81
0
"صغير الدار صايم" فرحة العائلات الجزائرية وقلق الأمهات على صحة الأطفال في رمضان

تعيش العائلات الجزائرية أجواء روحانية مميزة خلال شهر رمضان الفضيل حيث يتحول المنزل إلى فضاء يجمع بين العبادة والتآلف العائلي والتقاليد المتوارثة، ومن بين أبرز مظاهر هذه الأجواء حرص الأولياء على غرس قيم الصيام في نفوس أبنائهم منذ الصغر، حتى ينشأ الطفل وهو مرتبط بروح هذا الشهر المبارك ومعانيه الدينية والاجتماعية.
نسرين بوزيان
وتزداد فرحة الأسرة عندما ترى طفلها الصغير في المنزل أو كما يقال في الدارجة "صغير الدار" يحاول تقليد الكبار ويجرب الصيام لأول مرة سواء لبضع ساعات أو ليوم كامل.
هذا الحدث البسيط في ظاهره يحمل الكثير من المشاعر، إذ تشعر العائلة بالفخر والاعتزاز بطفلها كما تحرص الأسر على الاحتفاء بهذه التجربة الأولى، ليتم تشجيع الطفل والثناء عليه بل إن بعض العائلات تهيئ أجواءا خاصة للاحتفال بصيامه الأول كنوع من التحفيز وترسيخ هذه الذكرى الجميلة في ذاكرته.
غير أن هذه الفرحة لا تخلو في كثير من الأحيان من القلق، خاصة لدى الأمهات اللواتي يتساءلن عن مدى قدرة الطفل الصحية على تحمل الصيام لساعات طويلة، خصوصا في ظل اختلاف أعمار الأطفال وقدراتهم الجسدية، إذ يتطلب الصيام الامتناع عن الطعام والشراب لساعات، وهو ما قد يسبب التعب أو الإرهاق إذا لم يتم التعامل معه بطريقة صحيحة ومدروسة.

في هذا السياق، أكد أخصائي الصحة العمومية الدكتور فتحي بن أشنهو، في حديثه لـ"بركة نيوز" أن تعويد الأطفال على الصيام ينبغي أن يتم بطريقة تدريجية ومدروسة مع مراعاة الحالة الصحية لكل طفل، لاسيما أن الهدف الأساسي من صيام الأطفال في هذه المرحلة ليس الالتزام الكامل بالعبادة كما هو الحال لدى الكبار، وإنما تعريفهم بمعناها وتعويدهم عليها بشكل تدريجي يتناسب مع قدراتهم.
وأشار المختص إلى أن الخطوة الأولى التي ينبغي على الأولياء القيام بها هي التأكد من الحالة الصحية للطفل سواء من خلال ملاحظة نشاطه اليومي وقدرته على اللعب والحركة دون تعب، أو من خلال استشارة طبيب عند الضرورة خاصة إذا كان الطفل يعاني من أمراض مزمنة أو ضعف في البنية الجسدية، حيث تبقى سلامة الطفل الأولوية الأولى ولا ينبغي التضحية بها من أجل تعويده على الصيام.
منوها بأن الصيام بالنسبة للأطفال لا يجب أن يكون إلزاميا في البداية بل ينبغي أن يقدم لهم في إطار تجربة تربوية إيجابية بعيدة عن الضغط أو الإكراه، تعويد الطفل على الصيام يجب أن يتم بأسلوب يشجعه ويجعله يشعر بالفخر بما يحققه، حتى يرتبط في ذهنه هذا الشهر بالفرح والرضا لا بالتعب أو المعاناة.
ومن بين الطرق الشائعة التي تعتمدها العديد من العائلات الجزائرية لتعليم الأطفال الصيام، ما يعرف بـ"صيام نصف اليوم" حيث يبدأ الطفل بالصيام لبضع ساعات فقط، كأن يصوم من الصباح إلى غاية الظهر أو العصر ثم يتناول طعامه بعد ذلك، ومع مرور الأيام، يمكن زيادة مدة الصيام تدريجيا حسب قدرة الطفل حتى يعتاد جسمه على هذا النظام ويتمكن لاحقا من صيام يوم كامل إذا كانت حالته الصحية تسمح بذلك.
كما أبرز الدكتور بن أشنهو أن قدرة الأطفال على الصيام تختلف حسب أعمارهم وبنيتهم الجسدية، إذ يكتفي الصغار بالصيام لساعات محدودة للتعرف على أجواء رمضان، بينما يستطيع الأكبر سنا الصيام لفترات أطول وقد يتمكن بعضهم مع التعود التدريجي من صيام يوم كامل دون تأثير على صحتهم.
وشدد الدكتور بن أشنهو أيضا على أهمية دور الأسرة في مرافقة الطفل خلال هذه المرحلة، إذ ينبغي على الوالدين تشجيع الطفل وتحفيزه بالكلمات الطيبة والثناء، مع تجنب توبيخه إذا لم يستطع إكمال الصيام، الطفل في هذه المرحلة يتعلم بالتجربة وكل محاولة يقوم بها تعد خطوة إيجابية نحو التعود على هذه العبادة.
من جهة أخرى، أكد المختص على ضرورة الاهتمام بالتغذية السليمة للأطفال خلال شهر رمضان لأن نوعية الطعام تلعب دورا مهما في مساعدتهم على تحمل ساعات الصيام دون إرهاق، وتعد وجبة السحور عنصرا أساسيا في هذا الجانب، حيث يفضل أن تكون متوازنة وغنية بالعناصر الغذائية التي تمنح الجسم الطاقة لفترة أطول، وينصح بأن تحتوي على أطعمة مثل الحليب والبيض والفواكه والحبوب الكاملة، إضافة إلى بعض الأطعمة الغنية بالبروتينات التي تساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول.
وأشار الدكتور بن أشنهو كذلك إلى أهمية شرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، لأن الأطفال أكثر عرضة للجفاف مقارنة بالكبار خاصة إذا كانوا كثيري الحركة لذلك ينبغي تشجيعهم على شرب الماء بانتظام خلال المساء، مع التقليل من المشروبات الغازية أو العصائر الغنية بالسكر.
كما ينصح بتجنب الإفراط في تناول الأطعمة الدسمة أو الحلويات بكثرة، لأنها قد تسبب الشعور بالخمول أو تزيد من الإحساس بالعطش خلال ساعات الصيام في اليوم التالي.
في ختام حديثه، أكد أخصائي الصحة العمومية الدكتور فتحي بن أشنهو،أن صيام الأطفال يمثل تجربة تربوية ودينية مهمة في حياة الأسرة، تساعد على ترسيخ قيم الصبر والانضباط والتقرب إلى الله في نفوسهم منذ الصغر، غير أن هذه التجربة يجب أن تتم في إطار من التدرج والاعتدال مع مراعاة صحة الطفل واحتياجاته الغذائية، حتى يعيش أجواء شهر رمضان بروح من الفرح والطمأنينة.

