65
0
تفكيك الأسطورة والواقع في مقال "ما لم يقله محمود درويش عن ريتا"

تقدّم مجموعة "ناشرون فلسطينيون" مراجعات نقدية لمنجز الكاتب الفلسطيني فراس حج محمد، نظرا لما يشكله هذا المنجز من خروج عن سياق المعتاد في الثقافة الفلسطينية، مما يجعله صوتا متفردا، ومنفرداً، في تناوله لموضوعات البحث أو طريقة التناول، ومن هذه المراجعات ما كتبه مؤخرا حول علاقة محمود درويش بالفتاة اليهودية ريتا التي عاشت إلى ما بعد رحيل درويش لما يقارب (18) عاماً.
تمثل العلاقة بين الشاعر محمود درويش وشخصية ريتا واحدة من أكثر الأساطير الأدبية تعقيداً في الوجدان الفلسطيني والعربي المعاصر، وهي علاقة لم تتوقف عند حدود القصيدة الغنائية، بل تحولت إلى رمز للاشتباك الوجودي بين الأنا الفلسطينية والآخر الإسرائيلي، ويعيد المقال المنشور مؤخراً، للكاتب الفلسطيني فراس حج محمد، المعنون بــ "ما لم يقله محمود درويش عن ريتا"، قراءة هذه الأسطورة ليس من منظور عاطفي رومانسي، بل من منظور أنثروبولوجي وفلسفي ونقدي حاد.
يعتمد الكاتب في مرتكزاته الثقافية على تداخل معقد بين الوقائع التاريخية المسربة، والتمثلات الأدبية، والمفاهيم القانونية والدينية المتعلقة بالهوية والنسل، مما يجعل من المقال وثيقة نقدية تسائل مفهوم الوطن اللغوي الذي استقر عليه درويش في مراحل نضوجه الأخيرة، وأعلنه في قصائده.
لا يمكن عزل مقال فراس حج محمد عن السياق التاريخي الذي نشأت فيه قصة ريتا، فريتا في الحقيقة هي تمار بن عامي، الراقصة الإسرائيلية التي أحبها درويش في حيفا خلال الستينيات، عندما كان عضواً في الحزب الشيوعي الإسرائيلي، وكانت هذه العلاقة تمثل في وعي درويش الشاب محاولة لتجاوز البندقية بالحب، لكن حرب عام 1967 كانت الفاصل التاريخي الذي حول ريتا من عشيقة إلى جندية في سلاح البحرية الإسرائيلي، وهي اللحظة التي ولدت فيها قصيدة ريتا والبندقية الشهيرة.
يستند حج محمد في بناء مقاله على زوبعة تاريخية أثارها الشاعر السوري سليم بركات في عام 2020، عندما نشر مقالاً ادّعى فيه أن درويش اعترف له في عام 1990 بأن له ابنة غير شرعية من امرأة متزوجة، ورغم أن بركات لم يذكر اسم ريتا صراحة في مقاله، إلا أن فراس حج محمد يلتقط هذه الرواية ويقوم بتسييقها أنثروبولوجياً وفلسفياً، مفترضاً أن ريتا هي تلك المرأة، وأن الجنين الذي نتج عن هذا اللقاء ابنة يهودية.
ينطلق فراس حج محمد من مرتكز فلسفي وقانوني متجذر في الفكر اليهودي، وهو أن الهوية اليهودية تتبع الأم بالضرورة، هذا المنطلق يحول الفعل البيولوجي (المضاجعة) في نص حج محمد من فعل عاطفي مجرد إلى فعل سياسي محكم، ليتساءل الكاتب: هل لمحمود درويش ابنة يهودية؟ هذا السؤال ليس استقصاءً عن الحقيقة، بل هو طرح فلسفي لمفهوم التورط الوجودي.
يستخدم الكاتب استعارة بالغة القسوة وهي "دمغة المصنع والرحم والتربية"، الهوية هنا ليست خياراً ثقافياً أو انتماءً وطنياً يختاره الفرد، بل هي قَدَر بيولوجي يُصاغ داخل الرحم اليهودي، ويرى حج محمد أن ريتا- بوصفها رمزاً للمشروع الصهيوني- لم تكن قلقة من هوية الأب، لأنها تدرك أن دماء اليهود ستظل تجري في العروق بغض النظر عن الماء الذي جاء منه الجنين.
هذا الفهم يتقاطع مع ما ورد في مسرحية "المستوطنة السعيدة" للكاتب الفلسطيني والمحلل السياسي الدكتور أحمد رفيق عوض والتي أشار إليها الكاتب عبر شخصية والتر ليفي، حيث تبرز فكرة أن الهوية اليهودية لا تتأثر بالتفاصيل الثانوية مثل الخيانة الزوجية، لأن الرحم هو المصهر النهائي للهوية، وأما فلسفياً، فينتقد حج محمد السذاجة العربية التي تظن أن الجسد يمكن أن يكون مساحة لتسوية محايدة، بينما يراه الطرف الآخر مكاناً للاغتيال.
يطرح المقال مفهوم "الشرك الأنثروبولوجي" لوصف الحالة التي وقع فيها درويش، فريتا في السرير لم تكن عشيقة فقط يطاردها الشاعر ليظفر بها في فراش المتعة كما عبّر عن ذلك في شعره: "هو من رآك غزالة ترمي لآلئها/ هو من رأى شهواته تجري وراءك كالغدير"، بل كانت تخطف البروة والأرض والتاريخ والأسماء، ويرى الكاتب أن ريتا في لحظة المضاجعة اغتالت حيوانات درويش المنوية وصنعت منها بندقية أخرى لزمن جديد، هذا التوصيف ينقل الصراع من الميدان العسكري إلى الميدان البيولوجي، حيث يصبح الإنجاب أداة من أدوات الحرب أو مواجهتها، كما أشار إليها الكاتب في تحليله لديوان الشاعرة الفلسطينية رولا سرحان "هوناً ما"، فقد وردت هذه الفكرة هناك أيضاً، ليكون الإنجاب هو الرد على استهداف الفلسطيني بالمجازر وسياسة التهجير والإبادة الجماعية.
لفهم المقال، يجب النظر في الخلفية الثقافية للكاتب فراس حج محمد، وهو أديب وناقد فلسطيني معروف بمواقفه المشاكسة واهتمامه بموضوعات مسكوت عنها مثل الأيروسية والجسد، ويرى حج محمد أن الصمت عن الجنس هو مخالفة للفطرة، وفي أعماله مثل "نسوة في المدينة"، يربط دوماً بين الغريزة والفكر، وفي مقاله عن درويش، يستخدم هذا الربط لتحليل الهزيمة الرمزية للشاعر في مخدع العدو، أضف إلى أن اهتمام الكاتب بأدب الأسرى وتوثيق معاناتهم يجعله حساساً لفكرة الاحتلال حتى في العلاقات الشخصية، ويرى أن هناك من السجانات من تفعل مثل ريتا، حيث أنجبت إحداهنّ مقاتلاً من صلب سجين عربي، لتستخدمه ضد شعبه، وهي حادثة يبدو أنها حقيقية كما تسرّب من بعض كتابات الأسرى أو اعترافاتهم لمحاميهم، وبالمجمل فإن الفكرة في أساسها مطروحة في رواية "عائد إلى حيفا" للكاتب الفلسطيني غسان كنفاني؛ فخلدون الفلسطيني الذي تحول إلى (دوف) قد أصبح جنديا يقاتل الفلسطينيين ويقتلهم.
رغم جرأة أطروحات الكاتب، إلا أن لغة حج محمد مشبعة بالنفس القرآني والوعظي الذي يهدف إلى تنبيه الجماعة من مخاطر فقدان الهوية، إذ يستخدم عبارات مثل الرواة الثقاة والتقوى ليضفي طابعاً قدسياً على تحليله الأنثروبولوجي.
يقدم المقال مراجعة نقدية قاسية لمحمود درويش وللحالة الفلسطينية العامة، إذ ينتقد حج محمد فكرة الوطن اللغوي التي كرسها درويش في مراحل حياته الأخيرة كوسيلة للتخفيف من وطأة النفي والمنفى، ويرى الكاتب أن درويش اختار القصيدة وترك البلاد، واصفاً هذا الوطن بالبغوي الفتان والفتاك، ويكمن النقد هنا في أن الشاعر، ببحثه عن السلام الشيوعي الجميل، قد منح ريتا الفرصة لتفكيك المعنى وسرقة الواقع لصالح الأسطورة التوراتية العمياء.
ويوجه الكاتب نقداً لاذعاً للفلسطينيين الذين لم يتعلموا الدرس، وظلوا أوفياء لفكرة إنجاب الأعداء، ويستخدم مصطلح "دراويش الجماع السياسي" لوصف حالة الاندماج التي تؤدي إلى ضياع النسل في أحضان الهوية اليهودية، والكاتب يرى أن كثيراً من المجندين في جيش الاحتلال هم أبناء عرب بيولوجياً، لكنهم يهود بدمغة المصنع، هذا نقد للواقع الاجتماعي والسياسي الذي سمح بتآكل الهوية تحت مسميات الحب أو التعايش.
يرى الكاتب أن القصيدة (ريتا والبندقية) خدعتنا زمناً طويلاً برائحة الإناث وزهر اللوز، بينما كانت الحقيقة هي اغتيال التاريخ والجغرافيا في لحظة اللذة؛ فالشاعر في نظر حج محمد يصبح خاوياً من التاريخ عندما يخلع أعضائه على فخذين ناعمتين، موجهاً النقد لسطوة الإيروس على الوعي القومي، حيث تذوب الهوية في التسوية الممكنة في السرير.
يمكن تصنيف مقال فراس حج محمد بناءً على لغته وأسلوبه بأنه نص مفتوح، كما وصفه الكاتب، ليتحلل من الحدود بين الأجناس الأدبية، حيث يمزج بين السرد القصصي، والتحليل الفكري، والشذرات الشعرية، والبوح الوجداني، والبعد النقدي الفلسفي، كما أنه نص متخيل أدبي؛ فالمقال لا يزعم التأريخ، بل يبني سيناريو متخيلاً (ماذا لو كانت ريتا حاملاً؟) ليصل إلى حقائق رمزية أعمق من الواقع المشخّص على الأرض.
ومن ناحية نقدية، يمثل النص نوعا من نقد ما وراء النص، فالمقال لا ينقد ريتا كقصيدة، بل ينقد أثر ريتا كأيقونة ثقافية، وينتقد الطريقة التي احتفل بها النقاد بهذه المرأة وقصائدها الملغومة التي تشتبك مع الرواية الرسمية لحياة محمود درويش، كما يركز المقال على أنساق الدم والرحم والهوية، مما يجعله ينتمي إلى مدرسة النقد الثقافي التي تبحث في القوى المحركة خلف النص الأدبي.
تاريخياً، يعيد المقال ربط الخيوط بين لحظات متباعدة، تبدأ الحكاية في حيفا فترة الستينيات، حيث كان درويش يعتقد بالسلام الشيوعي، ثم تنتقل إلى باريس حيث احتمالية اللقاءات المتأخرة بين درويش وتمار بن عامي (ريتا) مع أن الشاعر نفسه نفى أن يكون التقى بريتا، ثم إلى برلين حيث رحلت تمار في فبراير 2026 عن عمر (79) عاماً.
يرى حج محمد أن رحيل الشاعر عن فلسطين كان محاولة للهروب من مواجهة الحقيقة البيولوجية المتمثلة في الابنة، ويحلل الكاتب كيف تحول المقاتل الفلسطيني من مواجهة العدو في الميدان إلى الوقوع في الشرك داخل السجن أو في السرير، هذا الربط التاريخي يكشف عن خيبة أمل نقدية تجاه المسار الذي اتخذه الفكر الفلسطيني (المتأسرل) أو المندمج الذي لم يحصد سوى إنجاب الأعداء.
يمثل مقال فراس حج محمد "ما لم يقله محمود درويش عن ريتا" صرخة نقدية في وجه الأسطورة، هو لا يكتفي بتفكيك علاقة عاطفية، بل يفكك منظومة كاملة من الوهم اللغوي والسياسي، ومن خلال المرتكزات الثقافية التي تجمع بين الرحم اليهودي والصلب العربي، يكشف الكاتب عن الهزيمة التي تتخفى خلف جمالية القصيدة.
إن تصنيف المقال نصا مفتوحا ومتخيلا يمنحه الحرية لقول ما لم يستطع درويش أو من حوله أن يقولوه، أو ما رفض الآخرون الاعتراف به حتى ريتا نفسها، ليس فقط بما يمس إنجاب الطفلة بل أيضا بالهدف من إنشاء علاقة عاطفية مع عدو، وفي النهاية، تظل ريتا في هذا النص ليست عشيقة، بل هي التاريخ الذي يسرق المعنى، والبندقية التي لا تكتفي بالقتل، بل تسعى للاستبدال الأنثروبولوجي الكامل للهوية الفلسطينية، فالمقال هو دعوة لإعادة قراءة درويش ليس كأيقونة مقدسة، بل كإنسان وقع في محظور العلاقات العاطفية المريبة، وترك للفلسطينيين وطناً لغوياً ليس أكثر، بينما استولت ريتا- ومن ورائها الاحتلال- على الوطن الحقيقي والأبنة معاً.

