43
0
الفقيد الدكتور صالح أحمد بارودي… حين يلتقي الواجب الميداني بوهج المعرفة التاريخية

الحاج بن معمر
في زمن تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه الملامح المهنية والعلمية بوتيرة متلاحقة، يبرز بين الحين والآخر رجال استطاعوا أن يجمعوا بين الممارسة الميدانية الصارمة والبحث العلمي الرصين، ليشكلوا نموذجًا فريدًا للالتزام المهني والفكري في آن واحد، ومن بين هذه النماذج المتميزة يبرز اسم الدكتور صالح أحمد بارودي، الذي فقدتها الجزائر منذ يومين، عقيد في الحماية المدنية ومؤرخ بارز في مجاله، استطاع أن يحفر اسمه في سجل العطاء من خلال مسيرة تجمع بين خدمة المجتمع والبحث التاريخي والتوثيق العلمي، ليصبح بحق موسوعة معرفية في تخصصه ومرجعًا مهمًا لكل المهتمين بتاريخ الحماية المدنية وتطور مؤسساتها.
إن الحديث عن الدكتور بارودي ليس مجرد استعراض لمسيرة مهنية تقليدية، بل هو حديث عن تجربة إنسانية وعلمية متكاملة، تداخلت فيها روح المسؤولية مع شغف المعرفة، وتلاقت فيها صرامة الميدان مع عمق الفكر التاريخي، فالرجل الذي قضى سنوات طويلة في خدمة جهاز الحماية المدنية، لم يكتفِ بواجباته الميدانية التي تفرضها طبيعة هذا الجهاز الحيوي، بل اختار أن يذهب أبعد من ذلك، نحو البحث والتوثيق ودراسة تاريخ هذا القطاع وأدواره في حماية المجتمع، ليقدم بذلك إسهامًا علميًا يضاف إلى رصيده المهني المتميز.
لقد أدرك الدكتور صالح أحمد بارودي منذ وقت مبكر أن المؤسسات لا تُبنى فقط بالجهد اليومي والعمل الإداري والميداني، بل تحتاج أيضًا إلى ذاكرة تحفظ تاريخها وتوثق تجاربها وتستخلص الدروس من مسيرتها، ومن هذا المنطلق اتجه نحو الاهتمام بالتاريخ المؤسسي للحماية المدنية، واضعًا نصب عينيه هدفًا يتمثل في إبراز الأدوار الإنسانية والوطنية التي يقوم بها هذا الجهاز في حماية الأرواح والممتلكات ومواجهة الكوارث الطبيعية والحوادث المختلفة، وهو ما جعله يكرس جزءًا مهمًا من وقته للبحث والتأليف وجمع المعلومات والوثائق التي تسلط الضوء على تطور الحماية المدنية عبر السنوات، وعلى التضحيات الكبيرة التي يقدمها رجالها في سبيل أداء رسالتهم النبيلة.
وقد شكلت هذه الجهود العلمية إضافة نوعية للمكتبة المتخصصة في هذا المجال، حيث أسهمت في سد فراغ معرفي كان قائمًا فيما يتعلق بتاريخ هذا القطاع الحيوي، كما فتحت المجال أمام الباحثين والمهتمين لدراسة التجربة المهنية للحماية المدنية من منظور تاريخي وعلمي.
إن مسيرة الدكتور بارودي المهنية داخل جهاز الحماية المدنية تعكس نموذجًا للانضباط والالتزام والروح الوطنية العالية، فقد عرف عنه حرصه الدائم على أداء واجباته بكل تفانٍ وإخلاص، مستندًا إلى خبرة ميدانية طويلة مكنته من فهم عميق لطبيعة التحديات التي يواجهها هذا الجهاز في عمله اليومي، سواء تعلق الأمر بالتدخل في حالات الكوارث الطبيعية كالفيضانات والزلازل والحرائق، أو بعمليات الإنقاذ والإغاثة التي تتطلب سرعة في اتخاذ القرار وكفاءة في التنفيذ، وهي المهام التي تتطلب بدورها مستوى عاليًا من الاحترافية والتكوين المستمر، الأمر الذي جعله يؤمن بأن المعرفة العلمية والتاريخية يمكن أن تكون رافدًا مهمًا لتطوير الأداء المهني وتحسين آليات العمل داخل المؤسسات.
ومن هذا المنطلق، كان اهتمامه بالتاريخ ليس مجرد هواية فكرية أو نشاط جانبي، بل جزءًا من رؤية أوسع تسعى إلى فهم تطور المؤسسات والاستفادة من تجاربها السابقة في بناء مستقبل أكثر كفاءة وفاعلية.
ولعل ما يميز شخصية الدكتور صالح أحمد بارودي هو قدرته على الجمع بين عقلية الباحث وديناميكية الممارس الميداني، وهي معادلة قلما تتحقق في مسيرة واحدة، فالباحث عادة ما ينشغل بالتنظير والتحليل، بينما يركز رجل الميدان على التنفيذ والتدخل السريع، غير أن بارودي استطاع أن يخلق توازنًا بين هذين البعدين، فكان في الميدان رجل مسؤولية وقرار، وفي عالم الفكر مؤرخًا حريصًا على التوثيق والتحليل والاستقراء، وهو ما منحه مكانة خاصة بين زملائه في الحماية المدنية وبين الباحثين والمهتمين بالتاريخ المؤسسي، حيث يُنظر إليه باعتباره مرجعًا مهمًا في كل ما يتعلق بتاريخ هذا القطاع وأدواره الإنسانية والاجتماعية.
كما ساهمت كتاباته وأبحاثه في تسليط الضوء على الجوانب الإنسانية في عمل الحماية المدنية، تلك الجوانب التي لا تظهر دائمًا في الأخبار اليومية التي تركز غالبًا على الحوادث والكوارث، بينما يغيب عنها الحديث عن الجهود الكبيرة التي يبذلها رجال هذا الجهاز في سبيل حماية المجتمع والتخفيف من معاناة المواطنين في أوقات الأزمات.
إن الدور الذي يقوم به المؤرخ داخل المؤسسات المهنية لا يقل أهمية عن الدور الذي يقوم به الباحث في الجامعات والمراكز العلمية، فالتاريخ المؤسسي يشكل ذاكرة حية للتجارب والخبرات التي تراكمت عبر الزمن، ومن دون هذه الذاكرة يصبح من الصعب فهم مسار التطور أو تقييم النجاحات والإخفاقات التي مرت بها المؤسسات، ومن هنا تأتي أهمية الجهود التي بذلها الدكتور بارودي في مجال التوثيق التاريخي للحماية المدنية، حيث سعى إلى جمع الشهادات والوثائق والوقائع التي تشكل جزءًا من تاريخ هذا الجهاز، معتمدًا في ذلك على منهج علمي يقوم على التحقيق والمقارنة والتحليل، وهو ما أضفى على أعماله قيمة علمية ومعرفية كبيرة، جعلت منها مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتاريخ المؤسسات الأمنية والإنسانية.
ولا شك أن تجربة الدكتور صالح أحمد بارودي تعكس أيضًا أهمية التكامل بين المعرفة الأكاديمية والخبرة المهنية في بناء كفاءات قادرة على الإسهام في تطوير المجتمع، فالعلم عندما يرتبط بالممارسة الميدانية يصبح أكثر قدرة على التأثير والتغيير، كما أن التجربة العملية عندما تستند إلى تحليل علمي عميق تصبح أكثر نضجًا وفاعلية، وهذا ما جسده بارودي في مسيرته التي اتسمت بالجمع بين التكوين الأكاديمي والخبرة المهنية، ليقدم بذلك نموذجًا يُحتذى به في كيفية توظيف المعرفة لخدمة المؤسسات والمجتمع في آن واحد. ومن خلال هذه التجربة المتميزة، يمكن القول إن الدكتور بارودي لم يكن مجرد ضابط في جهاز الحماية المدنية، بل كان أيضًا شاهدًا على تاريخ هذا الجهاز ومؤرخًا لمسيرته، وهو الدور الذي يمنح عمله بعدًا إضافيًا يتجاوز حدود الوظيفة التقليدية إلى فضاء المعرفة والتوثيق.
إن المجتمعات التي تحرص على توثيق تاريخ مؤسساتها هي المجتمعات التي تدرك قيمة الذاكرة الجماعية وأهميتها في بناء المستقبل، فالتاريخ ليس مجرد سرد للأحداث الماضية، بل هو أيضًا أداة لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، وهذا ما يبدو واضحًا في الجهود التي بذلها الدكتور صالح أحمد بارودي في مجال البحث والتوثيق، حيث سعى من خلال أعماله إلى إبراز الدور الحيوي للحماية المدنية في حماية المجتمع، وإلى ترسيخ الوعي بأهمية هذا الجهاز في منظومة الأمن الإنساني، وهو المفهوم الذي أصبح اليوم يحظى باهتمام متزايد في الدراسات الحديثة التي تربط بين الأمن والتنمية والاستقرار الاجتماعي.
وإذا كان لكل مؤسسة رجال يتركون بصمتهم في تاريخها، فإن الدكتور صالح أحمد بارودي يعد دون شك من بين هؤلاء الذين جمعوا بين الإخلاص في العمل والتميز في الفكر، فمسيرته المهنية والعلمية تشكل مثالًا حيًا على قدرة الإنسان على الجمع بين الواجب المهني والاهتمام المعرفي، وعلى تحويل الخبرة الميدانية إلى مادة علمية تسهم في إثراء المعرفة وتطوير المؤسسات.
في ظل التحديات المتزايدة التي تواجهها المجتمعات المعاصرة، سواء على مستوى الكوارث الطبيعية أو الحوادث المختلفة، تزداد الحاجة إلى كفاءات تجمع بين الخبرة العملية والرؤية العلمية، وهو ما يجعل تجربة بارودي ذات دلالة خاصة، لأنها تقدم نموذجًا لكيفية توظيف المعرفة التاريخية في خدمة العمل الميداني، وكيف يمكن للتوثيق العلمي أن يسهم في تعزيز كفاءة المؤسسات وتطوير أدائها.
وفي النهاية، يمكن القول إن الدكتور صالح أحمد بارودي يمثل صورة مشرقة لرجل جمع بين شرف الخدمة في جهاز الحماية المدنية وشغف البحث التاريخي، ليقدم بذلك نموذجًا مميزًا يجسد روح الالتزام والعطاء في أسمى معانيهما، فمسيرته ليست مجرد قصة نجاح فردية، بل هي أيضًا رسالة تؤكد أن المعرفة والعمل يمكن أن يسيرا جنبًا إلى جنب في خدمة المجتمع، وأن المؤسسات تحتاج دائمًا إلى رجال يؤمنون بقيمة التاريخ بقدر إيمانهم بأهمية الحاضر والمستقبل.
هكذا واصل الدكتور بارودي مسيرته بين الميدان والكتاب، بين الواجب والبحث، ليبقى اسمه حاضرًا في سجل الرجال الذين جعلوا من المعرفة والعمل طريقًا لخدمة الإنسان والوطن، و تبقى مسيرته ملهمة للأجيال.
رحمه الله وأسكنه فسيح جناته.

