464

0

طفل… بين عجلات الكرسي المتحرّك

 بقلم بومدين حدوش:  

لم أكن في البيت حين أحضروا الكرسي المتحرّك.
حين عدت، كان هناك، في زاوية الغرفة، مطويًا وصامتًا، كأنه كان ينتظرني منذ الأزل.

سألت: «ما هذا؟»
قالت خالتي بصوت حاولت أن تجعله عاديًا: «كرسي… سيساعدك.»

 اقتربت منه  ببطء. أسود، معدني، بارد حتى من بعيد. عجلتان كبيرتان، مقعد من قماش باهت،  ومقابض تلمع في الضوء. بدا كأنه عرش صغير… لكنه عرش للمهزومين.

قالت: «جرّبه.»

جلست.
وحين لامس جسدي ذلك القماش البارد، وحين تدلّت ساقاي في الهواء، فهمت دون شرح: حياتي لن تعود كما كانت.

دفعت العجلات بيدي. تحرّك الكرسي ببطء، بصوت معدني خافت، كصرخة مكتومة. متران… ثلاثة… ثم توقفت. نظرت إلى يديّ على العجلات، وإلى خالتي التي تبتسم ابتسامة لا تصل إلى عينيها. وفي تلك اللحظة، بكيت للمرة الأولى… دون صوت.

الخوف الأول

في الأيام الأولى، لم يكن الخوف من السقوط أو الألم؛ كنت قد تعلّمت الألم باكرًا. كان الخوف أعمق: أن أصبح شيئًا آخر في نظر العالم.

لم أعد الطفل الذي يمشي ببطء، بل الطفل على الكرسي.
والفرق ليس في الحركة فقط، بل في النظرة.

رأيت الأقدام التي تمشي بثقة، التي لا تفكّر في المشي، التي تركض وتقفز وتصعد السلالم دون أن تسأل نفسها: هل أستطيع؟
وأدركت أن علاقتي بالعالم تغيّرت إلى الأبد.

العالم من مستوى آخر

الأشياء نفسها كانت حولي: البيت، الحوش، شجرة التين، باب المدرسة. لكن العتبات التي كنت أعبرها دون تفكير صارت جبالًا صغيرة. الوجوه نفسها… لكن بنظرة مختلفة. ليست كراهية، بل شفقة. والشفقة أقسى.

لم يكبر العالم؛ أنا من انخفضت.
وصارت الحياة تُرى من زاوية لا يعرفها إلا من جلس يومًا ليكتشف أن الجلوس قد يكون قدرًا لا خيارًا.

الكرسي لم يمنحني حركة، بل منحني وعيًا جديدًا بالمكان:
وعيت العتبات، الأرصفة المتكسّرة، النظرات المترددة، والصمت الثقيل قبل السؤال المعتاد: «هل تحتاج مساعدة؟»

حين رآني أنيس

أول من رآني على الكرسي كان أنيس، ابن خالي.
دخل الغرفة، توقف، نظر إليّ طويلًا دون أن يتكلم. في عينيه رأيت خوفًا حقيقيًا: ليس عليّ فقط، بل من فكرة أن الحياة قد تفعل هذا بمن نحب.

جلس بجانبي على الأرض، صامتًا. ثم قال بخفوت:
«هل… نلعب الدامة؟»

لعبنا. وخسر ثلاث مرات متتالية. كان يخسر عمدًا.
قلت له: «لا تفعل. لا أريد انتصارات مزيفة.»

توقف، نظر إليّ، ثم ابتسم ابتسامة حقيقية وقال:
«حسنًا… سأسحقك في الجولة القادمة.»

وفعل.

في تلك اللحظة، فهمت معنى الكرامة: أن يعاملك أحدهم كإنسان كامل، لا كمشروع شفقة. وكانت تلك أعظم هدية.

صمت الجدّة

جدّتي لم تبكِ أمامي أبدًا.
كانت تبتسم كل صباح، تحضّر الفطور، وتقول: «اذهب، أنيس ينتظرك.»

لكنني سمعتها ذات ليلة تصلي. بين الركعات، صوت خافت، مكتوم. لم أعرف إن كانت تبكي أم تدعو. ربما الاثنان معًا.

في الصباح، كان وجهها عاديًا.
فهمت يومها أن النساء اللواتي فقدن الكثير لا يبكين أمام من تبقى لهن. لأن البكاء أمامنا يعني الاعتراف بالنهاية.

وجدّتي لم تكن مستعدة لأن تفقدني أيضًا.

الكرسي كمرآة

الكرسي المتحرّك لم يكن نهاية، بل مرآة.
أجبرني أن أرى نفسي بلا أوهام. قال لي كل صباح: هذا أنت الآن.

لكن في تلك المواجهة القاسية، وُلد القبول.
ليس الاستسلام، بل الفهم: أن الحركة ليست أقدامًا فقط، وأن القوة قد تكون في عقل يرفض التوقف.

الرصيف المكسور: درسي السياسي الأول

ذات يوم، علقت عجلاتي في رصيف مكسور. دفعت بكل قوتي. لم أتحرّك. مرّ الناس بجانبي، نظروا، ثم أكملوا طريقهم.

هناك فهمت السياسة دون أن أقرأ عنها:
الحرية ليست شعارًا، بل رصيفًا صالحًا للجميع.
الديمقراطية ليست صندوق اقتراع فقط، بل طريقًا يوصل إليه.

وفهمت لماذا يسقط الوطن:
لأن الذين يبنون الطرق لا يمشون فيها.

حين دخل الكرسي… ودخلت التعددية

في أواخر الثمانينيات، كان الوطن يتغير، وكنت أنا أتغير معه.
دخلت التعددية الحزبية البلاد محمّلة بالأمل، كما دخل الكرسي حياتي: بنوايا طيبة واستعداد ناقص.

الجزائر كانت تحاول أن تمشي نحو الديمقراطية، وأنا كنت أتعلم التحرك على عجلات. كلانا يحلم بالحرية، وكلانا يصطدم بحقيقة واحدة: الطريق غير معبّدة.

الكتابة حين صار الرأس هو الطريق

حين يُسجن الجسد، يهرب العقل.
هربت إلى الذكريات، ثم إلى الكتابة.

لم تكن الكتابة حلمًا، بل ضرورة للبقاء.
صارت الكلمات ساقيّ الحقيقيتين. كل جملة خطوة. كل نص طريق.
الكرسي سجن الجسد، لكن الكتابة حررت الروح.

الخاتمة

جلست على الكرسي طفلًا خائفًا،
وعدت إليه كاتبًا يعرف أن الحرية الحقيقية تبدأ من الداخل.

قد لا أكون حرًا كما يُفترض،
لكنني ما زلت أتحرّك.

وفي عالم يحاول إيقافك،
أن تتحرك…
ولو على عجلات،
فذلك انتصار.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services