24

0

التمهين في المنيعة… رقمنة التكوين على محكّ الفعالية الاقتصادية

أعطت السلطات المحلية بولاية المنيعة إشارة انطلاق حملة تحسيسية واسعة للتعريف بمنصة "تمهين"، في خطوة تتجاوز بعدها المحلي لتندرج ضمن توجه وطني يرمي إلى إعادة صياغة العلاقة بين منظومة التكوين المهني واحتياجات سوق العمل.

لحسن الهوصاوي

هذه المبادرة، التي جاءت بإشراف الأمين العام للولاية بشير منون، نيابة عن والي الولاية، وبمشاركة مختلف الفاعلين، تؤشر إلى بداية انتقال نوعي من سياسات تقليدية في التكوين إلى مقاربة أكثر مرونة وديناميكية، تقوم على الرقمنة والاستجابة الفعلية لمتطلبات الاقتصاد.

وفي ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها سوق العمل، تعود مسألة التكوين المهني إلى صدارة النقاش العمومي، ولكن هذه المرة من زاوية مختلفة، عنوانها التكيّف مع الاقتصاد الرقمي والرهان على أدوات حديثة لضبط العلاقة بين العرض التكويني والطلب المهني. وفي هذا السياق، تبرز منصة "تمهين" كآلية تنظيمية تهدف إلى تقليص الفجوة بين مخرجات التكوين واحتياجات المؤسسات، وهي فجوة طالما شكّلت أحد أبرز التحديات أمام سياسات التشغيل.

إطلاق هذه الحملة من أمام مقر الولاية، وبحضور مسؤولي قطاعات التكوين والتشغيل والعمل، لم يكن مجرد إجراء رمزي، بل يعكس إرادة سياسية واضحة لإعادة الاعتبار للتكوين المهني كخيار استراتيجي. فلم يعد الرهان يقتصر على توفير مناصب تكوينية، بل بات مرتبطاً بمدى قدرة هذه المناصب على الاستجابة لمتطلبات السوق، وهو ما تسعى "تمهين" إلى تحقيقه عبر خلق حلقة وصل مباشرة وشفافة بين المؤسسات الاقتصادية وطالبي التكوين.

وتستهدف الحملة ما يقارب 390 مؤسسة اقتصادية وإدارية عبر إقليم الولاية، في محاولة لإشراكها بشكل فعلي في صياغة منظومة التكوين. هذا التوجه يعكس تحولاً في فلسفة القطاع، حيث لم يعد التكوين يتم بمعزل عن محيطه الاقتصادي، بل أصبح يقوم على شراكة عضوية مع المؤسسات، قوامها تبادل المعلومات وتحديد الاحتياجات بدقة، بما يحقق نوعاً من التوازن بين العرض والطلب.

وفي كلمة له بالمناسبة، أكد مدير التكوين والتعليم المهنيين لولاية المنيعة، بن يوسف العيورات، أن منصة "تمهين" تمثل نقلة نوعية في مسار تحديث القطاع، مشيراً إلى أنها ستسمح بتوجيه التكوين نحو تخصصات ذات جدوى اقتصادية حقيقية. كما شدد على أن نجاح هذه المبادرة يظل رهيناً بانخراط فعلي للمؤسسات الاقتصادية، التي يُعوّل عليها في احتضان المتكونين والمساهمة في تأطيرهم ضمن نظام التمهين.

غير أن هذا التوجه، رغم أهميته، يواجه جملة من التحديات، في مقدمتها تلك المرتبطة بثقافة التمهين داخل المجتمع. فالتكوين المهني لا يزال يعاني من صورة نمطية تقلل من قيمته مقارنة بالتعليم الجامعي، وهو ما يؤثر بشكل مباشر على توجهات الشباب. ومن هنا، تبرز أهمية هذه الحملات التحسيسية في إعادة تشكيل الوعي الجماعي، وترسيخ فكرة أن المهن التقنية والحرفية تشكل ركيزة أساسية لأي اقتصاد منتج.

كما تطرح مسألة جاهزية المؤسسات الاقتصادية نفسها كعامل حاسم في إنجاح هذه المبادرة. فالكثير من المؤسسات، خاصة الصغيرة والمتوسطة، قد تجد صعوبة في الانخراط في نظام التمهين بسبب محدودية الإمكانيات أو نقص الخبرة في مجال التأطير. وهو ما يستدعي، بالضرورة، توفير آليات دعم ومرافقة من قبل السلطات العمومية، سواء عبر التحفيزات أو من خلال التأطير التقني.

ومن زاوية أخرى، تندرج هذه المبادرة ضمن التوجه العام للدولة نحو رقمنة الخدمات العمومية، بهدف تعزيز الشفافية وتحسين كفاءة التسيير. وفي هذا الإطار، يمكن لمنصة "تمهين" أن تلعب دوراً محورياً في توفير قاعدة بيانات دقيقة حول احتياجات السوق، بما يسمح باتخاذ قرارات أكثر نجاعة في مجال التكوين والتشغيل.

الطابع التشاركي الذي ميّز إطلاق الحملة، بحضور ممثلين عن مختلف القطاعات، يعكس إدراكاً متزايداً بأن إشكالية البطالة لا يمكن معالجتها بمقاربات قطاعية ضيقة، بل تتطلب تنسيقاً شاملاً بين التكوين، والتشغيل، والاستثمار، والسياسات الاقتصادية.

في المحصلة، تمثل "تمهين" تجربة ميدانية حقيقية لاختبار مدى قدرة السياسات العمومية على التكيّف مع التحولات الراهنة. فهي تحمل وعوداً بإعادة التوازن إلى سوق العمل، لكنها في الوقت نفسه تضع جميع الأطراف أمام مسؤوليات جديدة. وبين الطموح والتحدي، يبقى الرهان الأساسي هو بناء منظومة تكوين مرنة وفعالة، قادرة على منح الشباب فرصاً حقيقية للاندماج، والمساهمة في تحقيق تنمية محلية مستدامة قائمة على الكفاءة والمهارة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services