38
0
برحيل الدكتور محمود عروة تفقد الساحة الأدبية والعلمية الجزائرية رجلا جمع بين مهنة الطب ورسالة الفكر في توازن قلّ نظيره
"_هذا الشبل من ذاك الأسد»

مصطفى محمد حابس: جنيف / سويسرا
ببالغ الحزن والأسى وتسليم بقضاء الله وقدره، تلقت الجالية الجزائرية والمسلمة في أوروبا نبأ وفاة الطبيب والكاتب الجزائري باللغة الفرنسية الدكتور محمود عروة ابن العلامة الجزائري الدكتور أحمد عروة (1926 - 1992) أول عميد لجامعة الأمير عبدالقادر للعلوم الإسلامية في قسنطينة، حيث نقلت لنا هذا الأسبوع الصحافة الناطقة بالفرنسية فقط دون العربية وعلى غير عادتها، نبأ وفاة الدكتور محمود عروة (1956-2026)، وهو لا يزال في سن العطاء، كما كان قد حدثني عنه وعن جهده الفكري والعلمي من خلال بعض منشوراته المتميزة بالفرنسية أحد الاخوة الناشرين الشباب الذي تعرف عليه شخصيا في الطبعة الأخيرة الـ 28 لصالون الجزائر الدولي للكتاب (29 أكتوبر- 8 نوفمبر 2025)، و قد وعدني هذا الناشر ببعض ما تقع عليه يده من كتبه الجديدة، وكنت على أحر من الجمر أنتظر هذه الأيام وقبيل رمضان أن تصلني بعض هذه الكتب بالفرنسية للتعرف أكثر الدكتور محمود عروة و على نهج تفكيره وكتابته، و في نفس الوقت وعدني بعض أساتذتنا لكتابة تقرير ولو موجز عن المؤلف و كتبه لنشره بالفرنسية في مجلة " الشاب المسلم" الفصلية قصد تعريف شبابنا في أوروبا ببعض كتبه و رواياته خاصة أنها مكتوبة باللغة الفرنسية..
و نحن في انتظار ذلك باغتنا القدر هذا الأسبوع بخبر فقد مؤلف هذه الكتب، فاتصلت مصدوما استفسر من صهره وابن عمه أستاذنا البروفيسور عباس عروة، فأكد لي خبر الوفاة، و أن الفقيد هو نجل المرحوم الدكتور أحمد عروة، الذي خلف والده في عيادته الطبية الكائنة في حي محمد بلوزداد (بلكور سابقًا)، بالعاصمة.
مضيفا رغم حرارة الفقد، بقوله لي " أن الدكتور محمود كان طبيبًا متفانيًا وكاتبًا شغوفًا، وقد برز في مجال الروايات التاريخية والطبية، تاركًا وراءه العديد من الأعمال المتميزة بالفرنسية"، ولم يصل الا النادر من كتبه لنا في أوروبا، عدى ما نشرته له دور نشر فرنسية منذ مدة.

الوالد الدكتور أحمد عروة، سيرة ومسيرة
ينتمي الفقيد محمود عروة إلى أسرة علم وجهاد وفكر أصولها من أمدوكال ولاية باتنة بالأوراس الأشم، فهو نجل العالم الجليل الدكتور أحمد عروة، الطبيب والمفكر والمجاهد،
وهذه ترجمة مختصرة عن سيرة الوالد الدكتور أحمد عروة بقلم نجله محمود، نشرها بالفرنسية، يذكر فيها التالي:
الدكتور أحمد عروة من مواليد 11 مايو 1926 في امدوكل (ولاية باتنة سابقا). تلقى تعليم اللغة العربية وبعض علوم الإسلام بشكل أساسي من والده، محمد الصديق، الذي درس بدوره في جامع الزيتونة بتونس.
ثم تابع دراسته الطبية في جامعة مونبلييه بفرنسا أثناء الثورة، حيث نال درجة الدكتوراه في الطب في أكتوبر 1955. بعد الدراسة الطبية عاد إلى الجزائر العاصمة، ليفتتح عيادة طبية وانضم سريعًا إلى مجموعة الأطباء العاملين في صفوف جبهة التحرير الوطني. فاعتُقل في فبراير 1957، وزج به في معسكرات الاعتقال المختلفة، ولا سيما معسكر بوسويه في سفح جبال الضاية (بسيدي بلعباس)، كان هذا المعسكر في الأصل مركزًا استعماريًا أنشئ أواخر القرن التاسع عشر، ثم استُخدم في فترات مختلفة كـ «معسكر اعتقال» و«مركز إيواء» للمعتقلين السياسيين والمصنفين كـ«خطرين» خلال الحقبة الاستعمارية، وخاصة أثناء حرب التحرير.
)Camp de Bossuet (Dhaya) à 6 Km de Sidi Bel-Abbes(
الدكتور أحمد عروة لم يكن مجرد ناشط وطني، ولا طبيباً فحسب
كتب الدكتور أحمد عروة في فترة اعتقاله، العديد من القصائد باللغتين العربية والفرنسية، بما في ذلك الأناشيد الوطنية التي تدرس اليوم في المدارس الجزائرية. وبعد الاستقلال واصل ممارسة مهنة الطب في عيادته الخاصة. كما انضم إلى القطاع الصحي العام، منذ عام 1971. وحصل على درجة الدكتوراه في العلوم الطبية وأصبح أستاذًا للطب الاجتماعي، في عام 1981. كما شغل مناصب قيادية في وزارة الصحة الجزائرية، والمعهد الوطني للصحة العامة، ومستشفى مصطفى الجامعي. وفي عام 1989، عُيّن رئيسًا لجامعة العلوم الإسلامية بقسنطينة، وهو المنصب الذي شغله حتى وفاته، رحمه الله في 27 فبراير 1992.
لم يكن الدكتور أحمد عروة مجرد ناشط وطني، ولا طبيباً فحسب، بل كان أيضاً مراقباً دقيقاً لتطور المجتمع الإسلامي، وقد خصص له العديد من المساهمات، أبرزها: "الإسلام والاشتراكية"، و"الإسلام والديمقراطية"، و"الإسلام ومنع الحمل"، و"الإسلام وأخلاق الجنسين". وقد اشتهر الراحل أيضا، بتأليف باقات شعرية متنوعة.
وإلى جانب مهامه الرسمية، شارك في العديد من الفعاليات العلمية والثقافية والاجتماعية، تركا أثرًا عميقًا في مؤسسات التعليم والعمل الوطني والإصلاحي عموما،
كما عرف عنه بنشاطات ثقافية متنوعة في الجزائر وخارجها من خلال مشاركته في العديد من المؤتمرات حول الإسلام والطب و التاريخ و الحضارة و الحداثة،
و كاتب هذه السطور تعرف عليه في ملتقيات الفكر الإسلامي في ثمانينات القرن الماضي، كما درسنا بعض كتبه على مشايخنا، أذكر منها " الإسلام على مفترق الطرق" بالفرنسية، قبل أن يترجم للعربية.
كأن القدر كتب أن تتحقق فيه مقولة: «هذا الشبل من ذاك الأسد».
نشأ الابن محمود في هذه الأجواء مع إخوانه في هذا البيت الذي تنفّس العلم والصدق والإيمان بالمسؤولية، فكان امتدادًا طبيعيًا لذلك الإرث المضيء. وكأن القدر كتب أن تتحقق فيه المقولة القديمة: «هذا الشبل من ذاك الأسد».
حيث عرف الوسط الطبي الدكتور محمود عروة طبيبًا متفانيًا في حي شعبي بالعاصمة، مثل والده، يرى في مهنته طريقًا للرحمة قبل أن تكون وسيلة للرزق أو الشهرة، علما أنه كان متخصصًا في التخدير والإنعاش و ليس الطب العام ، ورئيسًا للجمعية الجزائرية لتاريخ الطب، التي توقفت نشاطاتها في السنوات الأخيرة لكثرة أشغاله و قلة مساعديه. أما في مجاله الأدبي والفكري، فقد تميّز قلمه بصفاء الفكرة وعمق التجربة، فكتب عن الإنسان ووطنه وقضاياه بروحٍ ناقدةٍ رحيمة، تجمع بين البصيرة والتواضع، بين العلم والإيمان!!
يشهد له زملاؤه وأصدقاؤه أنه كان صاحب خلق رفيع وشخصية هادئة واثقة، تفيض معرفة وطمأنينة، قادرة على الإصغاء والتوجيه دون استعلاء. في عيادته كما في كتبه ومقالاته، كان الإنسان هو محور اهتمامه الأول.
برحيل محمود عروة، تفقد الساحة الثقافية رجلين في واحد: الطبيب و القلم
حيث دون أحد زملاءه بالفرنسية، يوم وفاته قائلا، ما ترجمته: " ينعى الأدب الجزائري اليوم الأحد 20 شعبان 1447هـ / الموافق لـ 8 فيفري 2026 ، الكاتب غزير الإنتاج محمود عروة، صاحب العديد من الأعمال الأدبية في مختلف المجالات. فقد كان طبيبٌ بالدراسة والمهنة، حيث مارس الطب لسنوات طويلة في حي بلوزداد الشعبي بقلب الجزائر العاصمة، خلفًا لوالده الراحل أحمد عروة".
كما زودني بعض الاخوة بسيرة مقتضبة عن الدكتور محمود عروة الكاتب الشغوف، على حد تعبيره، حيث برز الفقيد في الرواية التاريخية، تاركًا وراءه أعمالًا عديدة لاقت رواجًا واسعًا. له مجموعتان شعريتان، هما "أوريغامي" و"نافذة على الأحلام"، بالإضافة إلى مجموعة قصصية بعنوان "مثل البوميرانج".
كما كتب الدكتور محمود عروة العديد من المؤلفات في"تاريخ الطب"، وكان من بين الكتّاب الجزائريين القلائل الذين تناولوا هذا الموضوع ومن بينها : "ابن رشد الطبيب"، و"التخدير والإنعاش في تاريخ الطب الإسلامي"، و"إدارة الألم من الطب العربي إلى الطب الحديث"، و"القلب في الطب العربي"، وشرح قصيدة ابن سينا في الطب: ترجمة ومقدمة وملاحظات، وأحدث مؤلفاته: "ابن حمادوش الجزائري، العالم المتوحد في القرن الثامن عشر"، الذي نشرته دار قصبة للنشر عام 2025.

أما في مجال الرواية، فقد كتب محمود عروة أربعة كتب:
"الطفل الذي لا يبكي أبدًا"، و"مشاعر تحت التخدير"، و"ملاك في ماكدونالدز"، وأحدثها: "جزيرة ستاتن"، التي نُشرت عام 2022. هذه الأخيرة رواية خيالية آسرة يمكن قراءتها في جلسة واحدة، - على حد تعبير الدكتور لطفي في مراسلته لي- حيث تدور أحداث الزواية في لقاء يفصل بينه وبين الآخرة ألف عام. تُقدّم الرواية شخصية أليكس مورغان، وهو أكاديمي يبلغ من العمر 25 عامًا متخصص في تاريخ الفن في العصور الوسطى، والذي يقرر ذات يوم أن يتنزه في جزيرة ستاتن بنيويورك، لينسى ألم زوجته المحتضرة. على حافة الماء، تصطدم قدمه بزجاجة مغطاة بنقوش غريبة، مما يجعلها معتمة. تحتوي الزجاجة على روح الأميرة أوريا، التي عاشت في بغداد في القرن التاسع الميلادي وفقدت زوجها مؤخرًا. يتبع أليكس تعليمات الزجاجة لكي تُبعث أوريا من جديد في جسد زوجته. و عن هذه الرواية صرّح الكاتب الراحل في الثالث من أغسطس/آب 2023، في فعالية أدبية لجريدة المجاهد بالفرنسية، قائلا :"تحاول روايتي إيصال رسالة أمل. فرغم المعاناة التي تكبدتها الشخصيتان، يجب على المرء دائمًا التمسك بالحياة. أردتُ أن أنقل القارئ إلى نيويورك، إحدى أعظم مدن العالم اليوم، تمامًا كما كانت بغداد في الماضي"، هكذا.
اهم كتبه وزبدة أفكاره بالفرنسية
وهذه قائمة لاهم كتبه وزبدة أفكاره بالفرنسية، كما أرسلها لي أحد الأطباء الأفاضل من معارفه بالفرنسية، معرفا في البداية بأن المرحوم الدكتور عروة عضواً مؤسساً ونائباً أول لرئيس الجمعية الجزائرية لتاريخ الطب منذ عام 1979، رفقة الدكتور سعيد شيبان وكوكبة معدودة من الأفاضل والفضليات. ومن بين كتاباته عن تاريخ الطب، للمرحوم عمل متميز بعنوان "النظافة والوقاية عند ابن سينا" (الشركة الوطنية للنشر و التوزيع ( سناد) الجزائر، 1979)، ومجموعتين من القصائد بعنوان "الأوريغامي" و"نافذة على الأحلام"، بالإضافة إلى مجموعة قصص قصيرة بعنوان "مثل البوميرانج".
ما نصه بالفرنسية، مع قائمة أولية لأهم كتبه ومنشوراته:
Le Dr Mahmoud Aroua, né le 7 septembre 1956, s’est éteint le 9 février 2026 à l’âge de 69 ans. Médecin anesthésiste-réanimateur et écrivain talentueux, il laisse un vide immense dans les milieux médicaux et littéraires algériens.
Le docteur AROUA a été membre fondateur et 1er vice-président de la Société Algérienne d'Histoire de la Médecine en 1979. Parmi ses écrits sur l'histoire de la médecine, un ouvrage intitulé "Hygiène et Prévention chez Ibn Sina" (ed. SNED, Alger, 1979), deux recueils de poèmes Origami et Fenêtre sur rêves ainsi qu’un recueil de nouvelles Comme un boomerang,
Parmi ces ouvrages, on trouve :
Ibn Rushd le médecin, L'anesthésie et la réanimation dans l’histoire de la médecine islamique, Traitement de la douleur, de la médecine arabe à la médecine moderne, Le cœur dans la médecine arabe, Commentaire au poème de la médecine d’Avicenne : Traduction, introduction et notes ou encore le tout dernier Ibn Hamadush Al-Djazaïri, le savant solitaire du XVIIIᵉ siècle, paru en 2025 aux éditions Casbah/Alger.
Dans le genre romanesque, Mahmoud Aroua a écrit quatre livres : L’enfant qui ne pleure jamais, Sentiments sous anesthésie, Un ange sur McDonald et le tout dernier Staten Island paru en 2022.
الفقد يذكرنا بفقد رجل آخر مثله، الدكتور هبري بوسروال
هذا الفقد يذكرني بفقد رجل آخر مثله، طبيب وكاتب، الدكتور هبري بوسروال (1944-2021)، الطبيب الجزائري المختص في طب العيون والمقيم بباريس منذ عقود والذي وافاه الأجل في فرنسا في رمضان بوباء كورونا، و رحل الى الجزائر ليدفن ليلا بعد صلاة التراويح في مقبرة زمورة بغليزان، وقد نشرنا عنه كلمة أيامها، في البصائر وبالفرنسية في جرائد أخرى، كما نظمت ندوة بالفرنسية في ذكرى رحيل الدكتور هبري بوسروال، و التي اكتشف فيه العديد من شبابنا رزية فقد لطبيب عالم موسوعي، و قد نشرت مجلة الشاب المسلم تغطية لها في عددها، رقم:53/ 2024.
://cdn.elbassair.dz/wp-
HOMMAGE - CONFÉRENCE DÉBAT VIA ZOOM : (Paris – Londres – Bruxelles – Genève) -Notre communauté arabe et musulmane d’Europe se souvient de l'un de ses maîtres, le penseur et écrivain- LE SAVANT ALGÉRIEN, Dr HÉBRI BOUSSEROUEL
فالرجل بالإضافة الى تخصصه الطبي العلمي الصرف، كان أيضا باحثا ومدرسا وأستاذا في الجامعات الفرنسية لطلبة طب العيون ومنهم كوكبة من العرب والمغاربة العاملين حاليا خارج فرنسا.. كما واصل المرحوم بحوثه حتى في مجال الطب البديل، أو الطب النبوي ، لما لا وهو حامل لكتاب الله ومفسرا له بجدارة، مكنه من إثراء المكتبة الإسلامية بعشرات الكتب باللغة الفرنسية في مواضيع مختلفة وكذا مئات الدراسات والبحوث العلمية ، طبع منها العشرات وفيها ما هو قيد النشر، طبعا عموم منشوراته تتعلق برسالة الإسلام والعصر وعلوم الطب والأعجاز و كذا فنون الدعوة الإسلامية العلمية عموما، مع بذله مجهودات مباركة مشكورة في ترجمات بعض أمهات المراجع من العربية للفرنسية، كترجمة بعض كتب ابن القيم الجوزية وملخصات من تفاسير القرآن .. وقد كرس حياته أيضا للدعوة للإسلام من خلال محاضراته للجالية وفي العديد من دول العالم وقاراته من فرنسا بأوروبا الغربية إلى إندونيسيا شرق آسيا، وكان سببا في اعتناق عدد كبير منهم للإسلام..
الطبيب والكاتب الذي ورث رسالة علم الطب وإيمان الإنسان
واليوم برحيل الدكتور محمود عروة، تفقد الساحة الأدبية والعلمية في بلادنا واحدًا من أبنائها المخلصين، الذين جمعوا بين دقّة العلم وصدق الكلمة، وبين مهنة الطب ورسالة الفكر في توازن قلّ نظيره.
إذ يمثل رحيل الدكتور محمود عروة، المباغت وهو لا يزال في سن العطاء، خسارة مؤلمة للأوساط الفكرية والطبية على حد سواء، لكنه يترك سيرة زاخرة بالعطاء والوفاء، تُلهم الأجيال الجديدة في زمن يندر فيه الالتزام العميق بقيم المعرفة والضمير
رحم الله الفقيد رحمة واسعة، وألهم ذويه وزملائه ومحبيه الصبر والسلوان.. و" إنا لله وإنا إليه راجعون".

