1805
0
زيارة تبون إلى تركيا.. هل تُؤسس الجزائر وتركيا لتحالف اقتصادي وجيوسياسي جديد في المتوسط وإفريقيا؟

الحاج بن معمر
تتجه العلاقات الجزائرية التركية نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية، في ظل الزيارة الرسمية التي يقوم بها الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى تركيا، والتي تحمل أبعادًا سياسية واقتصادية وجيوسياسية عميقة، خاصة مع التحولات التي يشهدها العالم في ملفات الطاقة والتجارة والأمن الإقليمي.
وتُعد زيارة تبون إلى تركيا الثالثة منذ توليه رئاسة الجمهورية، ما يعكس الأهمية المتزايدة التي تمنحها الجزائر لعلاقاتها مع أنقرة، في وقت تسعى فيه الدولتان إلى تعزيز التعاون الجزائري التركي في مجالات الاستثمار والطاقة والصناعة والتنسيق السياسي.
ويرى متابعون أن العلاقات الجزائرية التركية أصبحت واحدة من أبرز الشراكات الصاعدة في منطقة البحر الأبيض المتوسط، خصوصًا بعد إطلاق “مجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى” بين البلدين، والذي يُنتظر أن يمنح دفعة قوية لمسار الشراكة الجزائرية التركية خلال السنوات المقبلة.
العلاقات الجزائرية التركية.. تقارب سياسي ومصالح اقتصادية متبادلة
أكد أستاذ العلاقات الدولية محمد الصالح جمال أن زيارة الرئيس تبون إلى تركيا تعكس تحوّلًا تدريجيًا في طبيعة العلاقات الجزائرية التركية، التي لم تعد تقتصر على التعاون التقليدي، بل أصبحت تتجه نحو بناء شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.
وأوضح الخبير في العلاقات الدولية أن الجزائر وتركيا تدركان حجم التحولات الدولية الراهنة، خاصة مع تصاعد التنافس بين القوى الكبرى وإعادة تشكيل موازين النفوذ في العالم، ما يدفع القوى الإقليمية المتوسطة إلى بناء تحالفات قائمة على المصالح المشتركة والاستقلالية السياسية.
وأشار محمد الصالح جمال إلى أن الجزائر تمثل بالنسبة لتركيا بوابة استراتيجية نحو إفريقيا ومنطقة الساحل، بالنظر إلى الحضور الجزائري المتنامي داخل القارة الإفريقية، ودورها المحوري في ملفات الأمن والطاقة والدبلوماسية.
وفي المقابل، تنظر الجزائر إلى تركيا باعتبارها شريكًا اقتصاديًا وصناعيًا مهمًا، خاصة في مجالات الصناعة والبنية التحتية والاستثمار والتكنولوجيا الدفاعية، وهو ما يتماشى مع سياسة الجزائر الرامية إلى تنويع الاقتصاد وتقليص التبعية للمحروقات.
زيارة تبون إلى أنقرة تحمل رسائل جيوسياسية قوية
يرى محللون أن زيارة الرئيس الجزائري إلى أنقرة تأتي في توقيت حساس يشهد تصاعدًا في التوترات الإقليمية والدولية، سواء في الشرق الأوسط أو منطقة البحر الأبيض المتوسط أو الساحل الإفريقي.
وأكد النائب أحمد صادوق، رئيس لجنة الصداقة الجزائرية التركية بالمجلس الشعبي الوطني، أن الزيارة تعكس توجّه الجزائر نحو تعزيز تموقعها ضمن التوازنات الدولية الجديدة، في ظل التغيرات الاقتصادية والسياسية المتسارعة.
وأوضح صادوق أن الجزائر وتركيا تتقاسمان رؤى متقاربة بشأن العديد من القضايا الدولية، وعلى رأسها القضية الفلسطينية ورفض التدخلات الخارجية واحترام سيادة الدول، ما يمنح العلاقات الثنائية بُعدًا سياسيًا يتجاوز المصالح الاقتصادية.
كما شدد المتحدث على أهمية التعاون الجزائري التركي في ملفات الأمن الإقليمي، خاصة ما يتعلق بليبيا ومنطقة الساحل والهجرة غير النظامية، إضافة إلى التنسيق السياسي حول القضايا المرتبطة بالطاقة والأمن الغذائي.
الاقتصاد الجزائري والتركي.. شراكة مرشحة للنمو
على المستوى الاقتصادي
تؤكد المؤشرات أن التعاون الاقتصادي بين الجزائر وتركيا يشهد تطورًا ملحوظًا خلال السنوات الأخيرة، سواء من حيث حجم المبادلات التجارية أو الاستثمارات التركية في الجزائر.
وفي هذا السياق، أوضح الباحث الاقتصادي عثمان عثمانية أن حجم التبادل التجاري بين الجزائر وتركيا ارتفع من حوالي 4 مليارات دولار سنة 2017 إلى ما يقارب 6 مليارات دولار خلال عام 2025، مع وجود هدف مشترك لبلوغ 10 مليارات دولار في المرحلة المقبلة.
وأكد الخبير الاقتصادي أن تركيا تُعد اليوم من أكبر المستثمرين الأجانب في الجزائر خارج قطاع المحروقات، من خلال نحو 1600 مؤسسة تركية تنشط في قطاعات استراتيجية تشمل الحديد والصلب والنسيج والأشغال العمومية والبنية التحتية.
وأضاف عثمانية أن الاقتصاد التركي، رغم التحديات المرتبطة بالتضخم وارتفاع أسعار الفائدة، ما يزال يحتفظ بقدرة تنافسية قوية بفضل قاعدته الصناعية الكبيرة وصادراته المتنامية.
وأشار الباحث الاقتصادي إلى أن الجزائر أصبحت لاعبًا مهمًا في معادلة الأمن الطاقوي التركي، باعتبارها من أبرز موردي الغاز الطبيعي إلى تركيا، وهو ما يمنح العلاقات الاقتصادية بين البلدين بعدًا استراتيجيًا متزايدًا.
الاستثمارات التركية في الجزائر.. فرص واعدة لنقل التكنولوجيا
يرى خبراء الاقتصاد أن الاستثمارات التركية في الجزائر تمثل فرصة حقيقية لتعزيز التصنيع المحلي ونقل التكنولوجيا والخبرات الصناعية، خاصة في ظل رغبة الجزائر في بناء اقتصاد متنوع قائم على الإنتاج.
كما يتوقع متابعون أن تسهم زيارة تبون إلى تركيا في توقيع اتفاقيات جديدة في مجالات الصناعة والطاقة والنقل البحري والطاقات المتجددة، إلى جانب فتح آفاق جديدة للتعاون في الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا.
وأكد عثمان عثمانية أن الجزائر تمثل بالنسبة لتركيا منصة استراتيجية نحو الأسواق الإفريقية، بفضل موقعها الجغرافي وإمكاناتها اللوجستية، في حين تستفيد الجزائر من الخبرة التركية في مجالات الصناعة والاستثمار والبنية التحتية.
الجزائر وتركيا.. نحو بناء محور إقليمي جديد
تشير المعطيات السياسية والاقتصادية إلى أن العلاقات الجزائرية التركية مرشحة للانتقال إلى مستوى أكثر تأثيرًا خلال السنوات المقبلة، خاصة مع وجود إرادة سياسية قوية لدى قيادتي البلدين لتوسيع مجالات التعاون.
ويرى مراقبون أن الجزائر وتركيا تعملان على بناء شراكة إقليمية متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والتنسيق السياسي والاقتصادي، بعيدًا عن سياسة المحاور التقليدية.
كما يُتوقع أن يُسهم التقارب الجزائري التركي في إعادة تشكيل التوازنات الاقتصادية والسياسية في منطقة المتوسط وإفريقيا، خصوصًا في ملفات الطاقة والاستثمار والتجارة والأمن الإقليمي.
وتؤكد زيارة الرئيس عبد المجيد تبون إلى تركيا أن الجزائر تتجه نحو دبلوماسية اقتصادية أكثر انفتاحًا وديناميكية، قائمة على تنويع الشراكات الدولية وتعزيز التعاون مع القوى الإقليمية الصاعدة، وفي مقدمتها تركيا.

