14

0

تيغرسي لـ"بركة نيوز": الاستثمار في الطفولة "صمام الأمان" لبناء رأس مال بشري مستدام

نسرين بوزيان

يحيي العالم اليوم العالمي للطفولة المصادف للفاتح جوان من كل سنة في وقت يتعزز فيه الاهتمام الدولي بحماية حقوق الطفل وترسيخ مكانته كفاعل أساسي في مسارات التنمية، وذلك استنادا إلى توصية الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1954 التي دعت إلى تخصيص يوم عالمي للطفل بوصفه محطة رمزية لترسيخ قيم التآخي والتفاهم بين أطفال العالم، وتعزيز مبادئ حقوق الطفل كما أقرتها المواثيق الدولية ذات الصلة.

تعكس هذه المناسبة الدولية التحول الذي شهدته النظرة إلى الطفولة خلال العقود الأخيرة حيث لم يعد الطفل ينظر إليه من زاوية الرعاية والحماية فقط بل أصبح يدرج ضمن المقاربات التنموية باعتباره ركيزة أساسية في بناء رأس المال البشري وعنصرا استراتيجيا في تحقيق التنمية المستدامة.

وانطلاقا من هذا التصور الجديد برز مفهوم الطفولة المبكرة باعتباره أحد أهم مجالات الاستثمار الاجتماعي والاقتصادي بالنظر إلى ما يحققه من عوائد طويلة المدى تشمل تحسين جودة التعليم، وتعزيز الصحة العامة، وتقوية التماسك الاجتماعي بالإضافة إلى دعم فرص النمو والتنمية على المدى البعيد.

 

في هذا السياق، أكد الخبير الاقتصادي والأستاذ المحاضر في الاقتصاد بجامعة الجزائر 3، تيغرسي الهواري في حديثه لـ" بركة نيوز " أن التحول في النظرة إلى الطفل يعكس تطورا في الفكر التنموي حيث انتقلت المقاربة من اعتبار الطفل مستهلكا للموارد إلى اعتباره ثروة بشرية كامنة تستوجب الاستثمار المبكر والمستدام ، موضحا أن هذا التحول تجسد من خلال إدماج قضايا الطفولة في صلب السياسات التنموية لاسيما عبر تطوير المنظومة التربوية وتحسين خدمات الرعاية والتكفل.


كما أشار تيغرسي إلى أن هذه السياسات لم تعد تقرأ في بعدها الاجتماعي فقط بل أصبحت تنظر إليها باعتبارها استثمارات استراتيجية ذات مردودية اقتصادية مرتفعة على المدى البعيد.

ويرى المتحدث أن تحسين جودة التعليم والرعاية الصحية خلال السنوات الأولى من حياة الطفل ينعكس مستقبلا على إنتاجية الفرد وقدرته على الاندماج في سوق العمل، ما يجعل الإنفاق على الطفولة استثمار وقائيا يقلل من تكاليف اجتماعية واقتصادية أكثر تعقيدا في المستقبل، كما أن الاستثمار في الطفولة يمثل مدخلا أساسيا لبناء مجتمع المعرفة حيث ينظر إلى الطفل اليوم باعتباره نواة لمجتمع المستقبل القائم على الرقمنة والابتكار،  ما يجعل السياسات التي تركز على تنمية قدرات الطفل منذ المراحل الأولى من العمر عاملا أساسيا في ضمان استمرارية التنمية وتعزيز القدرة على مواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية المتسارعة.

وأبرز المتحدث إلى أن برامج تنمية الطفولة المبكرة تلعب دورا محوريا في الحد من الفوارق الاجتماعية والاقتصادية خاصة لدى الفئات الهشة من خلال توفير فرص متكافئة للنمو والتعلم منذ السنوات الأولى، الأمر الذي يساهم في كسر دائرة الفقر والحد من انتقالها بين الأجيال.

وفي معرض حديثه عن العلاقة بين الوضع الاقتصادي للأسرة وواقع الطفل، أوضح تيغرسي أن هذه العلاقة ليست هامشية بل هي علاقة مباشرة وعميقة التأثير إذ ينعكس المستوى المعيشي للأسرة على مختلف جوانب حياة الطفل من تعليم وصحة وتغذية واستقرار نفسي واجتماعي.

كما أن الطفل لا يعيش الاقتصاد في شكل مؤشرات وأرقام بل يعيشه من خلال تفاصيل يومية تؤثر بشكل مباشر في فرص نموه وتطوره، حيث يرفع تحسن الدخل والاستقرار المالي للأسرة من فرص الطفل في الاستفادة من تعليم نوعي ورعاية صحية منتظمة وتغذية سليمة وبيئة أسرية مستقرة، في حين تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تقليص هذه الفرص وخلق فجوات مبكرة في مسارات النمو.

وعن أبرز التحديات الاقتصادية التي تواجه الطفولة اليوم، يشير الخبير إلى أن الفقر وتراجع القدرة الشرائية يأتيان في مقدمة هذه التحديات حيث يؤدي ارتفاع تكاليف المعيشة إلى اضطرار بعض الأسر إلى تقليص الإنفاق على التعليم والدروس الخصوصية والأنشطة التكميلية وحتى التغذية الصحية، ما ينعكس مباشرة على جودة النمو في المراحل الأولى من الحياة.

ولفت  تيغرسي إلى استمرار التفاوت في فرص الوصول إلى تعليم جيد خاصة بالنسبة للأطفال المنحدرين من أوساط اجتماعية واقتصادية هشة، والذين يواجهون صعوبات أكبر في الاستفادة من تعليم نوعي أو وسائل تعليم رقمية حديثة أو أنشطة مرافقة تنمي قدراتهم، الأمر الذي يساهم في إعادة إنتاج الفوارق الاجتماعية وتعميقها بمرور الوقت.

وتطرق تيغرسي كذلك إلى تحديات الأمن الغذائي والصحي، مؤكدا أن التغذية السليمة لا تمثل مجرد حاجة يومية بل تعد استثمارا طويل الأمد في القدرات الذهنية والجسدية للطفل وأن أي خلل في هذا الجانب نتيجة الضغوط الاقتصادية قد يؤثر سلبا على النمو المعرفي والصحي والتحصيل الدراسي مستقبلا.

وفي هذا الصدد، شدد تيغرسي على أن الاقتصاد الرقمي والتضخم والتغيرات المتسارعة في سوق العمل تفرض تحديات جديدة على سياسات الطفولة، ما يستدعي إعداد الأطفال بمهارات المستقبل التي تمكنهم من الاندماج في اقتصاد المعرفة والاستفادة من الفرص التي يتيحها العالم الرقمي.

في ختام حديثه، يؤكد الخبير الاقتصادي تيغرسي الهواري أن الاستثمار في الطفولة لا ينبغي أن ينظر إليه كعبء على الميزانيات العامة، بل كخيار استراتيجي طويل الأمد لبناء رأس مال بشري قوي، وتحقيق تنمية مستدامة واستقرار اقتصادي واجتماعي يمتد أثره لأجيال قادمة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services