105

0

" صناعة الغد" تنظم ندوة حول زحمة المرور بالعاصمة


في ظل التحولات الحضرية المتسارعة التي تعرفها الجزائر، وتزايد الكثافة السكانية داخل المدن الكبرى، تبرز مسألة تنظيم حركة المرور كأحد أبرز التحديات التي تواجه السلطات العمومية، لما لها من ارتباط مباشر بأمن الأفراد وسلامتهم، وبسلاسة النشاط الاقتصادي والاجتماعي.

هارون الرشيد بن حليمة

وقد أقرت القوانين المرورية الوطنية جملة من الضوابط التي تهدف إلى ضمان انسيابية السير، من خلال فرض احترام قواعد السياقة وتنظيم استغلال الطريق العمومي، بما يعكس أهمية الالتزام الجماعي في الحد من حوادث المرور والازدحام.

وفي هذا السياق، نظمت المؤسسة الجزائرية صناعة الغد ندوةً بمقر الشركة الوطنية للتأمينات بباب الزوار بعنوان “زحمة المرور بالعاصمة بين المشكل والحل”، حيث تم التطرق إلى واقع حركة المرور في العاصمة وما تعرفه من اختناقات مرورية متكررة، خاصة خلال ساعات الذروة.

وفي مستهل كلمته، أكد رئيس مؤسسة "صناعة الغد" الدكتور بشير مصطفى، أن الازدحام المروري لم يعد مجرد إشكال ظرفي، بل أصبح تحديًا حقيقيًا يفرض نفسه على صانعي القرار وعلى مختلف الفاعلين، نظرًا لانعكاساته المباشرة على الاقتصاد والبيئة ونوعية حياة المواطنين.

وفي ذات السياق، شدد على ضرورة تبني مقاربة شاملة ومتكاملة، ترتكز على تطوير النقل العمومي، وتعزيز وسائل النقل الجماعي، إلى جانب تشجيع المواطنين على تغيير سلوكهم المروري، مع التأكيد على أهمية الرقمنة في تقليص التنقلات غير الضرورية وتخفيف الضغط على الطرقات.


وفي مداخلته، أكد البروفيسور محمد صالح بوحليب أن العامل البشري يظل العنصر الأهم في حوادث المرور، مشددًا على أن السلوكيات غير المنضبطة تمثل السبب الرئيسي في أغلب الحوادث. وأوضح أن تحليل الحوادث يجب أن يعتمد على مؤشرات دقيقة، وليس فقط على الأرقام الخام، من أجل فهم أفضل للظاهرة.

كما أشار إلى فعالية الإجراءات الردعية، مثل الرادارات وسحب رخصة السياقة، في تقليص الحوادث، مبرزًا كذلك تأثير القرار السياسي، إلى جانب تأثير جائحة كوفيد-19 التي أدت إلى انخفاض الحوادث مؤقتًا. وأضاف أن فئة الشباب تُعد الأكثر عرضة للحوادث، داعيًا إلى تعزيز التوعية والتكوين، باعتبار أن تحسين سلوك السائق هو المفتاح الأساسي للسلامة المرورية.

ومن جانبه، أوضح الدكتور والخبير  وليد خليفي أن سلوك مستعملي الطريق يُعد من أهم أسباب تفاقم الازدحام المروري، حيث يؤدي غياب الانضباط والتوقف العشوائي وضعف الثقافة المرورية إلى اختناقات متكررة، خاصة خلال أوقات الذروة.

وأشار إلى أن الضغط الناتج عن تزامن تنقل المواطنين في نفس الأوقات يزيد من تعقيد الوضع.وفي هذا السياق، دعا إلى ضرورة تطوير وسائل النقل العمومي، من خلال توسيع خطوط المترو والترامواي ورفع وتيرة خدماتها، إلى جانب تحسين البنية التحتية وإنجاز الأنفاق لتسهيل حركة المرور.

كما أبرز أهمية التوجه نحو الرقمنة لتقليل التنقلات غير الضرورية، مؤكداً أن معالجة الازدحام تتطلب رؤية استراتيجية شاملة تجمع بين تطوير البنية التحتية وتحسين النقل وتعزيز الوعي المروري

وفي مداخلته، قدّم الوزير السابق فاروق شعيلي عرضًا تحليليًا حول ظاهرة الازدحام المروري، مبرزًا أن محاور الطرق الرئيسية بالعاصمة، خاصة محور مطار هواري بومدين نحو وسط المدينة ومحور المطار نحو زرالدة، تعرف تشبعًا كبيرًا، حيث تستوعب ما يقارب 228 ألف مركبة يوميًا، في حين أن طاقتها الفعلية لا تتجاوز 100 ألف مركبة، ما يعكس حجم الضغط الكبير على البنية التحتية.


وأشار إلى أن هذا الضغط المروري يترتب عنه تكاليف اقتصادية إضافية معتبرة، إذ تقدر الخسائر بنحو 4.2 مليون دينار جزائري لكل كيلومتر يوميًا، لترتفع سنويًا إلى حوالي 1.52 مليار دينار، وهو ما يبرز الأثر المباشر للازدحام على الاقتصاد الوطني.

كما أوضح أن تكلفة استعمال السيارة ترتفع بشكل كبير خلال أوقات الذروة مقارنة بالفترات العادية، ما يعكس الخسائر الناتجة عن التوقف والزمن الضائع في التنقل.


وأضاف أن الازدحام المروري لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فقط، بل يمتد ليشمل آثارًا سلبية متعددة، من بينها تراجع الإنتاجية، وزيادة التوتر والإرهاق لدى مستعملي الطريق، إضافة إلى تلوث البيئة وارتفاع حوادث المرور.

كما أكد أن الظاهرة ليست محلية فقط، بل هي تحدٍ عالمي، غير أن تأثيرها يكون أكبر في الدول النامية بسبب محدودية الحلول وتراكم الضغط على البنية التحتية.

في تصريح خاص خص به جريدة بركة نيوز، أكد الدكتور بشير مصطفى الوزير السابق  ورئيس المؤسسة الجزائرية صناعة الغد أن تنظيم مثل هذه الندوات يمثل خطوة أساسية في مسار البحث عن حلول فعلية ومستدامة لمشكلة زحمة المرور التي تعرفها العاصمة، مشددًا على أن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم بشكل فردي أو ارتجالي، بل تستوجب إشراك جميع المختصين من مهندسين، وخبراء في النقل، وقانونيين، وأمنيين، من أجل بناء رؤية شاملة قائمة على التشخيص الدقيق للواقع.


وأوضح أن أهمية هذا النوع من اللقاءات تكمن في كونه فضاءً مفتوحًا لتبادل الخبرات والتجارب، حيث يتم الوقوف على مكامن الخلل واقتراح حلول علمية قابلة للتطبيق، مضيفًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في تشخيص المشكلة، بل في القدرة على تحويل التوصيات إلى إجراءات ميدانية ملموسة، تساهم في تحسين انسيابية المرور وتخفيف الضغط على الطرقات. كما شدد على ضرورة اعتماد مقاربة حديثة في تسيير حركة المرور، قائمة على الرقمنة، وتطوير أنظمة المراقبة، إلى جانب تعزيز الوعي المروري لدى المواطنين.


من جهتها، أكدت الأستاذةو المحامية الجزائرية والناشطة الحقوقية فريدة عبري أن قانون المرور يشكل الإطار القانوني الأساسي لتنظيم حركة السير وضمان سلامة مستعملي الطريق، غير أن فعاليته تبقى رهينة بحسن تطبيقه واحترامه من قبل الجميع. وأضافت أن التشديد في تطبيق القوانين لا يجب أن يُفهم على أنه إجراء عقابي فقط، بل هو وسيلة لحماية الأرواح وتقليل الحوادث المرورية التي تخلف خسائر بشرية ومادية معتبرة.


وأوضحت أن تعزيز ثقافة احترام قانون المرور يبدأ من التربية والتوعية، مرورا بالمرافقة القانونية الصارمة، وصولا إلى فرض عقوبات رادعة في حق المخالفين، معتبرة أن غياب الصرامة في التطبيق يساهم بشكل مباشر في تفاقم الفوضى المرورية. كما دعت إلى تكثيف الحملات التحسيسية، وإدماج مفاهيم السلامة المرورية في مختلف مراحل التعليم، من أجل بناء جيل واعٍ بمخاطر الطريق.

أما الدكتور والخبير في الهندسة وليد خليفي، فقد قدم قراءة تحليلية معمقة حول الأسباب الحقيقية وراء زحمة المرور، موضحًا أن هذه الظاهرة لا يمكن اختزالها في عامل واحد، بل هي نتيجة تداخل عدة عوامل رئيسية، على رأسها العامل البشري، والعامل المادي، وعامل الطريق.


وأشار إلى أن العامل البشري يظل الأكثر تأثيرًا، حيث إن سلوك السائقين، وعدم احترام قواعد السير، والتسرع، والتجاوزات الخطيرة، كلها عوامل تساهم في تعقيد الوضع المروري، في حين أن العامل المادي يتمثل في محدودية وسائل النقل العمومي وضعف استغلالها، إضافة إلى تزايد عدد المركبات بشكل يفوق طاقة استيعاب الطرقات.


كما أوضح أن عامل الطريق يلعب دورًا مهمًا، من حيث تصميم الشبكة الطرقية، ووجود بعض النقاط السوداء، وضيق بعض المحاور، وعدم ملاءمة بعض البنى التحتية مع الكثافة المرورية الحالية، داعيًا في هذا السياق إلى اعتماد حلول هيكلية عميقة، من بينها إنشاء أنفاق تحت الأرض، وتوسيع الطرقات، وإعادة تهيئة المحاور الرئيسية، بما يسمح بتخفيف الضغط وتحقيق انسيابية أفضل في حركة السير.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services