242
0
سينيماتيك الجزائر تحتفي بذاكرتها السينمائية وتجدّد الوفاء لروّاد الفن السابع

احتفت سينيماتيك الجزائر، اليوم صباحًا بمتحف السينما، بالذكرى الحادية والستين لتأسيسها، في مناسبة ثقافية تحمل رمزية عميقة، أعادت إلى الواجهة مكانة هذه المؤسسة العريقة في حفظ الذاكرة السينمائية الوطنية، وصون تاريخ الفن السابع الذي رافق مسار الدولة الجزائرية منذ الاستقلال.
هارون الرشيد بن حليمة
وجاء هذا الاحتفاء كوقفة تأمل واستذكار لمسيرة طويلة من العطاء الفني والثقافي، حيث لم تكن سينيماتيك الجزائر مجرّد قاعة لعرض الأفلام، بل تحوّلت عبر عقود إلى فضاء ثقافي حي، وملتقى للأفكار، ومنبر للنقاش السينمائي، وحاضنة للأعمال التي صنعت وعي أجيال كاملة بالصورة، والهوية، والذاكرة.
وشكّلت المناسبة فرصة للغوص في تاريخ هذه المؤسسة التي لعبت دورًا محوريًا في التعريف بالسينما الجزائرية، وفتح نوافذها على التجارب العالمية، كما أسهمت في تكوين جمهور سينمائي واعٍ، وفي مرافقة السينمائيين الشباب والنقاد والباحثين، لتصبح مع مرور الزمن أحد أبرز رموز المشهد الثقافي الجزائري.
وفي هذا السياق، أكد مدير متحف السينما، عادل مخالفية، في تصريح له على هامش الفعالية، أن إحياء الذكرى الحادية والستين لتأسيس سينيماتيك الجزائر ليس احتفالًا شكليًا، بل هو فعل وفاء واستحضار لمسؤولية ثقافية كبرى تجاه الأرشيف السينمائي الوطني. وأوضح أن هذه الأرشيفات تمثل ذاكرة بصرية نادرة تختزن مسارات أجيال من السينمائيين الجزائريين الذين وثّقوا بالصورة مختلف مراحل التاريخ الوطني، من الثورة إلى بناء الدولة، ومن التحولات الاجتماعية إلى القضايا الإنسانية.

وشدد مخالفية على أن حماية هذا الرصيد السينمائي تفرض اليوم تحديات حقيقية، في ظل تقادم الوسائط، والتغيرات التكنولوجية المتسارعة، داعيًا إلى ضرورة تكثيف جهود الرقمنة، الترميم، والحفظ العلمي للأفلام والوثائق السينمائية، مع إشراك المؤسسات الثقافية والجامعية في عملية صون هذا الموروث الفني باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الهوية الوطنية وذاكرة الأمة.
من جهتها، عبّرت خضرا بودهام، التي عايشت الحقبة الذهبية للسينما الجزائرية، عن سعادتها الكبيرة بالعودة إلى هذا الفضاء الذي يحمل في جدرانه ذكريات زمن ثقافي مختلف، مشيرة إلى أن سينيماتيك الجزائر كانت خلال تلك الفترة قبلة للفنانين والمثقفين، ومكانًا تتقاطع فيه الأحلام السينمائية مع طموحات مجتمع كان يبحث عن صوته وصورته بعد الاستقلال.

وأكدت بودهام أن تلك المرحلة تميزت بشغف صادق بالسينما، وبإيمان عميق بدورها التنويري والتوثيقي، حيث كان الفيلم يُنجز بروح جماعية ورسالة واضحة، تعكس قضايا الإنسان الجزائري وهمومه اليومية. وأضافت أن الحفاظ على ذاكرة تلك المرحلة يمرّ حتمًا عبر توثيق الشهادات الحية للسينمائيين الذين صنعوا تلك التجربة، حتى لا تبقى الذاكرة ناقصة أو مبتورة.
أما الناقد السينمائي السوري عبيدو محمد، فقد اعتبر أن السينما الجزائرية تُعد من أهم التجارب السينمائية في العالم العربي، لما ارتبطت به من قضايا تحررية وبعد إنساني عميق، مشيرًا إلى أن سينيماتيك الجزائر لعبت دورًا أساسيًا في التعريف بهذه التجربة خارج حدودها الجغرافية، وفتحت المجال أمام تلاقح ثقافي عربي ودولي حول الصورة والذاكرة.

وأوضح عبيدو أن حماية الموروث السينمائي الجزائري ليست مسؤولية محلية فقط، بل هي مسؤولية ثقافية عربية مشتركة، داعيًا إلى تعزيز التعاون بين السينيماتيكات العربية، وتبادل الخبرات في مجال الأرشيف، الترميم، والعرض، بما يضمن استمرارية الذاكرة البصرية للأجيال القادمة.
واختُتمت هذه المناسبة بتكريم عدد من السينمائيين القدامى الذين ساهموا في بناء وتأسيس السينما الجزائرية، في لحظة وفاء مؤثرة أعادت الاعتبار لروّاد حملوا الكاميرا كأداة مقاومة، واعتبروا الصورة وثيقة تاريخية وشهادة زمن. وقد لقي هذا التكريم تفاعلًا واسعًا من الحضور، في مشهد جمع بين الاعتراف، الامتنان، واستمرار الرسالة.

وبهذا الاحتفاء، تؤكد سينيماتيك الجزائر، بعد أكثر من ستة عقود من تأسيسها، أنها لا تزال فضاءً حيًا للذاكرة، وحارسة لتاريخ سينمائي ثري، ومنارة ثقافية تواصل أداء دورها في ربط الماضي بالحاضر، وصناعة وعي بصري يحترم الذاكرة ويؤمن بالمستقبل

