813
0
إضراب الأشباح… فوضى تدار من خلف الشاشات لضرب استقرار الجزائر

بقلم ضياء الدين سعداوي
في لحظات الأزمات، لا تكون الأخطار دائماً مرئية بالقدر الكافي، بل كثيراً ما تتسلل في شكل إشاعة أو منشور مجهول المصدر أو دعوة غامضة تلقى في الفضاء الرقمي دون عنوان واضح أو مطالب مفهومة، هذا تماماً ما نعيشه اليوم مع إشاعة الإضراب المزعوم للتجار، الذي يروج لتنظيمه غداً الخميس، دون هوية معلنة ولا أرضية مهنية، ولا سقف مطالب يمكن النقاش حوله.
ورغم التحذيرات الصريحة الصادرة عن الإتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين من الإنسياق وراء هذه الدعوة المشبوهة، انتشرت الإشاعة كالنار في الهشيم، مستندة إلى مناخ إجتماعي مشحون بفعل إضراب الناقلين، في محاولة مكشوفة لركوب الموجة ودفع فئة أخرى من المجتمع إلى واجهة الصدام.
اللافت في هذه الدعوة أنها بلا ملامح( لا تأطير، لا بيان تأسيسي أو تبني، لا مطالب واضحة) وكأن من يدعو إليها “أشباح ” لا تمثل التجار بقدر ما تستعملهم كوقود في مخطط أكبر ، مخطط لا يستهدف تحسين أوضاع مهنية بل يراهن على شل الحياة اليومية، وخلق حالة من الضغط والفوضى، تحت يافطة خطيرة اسمها “العصيان المدني” وهي كلمة لطالما كانت المدخل المفضل لتجارب ما يسمى بـ“الفوضى الخلاقة”.
خطورة هذا السيناريو لم تعد مجرد تحليل صحفي أو تخوف سياسي، بل أكدتها معطيات رسمية وردت في بيان الهيئة الوطنية للوقاية من الجرائم المتصلة بتكنولوجيات الإعلام والإتصال ومكافحتها، التي كشفت بناءاً على تحريات تقنية عن وجود منشورات تخريبية على شبكات التواصل الإجتماعي مصدرها حسابات وصفحات يديرها أشخاص متواجدون خارج الوطن خاصة في المغرب، فرنسا، بريطانيا وكندا، ومعروفون بعدائهم الصريح للجزائر ومؤسساتها. الهدف واضح من ورائه تحريض التجار على الإضراب يوم غد الخميس 08 جانفي 2026 بغرض المساس بإستقرار البلاد.
هنا نكون أمام محاولة ممنهجة للتلاعب بعقول فئة حيوية من المجتمع واستغلال أوضاع إجتماعية حقيقية لكن في إتجاه يخدم أجندات خارجية لا علاقة لها لا بالتاجر ولا بالمواطن، وفي كل مرة يكون المواطن البسيط هو الحلقة الأضعف: انقطاع خدمات، غلاء محتمل، ارتباك في التموين، وضغط نفسي واجتماعي لا طائل منه.
غير أن ما يثير القلق أكثر من الإشاعة ذاتها هو الصمت المريب للطبقة السياسية وجمعيات المجتمع المدني في هذا التوقيت الحساس ، مئات الآلاف من التنظيمات، الأحزاب، الجمعيات، التي طالما تغنت بالحس الوطني، وبالوحدة، وبرص الصفوف، تبدو اليوم غائبة تماماً عن الميدان ، خطابات الأمس داخل القاعات المغلقة وأمام عدسات الكاميرات لم تترجم إلى فعل ولا إلى مبادرة.ولا حتى إلى موقف واضح لإحتواء الوضع وطمأنة الشارع.
لإن مواجهة الإشاعة لن تكون بالقمع ولا بالتجاهل بل بالحضور، بالشرح، بالوساطة و بإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، كما أن حماية الإستقرار ليست مسؤولية الدولة وحدها بل واجب جماعي تتقاسمه النخب السياسية، المجتمع المدني، والإعلام، خاصة في لحظات الإلتباس والضغط.
اليوم المطلوب ليس إضراباً بلا مطالب ولا صمتاً بلا مبررات، بل يقظة وطنية تميز بين الإحتجاج المشروع والتلاعب الخبيث وبين المطالبة بالحقوق ومحاولات دفع البلاد إلى حافة الإنفجار، لأن الخاسر الوحيد من إضراب الأشباح لن يكون إلا المواطن والوطن.

