أشراف القبائل، يُوفَّق العمل في إحياء الذًّاكرة الجماعية بقالب بصري أخاذ، مبرهنًا أنَّ الثورة كانت نابعة من صلب المجتمع الجزائر ومعتقداته.

   ورغم سعي الجهة المنتجة لتبرير الاستعانة بالمخرج "جمال شورجة" كجزء من اتفاقية تعاون بين الجزائر وإيران، ضِمن آراءٍ أخرى تُدافع عن الخبرات الخارجية وتسجِّلُ أنَّ الرُّكود الحالي قد حصر إنتاجنا في اجترار آليات العمل القديمة، إلَّا أنَّ حِدَّة السّجال تصاعدت لدى فصيلٍ آخر متشبِّثٍ بالكوادر الوطنية ويرى أنَّ السِّينما الجزائرية قد تجاوزت مرحلة التَّأسيس ولم تعد بحاجة لاستيراد الخبرات، حتًّى وإن كان الغرض من ذلك التَّطلُّعُ لمزيدٍ من الإشعاع العالمي.

   ويبدو أنَّ القائمين على الإنتاج لم يتوخوا الحذر المطلوب رغم هذه التَّوجسات؛ فجاء العمل رهينةً للهنات التي تلازم الارتكان إلى الأذواق الخارجية عادةً. وتتجلَّى هذه النَّقيصة بشكل واضح في المصاحبة الموسيقية؛ فبقدر ما يأسرك الإبداع الملحمي الكبير للمؤلف التُّركي العالمي 'فاهير أتاكوغلو' (صاحب موسيقى "حريم السلطان")، يكشف هذا الاستيراد عن تغييبٍ للتُّراث الموسيقي الجزائري؛ فبدلاً من أن تعبق الألحان بروح 'قسنطينة' الجزائريين، غرق الفيلم في أجواءٍ تُذكِّر ب 'قسطنطينية' العُثمانيين، ما أحدث فجوة بيّنة في جدار الهوية المكانية، وأوقع الموسيقى في اجتهادات بعيدة عن الذائقة الوطنية وكان بالإمكان تصويبها لو أُخِذتْ تلك المحاذير على محمل الجدّ. ِ

   ومن منظورٍ آخر، استسلم المخرج لإغراء المؤثرات المعلوماتية؛ فبالغ في معالجة المناظر البعيدة حتى غدت مثل لوحاتٍ ميتة مفتقرة للحياة. وبدلاً من إبراز تفرّد قسنطينة بمعالمها العريقة وتضاريسها الجبلية المذهلة، استعاض عنها بِحيلٍ برمجية غرضها إبهار المتفرج وتضليل بصره، فجاءت النَّتيجة مصطنعة لا ترقى للمشاهد الصَّادقة الواسعة التي طالما منحت الأفلام التاريخية الكبرى جلالها المعهود.

   وتكتمل الخيبة بإنارةٍ حادّة استبدلت حميميةَ الشموع بأضواءٍ كهربائية لم تزِدْ على أنْ فضحت التَّفاصيلَ الهامشية بدلاً من منحها صكَّ العراقة.

   وفي سياقٍ آخر، وسعياً وراء الإثارةٍ المجانية، لا يتوانى الفيلم عن اختلاق شخصياتٍ وأحداثٍ تفتقر للثُّبوت التَّاريخي.

   لقد كان حرياً بالسِّيناريو تجنُّب المبالغات الرَّامية للإبهار السريع، كاختلاق مبارزةٍ لم يثبتها التَّاريخ بين "أحمد باي" والمرتزق "يوسف"؛ فرغم عدم تصريح الفيلم بهوية هذا الأخير علانية، إلا أنَّ الإشارات السِّيميائية المحيطة به سهلت إسقاط هويته على شخصيةٍ حقيقية عاصرت تلك الفترة، وهي شخصية المملوك المُتنصِّر سيئ الذِّكر "جوزيف فانتيني"، المعروف بلقبه الشَّهير: الجنرال يوسف.

   ومن أبرز الشخصيات المختلقة الأخرى، شخصية "كابورة" (التي جسَّدت دورها الرَّاحلة ريم غزالي)؛ حيث افترضها الفيلم أختاً للبطل، زاعماً نشأتها في بلاط باي تونس دون علمٍ بأصولها. ويمضي العمل في مزاعمه باختلاق مواجهةٍ مُعقَّدة، بينها وبين المملوك "يوسف" آنف الذكر، تنتهي بوقوعها في أسر جنوده ثم مقتلها وهي تصدُّ الرَّصاص عن أخيها أحمد باي في مشهدٍ ميلودرامي لا مثيل له إلَّا في أفلام "بوليوود" الرَّديئة. إنَّ هذا الحشو يتجاوز الضرورة الفنية ليصبح تزييفاً للحقائق؛ فإقحام شخصياتٍ ووقائع غير حقيقية، وبمثل هذه الطريقة، لا يمكنه إثراء القصَّة في شيءٍ، لأنَّ غاية مُحصِّلاته هو إحلال الاستعراض محلَّ الدِّقة التاريخية.

   ولكنَّ الفيلم، رغم المآخذ التي قد تُنْسبُ لانفتاحه على الخبرات الأجنبية، لا يخلو من المحاسن؛ بل إنَّ مزاياه جاءت تحديدًا من هذا الانفتاح. ويبدو أنَّ هذا التَّعاون، الذي تجلّى في قائمة المشاركين الضخمة، الواردة أسماؤهم في الجينيريك، قد تجاوز حدود الشَّاشة؛ حين تحولت مواقع التَّصوير إلى مختبرات سينمائية أتاحت للمواهب الجزائرية، من طلاب المعهد العالي لمهن العرض والسَّمعي البصري وغيرهم من الشبان المتربصين، فرصةً استثنائية للتَّعلُّم من قامات سينمائية عالمية، سواء في الإخراج، أو في الماكياج والألبسة، وفي توزيع الإضاءة، وتصميم المعارك، وهندسة الديكور وغيرها من المهارات، وِفْق ما صرَّحت به منتجة العمل بعد ذلك.

   فبمعزلٍ عن الجدل المعتاد حول استقدام تقنيين أجانب، يفرض فيلم أحمد باي نفسه كعلامة فارقة في تاريخ السِّينما الجزائرية؛ ولا شكَّ أنَّه أفلح، بفضل هذه الجرأة الفنية وبالتًّوازي مع أفلام جزائرية حديثة انتهجت سبيله، في كسر الرُّكود الذي طال الفن السَّابع في بلادنا، وفي انتشاله من حالة التِّكرار الذي لطالما أُتُّخِذ ذريعةً للالتزام بالوقائع التَّاريخية على حساب الطموح الفنِّي.

   ذلك لأنَّ جمال شورجة لم يسقط في فخِّ الرَّتابة التي تقيّد السِّينما التَّاريخية عادةً، بل ذهب نحو تطويع المادة الخام، محولاً إيَّاها إلى لغة بصرية نابضة بالحيوية.

   ثَمَّةَ في فيلمِهِ قدرةٌ على استنطاق التَّاريخ، لا كمجرد وثيقة، بل كمشهدية تتجاوز جغرافيا المكان لتلامس شمولية الفن.

   وباعتماده تقطيعاً ذكياً وحركة كاميرا انسيابية، ينجح الفيلم في الانتقال من محلِّية الحكاية إلى عالمية الصُّورة؛ حيث تنصهر المعارك والألحان والملابس والمناظر واللَّحظات الإنسانية في قالب بصري يُبقي المشاهد في حالةٍ من الدَّهشة المتواصلة.

   أمَّا على مستوى الديكور، فإنَّ العمل يمارس نوعاً من الأرستقراطية البصرية التي تُزاوج بين الرِّفعة والدِّقة. فالتَّفاصيل هنا، من أزياء وأثاث وحُلَّي، ليست إكسسوارات فائضة، بل هي محاولة لتأثيث القصة بعمق تاريخي يحمي الفيلم من الضآلة، ويمنح مشاهدَه فخامةً سينمائية جميلة.

   وحتَّى استخدام العربية الفصحى كخيارٍ لِلُغة الحوار، وبمعزلٍ عن الجدل الذي ارتفع حول افتقاره لمسوغاتٍ تاريخية مقنعة، فإنَّه يمنح الفيلم بلاغةً جميلة بإمكانها أن تضمن له الانتشار عربياً؛ كونها مُجرّدة من الرَّطانة المعتادة التي أفسدت أداء الممثلين في عددٍ من الأعمال الجزائرية، المسرحية والتلفزيونية، التي انتهجت الخيار ذاته.

   ومع أنَّ هذا الخيار اللُّغوي قد نال من واقعية العمل وأحدث تناقضاً مع الواقع السُّوسيولوجي لتلك الحقبة، إلا أنَّه يحمل ازدواجيةً ذكية؛ فهو، بقدر ما يمثل مناورة تجارية، يتبدّى كرهانٍ جمالي بامتياز؛ ذلك لأنَّ اللُّغة هنا ليست مجرد أداة للتَّواصل، بل هي خامة منحت أصوات المُمثِّلِين أبعاداً مُشبَّعةً بالوقار، وفخامةً جهوريةً تُذكِّرُ بالتَّراجيديات المسرحية الكبرى.

   وفي هذا الصَّدد، ارتقى أداء الممثلين إلى ذروته؛ حيث بدت المجموعة ككتيبةٍ واحدة منسجمة حملت الحوار على أكتافها بتفانٍ لافت للنَّظر. ويتجلّى ذلك مثلا في الحضور الطاغي لـ "محمد الطاهر زاوي" بطل العمل، والظهور الرَّصين لـ "عبد الباسط بن خليفة"، والتَّناغم الجمالي بينهما. فبينما جسّد زاوي بملامحه الحادَّة صوت المقاومة الهادر، قدّم بن خليفة شخصية المستشار "يحيى آغا" ببراعةٍ مُقتصدة؛ تارة بكلمات وجيزة، وأخرى بهزَّةِ رأس وقورة، مما خلق تفاعلاً درامياً مشحوناً بالصدق.

   وبشكل عام، أظهر المُمثِّلون انصهاراً وجدانياً في تقمص أدوارهم، مقدمين تجربة مقنعة في معظم المشاهد. غير أنَّ هفوة تسلَّلت إلى هذا النَّسيج، متمثِّلةً في أدوار الضباط الفرنسيين؛ إذ جاءت نبرتهم مثقلة بلكنةٍ محلِّيةٍ لم يفلح الممثلون الجزائريون في تجاوزها، مما أضعف مصداقية تلك الشخصيات. وكان من الأجدى الاستعانة بممثلين ناطقين بالفرنسية كأصلٍ لغوي، لتفادي هذا النشاز.

   على أنَّ هذا القصور لم ينسحب على كافة الشخصيات النَّاطقة بالفرنسية؛ بل برز استثناء لافت تجسّد في حضور النَّجم الفرنسي العالمي "جيرار ديبارديو" الذي أدّى شخصية "الدَّاي حسين"، صاحب حادثة المروحة، ليضفي بحضوره ثقلاً رمزياً لهذه الشَّخصية الكبيرة؛ في خطوةٍ بدتْ وكأنَّها هدفٌ يُسجّلُ في شباك المستعمر القديم، تزامناً مع الأزمة الحالية بين البلدين.

   وأخيرا، لا يسعنا إلَّا أن نُشِيدَ بعمل المنتجة سميرة حاج جيلاني؛ ليس لضخامة العمل الذي اضطلعت به فحسب، بل لكونها خاضت باقتدارٍ غمارَ هذه المغامرةٍ الجميلة فأحيت بها، ولو لفترة معينة، تقاليد الإنتاج الضخم في بلادنا. لقد اجتهدت حاج جيلاني في توفير وسائل ومعدات كبيرة وسعت لفرض معايير تليق بهيبة المقاومة الجزائرية وتضمن لها عملا سينمائيا بمقدوره، حتى بهذه المآخذ، أن ينال الاحترام.

   وبفضل حنكتها في إدارة الأزمات وصلابتها أمام العقبات، ارتقى عملها ليصبح مشروعاً وطنياً يفرض حضوره، مُقدِّمةً بذلك درساً بليغاً في أنَّ الجرأة هي الرَّكيزة الأساسية للتَّميُّز السينمائي.

   فعلى الرُّغم من هذا الخيار الرَّامي للاستعراض، والذي قد يخيِّب آمال فئةٍ من المتفرجين كانوا ينتظرون عملاً رصيناً يتخذونه وثيقة تاريخية ومرجعا يُعتدُّ بصحته، فإن فيلم "أحمد باي" أثبت أنَّه عمل ملحمي يؤكد قدرة السِّينما الجزائرية، متى تسلَّحت بإرادةٍ إنتاجية صلبة وثابتة، على ابتكار أسلوبها الخاص، الذي لن يلبث أن يطرق أبواب الأسواق العالمية إن هو واصل السَّير في هذا النَّهج الطموح والجريء في آن.

                                                                            عمر خضرون

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services