29
0
إعلانات الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي...بين الحقيقة والاحتيال

بقلم: سهام بن عاشور
أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي تمثل جزءا لا يتجزأ من الحياة اليومية، ولم تعد مجرد منصات إلكترونية تتيح التفاعل بين الأشخاص وتبادل المعلومات والأفكار داخل مجتمعات وشبكات افتراضية، بل تحولت إلى وسيلة لربط علاقات اجتماعية متنوعة. ولم يعد تأثيرها مقتصرًا على التواصل وتبادل الآراء و الأفكار، بل توسع ليشمل العلاقات الاجتماعية الأكثر حساسية منها الزواج.
أحدثت مواقع التواصل تحولا جذريا في طرق التعارف و بناء العلاقات، ليصبح الزواج عبر المواقع الإلكترونية وتطبيقات التواصل الاجتماعي وسيلة شائعة بين الشباب والفتيات في العديد من المجتمعات. فهل يمكن البحث عن شريك عبر مواقع التواصل الاجتماعي أن ينتهي بزواج ناجح، أم أنها مجرد واجهة للاحتيال؟
لقد غيرت مواقع التواصل الاجتماعي أنماط التعارف التقليدية و النماذج التفاعلية، وفتحت آفاقا و سبلا جديدة أمام الشباب للتواصل خارج الإطار الاجتماعي المعتاد.
ويرجع لجوء الكثيرين إلى هذه الوسيلة إلى عدة أسباب من بينها تسارع وتيرة الحياة، وضيق فرص التعارف الواقعي مع انغماس الأفراد في شاشات هواتفهم التي تكاد تعزلهم عن الحياة الاجتماعية الواقعية التي أعادت تشكيل تمثلات الشباب للعلاقات الإنسانية، محولة الفضاء الافتراضي إلى بيئة بديلة لإنتاج الروابط الاجتماعية و بناء العلاقات، بما فيها العلاقات الزوجية.
فقد انتقلت عملية البحث عن شريك الحياة ضمن نطاق محدود ومعروف كالأهل، العائلة و الجيران إلى الفضاء السيبراني المفتوح، لم تعد المنصات مجرد وسيلة تواصل، بل تحولت إلى مجال اجتماعي يعرض فيه أي شخص نفسه والتواصل مع الآخرين خارج حدود المجتمع الواقعي، و يقدم فيها الأفراد معلومات عن أنفسهم، مواصفاتهم، اهتماماتهم، وتطلعاتهم لشريك الحياة، هذا من جهة، و من جهة أخرى ظهرت ما يعرف بـ"الخاطبة الإلكترونية" كوسيط جديد فرضه الواقع الرقمي والتي لطالما ارتبطت مهنة "الخطّابة" أو "الخاطبة" بالتقاليد والمجتمعات المحافظة، حيث لعبت دور الوسيط بين الشباب الراغبين في الزواج، حيث لها دور مشابه للخاطبة التقليدية ولكن عبر منصات التواصل أو تطبيقات خاصة.
من خلال نشاط آلاف الصفحات على منصات مثل فيسبوك، إنستغرام، تيك توك والواتساب، تقدم خدمات تزويج الشباب عن طريق تنظيم عمليات التواصل والتعارف الجاد للزواج، من خلال جمع المعلومات الأساسية عن الطرفين، والتأكد من جدية النوايا، ومحاولة تحقيق قدر من التوافق الاجتماعي والفكري، فتقوم بعرض قوائم من العرسان والعرائس بمواصفات مختلفة وأحيانا، لتعرف إقبالا على هذه الخدمات. حيث عبر بعض الأشخاص أن هذه الظاهرة تسهّل البحث عن شريك الحياة في زمن معقد، بينما يحذر آخرون من أنها تحولت إلى نشاط تجاري غير منظم، يُستغل فيه المشاعر والرغبات، ويكثر فيه الوعود الوهمية والمخاطر المحتملة للعلاقات.
لقد ساهمت إعلانات الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي في تغيير أساليب البحث عن شريك الحياة، حيث أتاحت للأفراد فرصة عرض مواصفاتهم وتحديد تطلعاتهم بشكل مباشر وسريع، متجاوزة القيود الاجتماعية والجغرافية التقليدية.
وقد أسهمت هذه الإعلانات في تسهيل التعارف بين فئات لم تكن تجد فرصًا مناسبة للزواج، خاصة في ظل تسارع وتيرة الحياة وضعف الروابط الاجتماعية المباشرة. وفي المقابل، أثارت هذه الظاهرة جدلًا اجتماعيًا واسعًا، لما تحمله من مخاطر تتعلق بضعف المصداقية، وإمكانية الاستغلال أو الاحتيال، ما يستدعي وعيًا أكبر من الأفراد، وتنظيمًا يضمن الجدية ويحمي خصوصية الباحثين عن الزواج.
في المقابل، لا يمكن إغفال الجانب السلبي للظاهرة حيث كشفت العديد من التجارب أن بعض الأفراد يستعملون مواقع التواصل الاجتماعي كحيلة للاحتيال تحت غطاء الزواج، مستغلين العاطفة وحسن النية لتحقيق أهداف مادية أو شخصية، مثل النصب أو الابتزاز أو التلاعب النفسي.
ويعتمد هؤلاء على تزييف الهوية وبناء صورة مثالية زائفة، ما يؤدي إلى وقوع الضحايا في علاقات وهمية تنتهي بخسائر نفسية واجتماعية مؤلمة، فالنجاح أو الفشل هنا لا يرتبط بالوسيلة بل بمدى صدق وشفافية الطرفين، إذ يسهم التسرع في اتخاذ قرار الزواج عبر هذه المنصات، ناهيك عن غياب الرقابة الأسرية في تعميق فرص الفشل و عدم نجاح العلاقة.
تتباين مواقف المجتمع إزاء الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي بين القبول المشروط والرفض المطلق، حيث يرى مختصون اجتماعيون أن الإشكال لا يكمن في الوسيلة ذاتها، بل في طريقة استخدامها، مؤكدين أن غياب الوعي والضوابط الأخلاقية يحول هذه المنصات من فرصة للتعارف المشروع إلى أداة للاستغلال والإساءة.
فعمليات التعارف عبر المنصات الرقمية خاصة في الصفحات المخصصة للزواج تفتقر في كثير من الأحيان إلى الموثوقية والمعايير الأخلاقية، مما يجعل العديد من الشباب عرضة لعمليات التضليل والاحتيال بسبب تقديم معلومات مزيفة عن هوياتهم و أوضاعهم الاجتماعية و المادية ما يؤدي بالضرورة إلى عدم نجاح هذه العلاقات وحدوث تداعيات اجتماعية ونفسية سلبية.
يمكن القول إن الزواج عبر مواقع التواصل الاجتماعي يظل مجرد وسيلة، لا يمكن الحكم عليها بالنجاح أو الفشل في المطلق و لا يمكن وضع أحكام قيمية مطلقة عليها بالنجاح أو الفشل بمعزل عن طريقة استخدامها، إذ تظل فاعلية هذه الوسيلة مشروطة بالمحددات الذاتية للطرفين، والمتمثلة في نضج الوعي، وصدق التفاعلات الافتراضية، ومدى اتساقها مع المرجعيات القيمية والضوابط الاجتماعية التي تضمن ديمومة الرابطة الزوجية واستقرارها و التي تشكل أساس أي علاقة زوجية ناجحة و مستقرة.

