19
0
سعيدة: الأسبوع الوطني للوقاية.. حين تصبح الصحة وعيًا يغير مصير مجتمع

يُقال إن دينار وقاية خير من قنطار علاج، ويُقال أيضًا إن الحذر لا يرد القدر، لكن بين الحكمتين يولد معنى أعمق اسمه الوعي، ذلك الوعي الذي لا يمنع كل شيء، لكنه يصنع الفارق بين من يفاجئه المرض ومن يسبقه بخطوة.
الحاج شريفي
في زمن تتسارع فيه التحديات الصحية وتتغير فيه أنماط العيش، لم تعد الوقاية خطابًا مناسباتيًا، بل تحوّلت إلى ضرورة تفرض نفسها بقوة. لم يعد الحديث عن الصحة يقتصر على العلاج، بل أصبح رهانًا حقيقيًا على بناء إنسان واعٍ يعرف كيف يحمي نفسه قبل أن يبحث عن الدواء.
في ولاية سعيدة، وبالمؤسسة العمومية للصحة الجوارية مولاي العربي، تجسّد هذا الوعي في صورة ميدانية حقيقية خلال فعاليات الأسبوع الوطني للوقاية لسنة 2026. لم يكن الأمر مجرد نشاط عابر، بل كان حركية شاملة تؤكد أن الصحة تبدأ من القرب من المواطن ومن فهم احتياجاته اليومية.
من التاسع والعشرين مارس إلى الرابع من أبريل، تحوّلت المؤسسة إلى فضاء مفتوح على المجتمع، خلية تعمل بروح واحدة، هدفها نشر ثقافة الوقاية وترسيخها كسلوك يومي. إمكانيات بشرية ومادية سُخّرت بالكامل، ليس فقط لتقديم خدمات، بل لزرع فكرة أن الوقاية أسلوب حياة.
اللافت في هذه المبادرة هو خروج الفعل الصحي من الإطار التقليدي إلى عمق الميدان. فرق طبية متنقلة توجّهت نحو المناطق النائية، حيث البعد الجغرافي غالبًا ما يكون حاجزًا أمام الوصول إلى الخدمات الصحية. هناك، لم تكن الزيارات مجرد فحوصات، بل كانت رسالة تضامن حقيقية تعيد الاعتبار لحق المواطن في الرعاية الصحية أينما كان.
ولأن الوعي هو البداية، احتلت الندوات والمحاضرات مكانة أساسية ضمن البرنامج. تم التطرق إلى مواضيع تمس الحياة اليومية بشكل مباشر، من التغذية السليمة إلى أهمية النشاط البدني وصولًا إلى الكشف المبكر عن الأمراض. لم تكن هذه اللقاءات دروسًا نظرية، بل لحظات تفاعل ونقاش، الهدف منها تغيير السلوك قبل أي شيء آخر.
كما فتحت المؤسسة أبوابها أمام المواطنين، حيث تم إجراء فحوصات طبية مجانية شملت قياس ضغط الدم ونسبة السكر ومؤشر كتلة الجسم. هذه المبادرات، رغم بساطتها، تحمل في عمقها رسالة قوية مفادها أن الوقاية تبدأ بخطوة صغيرة لكنها قد تصنع فرقًا كبيرًا في حياة الإنسان.
ولم تتوقف الجهود عند هذا الحد، بل خرجت الفرق الصحية إلى الشارع، إلى حيث يعيش المواطن تفاصيل يومه. هناك، بعيدًا عن الرسميات، كانت الرسالة أبسط وأقرب، وكانت النصيحة تصل مباشرة دون حواجز. أحيانًا كلمة صادقة في وقتها المناسب قد تكون سببًا في إنقاذ حياة.
في إطار العمل التشاركي، تم التنسيق مع الحماية المدنية لبلدية عين الحجر لتنظيم حملات تحسيسية حول مخاطر غاز أول أكسيد الكربون، خاصة مع تزايد استعمال وسائل التدفئة. خطر صامت يتكرر كل سنة، لكنه يثبت في كل مرة أن الوقاية تسبق المأساة عندما يكون الوعي حاضرًا.
كل هذه الجهود تعكس بوضوح أن الوقاية لم تعد مسؤولية قطاع واحد، بل أصبحت مسؤولية مجتمع كامل. مسؤولية تبدأ من الفرد وتمتد إلى كل المؤسسات، لأن الصحة لا تُصنعها الأدوية وحدها، بل تصنعها القرارات اليومية التي قد تبدو بسيطة لكنها في الحقيقة حاسمة.
غير أن التحدي الأكبر يبقى في استمرارية هذا الوعي، لأن الوقاية ليست حدثًا مؤقتًا، بل أسلوب حياة دائم. هي فيما نأكله، في كيف نتحرك، وفي مدى اهتمامنا بإشارات أجسادنا قبل أن تتحول إلى مشاكل حقيقية.
في النهاية، تبقى الحقيقة واضحة:
الصحة لا تُمنح بل تُبنى،
والوقاية ليست خيارًا عابرًا بل طريق حياة،
ومن فهم ذلك، اختار أن يكون دائمًا خطوة أمام المرض لا خلفها.

