22

0

“ثاني أيام العيد بقسنطينة.. النعمة البيضاء وسينية الضيافة تصنعان أجواء اللمة العائلية”

 
ص دلومي
 
 
مع خيوط الفجر الأولى في ثاني أيام عيد الأضحى المبارك، تستيقظ النسوة في قسنطينة على وقع نشاط دؤوب، حيث لا تكتمل فرحة العيد في بيوت "مدينة الجسور المعلقة" إلا باللمة حول طبق "النعمة" القسنطينية بمرقها الأبيض الصافي.
 
فبمجرد أن يبدأ النهار، تتحول المطابخ إلى خلية نحل تنبض بروح التوارث، إذ تُعد "النعمة" في هذا اليوم رمزاً للبركة ووجهاً مشرقاً للكرم الذي يطبع هوية أهل المدينة.
 
يختار القسنطينيون لهذا الطبق أجود قطع لحم أضحية العيد الطازجة، التي تُطهى على نار هادئة مع البصل والحمص، في مزيج يبتعد تماماً عن صخب التوابل الحادة ليحافظ على بياضه الناصع الذي ينم عن ذوق رفيع وبساطة متناهية في التحضير، حيث يبرز المذاق الأصلي للحم دون إضافات.
 
ولا يقتصر هذا الطبق على كونه وجبة غداء فاخرة، بل هو طقس اجتماعي بامتياز؛ إذ تتبادل العائلات القسنطينية "القصاعي" المليئة بـ "النعمة" واللحم الطازج مع الجيران والأقارب، في مشهد يعيد إحياء قيم التكافل والمودة التي تزداد رسوخاً مع كل عيد.
 
وفي خضم هذه الأجواء الصباحية، تتعالى أصوات الجارات من الشرفات وفي أزقة المدينة العتيقة، لتبدأ "الحيّة" وتتبادل النسوة الأحاديث الودية حول تفاصيل العيد. تقول الخالة عائشة، وهي من أعيان الحي القديم: "، النعمة البيضاء في ثاني أيام العيد ليست مجرد طعام، بل هي بركة تملأ البيت؛ فالبصل المهروس جيداً مع السمن الحر هو سرّنا الذي يجمع العائلة، وقطعة اللحم الطازجة التي نضعها في وسط القصعة هي دليل كرمنا الذي ورثناه عن أجدادنا، والحمد لله الذي أعاد علينا العيد بالصحة والستر".
 
ولا تختلف نظرة الجيل الشاب عن هذا الإرث، حيث تسعى ربات البيوت الشابات للحفاظ على هذه التقاليد رغم إيقاع الحياة السريع. فتقول أمينة، وهي أم شابة تحرص على تطبيق وصفة والدتها بدقة: "أنا دائماً أنتظر هذا اليوم لأتعلم من أمي تفاصيل تحضير النعمة البيضاء؛ فهي ليست مجرد طبخة بالنسبة لي، بل هي درس في الصبر والذوق الرفيع. عندما أرى فرحة أطفالي وهم ينتظرون 'قصعة' النعمة، أشعر أنني أربطهم بهويتهم وبأصولهم القسنطينية التي لا تكتمل إلا بهذا الطبق المميز".
ومع اجتماع الأهل حول المائدة التي تتوسطها قطع اللحم المطهوة بعناية، يتبادل الكبار ذكريات الأعياد في أزقة المدينة، بينما تضفي رائحة المرق المطهو بالسمن في الأرجاء طقوساً خاصة لا يمكن لأي طبق آخر أن يعوضها. 
 
إن الاستمرار في تحضير هذا الطبق وفق الأصول القسنطينية هو في جوهره احتفاء بالجذور، وتأكيد على أن "النعمة" هي الرابط الذي يشد وثاق العائلة القسنطينية في أيام العيد، لتظل هذه العادة متقدة في الذاكرة الجمعية، تنقل للأجيال الجديدة معنى "اللمة" القسنطينية التي لا تكتمل إلا بـ "النعمة" البيضاء التي تعكس بياض قلوب أهل الجسور المعلقة.
 
 
 
سينية العيد وزيارات عائلية تعكس أجواء اللمة بقسنطينة
 
 
لا يكتمل صباح اليوم الثاني دون "سينية العيد الكبير" التي تعدها ربات البيوت بعناية فائقة منذ الفجر. هذه السينية ليست مجرد طبق للتقديم، بل هي لوحة فنية تجتمع فيها الحلويات التقليدية كالكعك، الغريبية، والقريوش، لتتوسط مجالس الضيافة.
 
وما يضفي على هذه الجلسات انتعاشاً خاصاً هو تحضير "عصائر الليمون" الطازجة، التي تحرص النسوة على تقديمها باردةً، لتكسر حدة الأطباق الدسمة وتمنح الضيوف شعوراً بالانتعاش والترحيب، في تقليد يجمع بين عراقة الموروث القسنطيني ولمسات الضيافة المعاصرة.
 
 
بمجرد الانتهاء من مأدبة الغداء، تبدأ طقوس الزيارات العائلية التي تُعد الركيزة الأساسية لهذا اليوم. تتحول شوارع قسنطينة وأزقتها إلى مسارات حيوية تربط البيوت ببعضها البعض، حيث تخرج العائلات في مواكب صغيرة لزيارة الأقارب، بدءاً من بيوت الأجداد وكبار العائلة. 
وتكتسي هذه الزيارات طابعاً روحياً واجتماعياً، حيث يحرص الجميع على تعزيز أواصر القربى وتهنئة بعضهم البعض، مؤكدين أن العيد في قسنطينة لا تكتمل فرحته إلا بتصافي القلوب وجمع شتات العائلة حول "سينية" الحلوة وذكريات الأيام الخوالي.
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services