16
0
توقرت تحتفي بذاكرة الزوايا: أدوار روحية وتاريخية صنعت الوعي الوطني زمن الاستعمار

شهدت توقرت صباح اليوم حراكًا علميًا مميزًا من خلال ملتقى وطني احتضنته الزاوية التجانية بتمـاسين، سلّط الضوء على الأدوار المتعددة للزوايا والطرق الصوفية في الجزائر خلال فترة الاستعمار الفرنسي، باعتبارها مؤسسات دينية واجتماعية لعبت دورًا محوريًا في حماية الهوية الوطنية وبناء الوعي الجماعي.
محمد الحسان رمون
في كلمته الافتتاحية، أكد شيخ الزاوية التجانية، الدكتور محمد العيد التجاني، أن هذا الملتقى، المنظم بالشراكة مع جامعة الوادي وهيئات علمية، يندرج ضمن مسعى أكاديمي جاد لإعادة قراءة تاريخ الزوايا، وعلى رأسها الطريقة التجانية، بوصفها فضاءات روحية وتربوية أسهمت في صياغة الإنسان الجزائري المتشبث بدينه وهويته.
وأوضح أن الزوايا لم تكن مجرد أماكن للعبادة، بل تحولت إلى مراكز إشعاع علمي وثقافي، ساهمت في تعليم القرآن والعلوم الشرعية، وغرست قيم التضامن والتكافل، في وقت كانت فيه محاولات طمس الهوية تستهدف المجتمع في عمقه.

من جهته، أبرز شيخ الزاوية الرحمانية بعزازقة، عبد الله شرشم، الدور النضالي للزوايا، خاصة التابعة للطريقة الرحمانية، والتي شكّلت خطوط دفاع روحية وثقافية ضد سياسات الإدماج والتغريب.
وأشار إلى أن الزوايا كانت حاضنة للمقاومة الشعبية وداعمة لرموزها التاريخيين، مثل الأمير عبد القادر والشيخ بوعمامة والشيخ الحداد، حيث وفّرت لهم الإسناد المعنوي والبشري، وأسهمت في تعبئة الجماهير ضد الاستعمار.
وفي مداخلة علمية، تناولت الدكتورة أمينة تجاني من جامعة الوادي البعد التربوي والاجتماعي للزوايا، مستعرضة نموذج الزاوية التجانية بتمـاسين، التي لعبت دورًا بارزًا في نشر التعليم، خاصة في المناطق الصحراوية، وساهمت في ترسيخ قيم التعاون والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع.
وأكدت أن الزوايا نجحت في الحفاظ على تماسك المجتمع الجزائري رغم الظروف القاسية التي فرضها الاستعمار، من خلال اعتمادها على منظومة قيمية متكاملة تجمع بين الدين والعلم والعمل الاجتماعي.

ولم يغفل المشاركون أهمية الأرشيف التاريخي للزوايا، حيث دعوا إلى ضرورة حفظه ورقمنته باعتباره كنزًا يوثق مرحلة مفصلية من تاريخ الجزائر، كما شددوا على أهمية تشجيع البحوث الأكاديمية التي تعيد الاعتبار لهذه المؤسسات وتبرز مساهماتها في مختلف المجالات.
يؤكد هذا الملتقى أن الزوايا والطرق الصوفية لم تكن مجرد شاهد على التاريخ، بل كانت فاعلًا أساسيًا في صناعته من خلال دورها الروحي والتربوي والنضالي. واليوم، ومع تزايد الاهتمام بالهوية والذاكرة الوطنية، تعود هذه المؤسسات إلى الواجهة كمرجع ثقافي وروحي قادر على الإسهام في بناء وعي متوازن يجمع بين الأصالة والمعاصرة.
وبين صفحات التاريخ وروح الحاضر، تظل الزوايا في الجزائر عنوانًا لصمود الهوية ومرآةً لذاكرة شعب لم ينكسر رغم كل محاولات الطمس والتهميش.

