46

0

نحو مستقبل الثقافة: منتدى «الثقافة غدًا» يطرح رؤى استشرافية

 

انطلقت، اليوم السبت، فعاليات المنتدى الفكري الشهري بالمكتبة الوطنية الجزائرية، بالحامة، في مبادرة من مؤسسة أوكسجين للثقافة والفنون وبالتعاون مع المكتبة الوطنية الجزائرية، تحت عنوان «الثقافة غدًا: رؤية استشرافية».

هاجر شرفي 

وجاء المنتدى لفتح نقاش فكري حول آفاق الثقافة المستقبلية، حيث قدّم الدكتور بشير مصيطفى، رئيس مؤسسة صناعة الغد وخبير في الاقتصاد والاستشراف، مداخلة محورية تناول فيها رهانات الفعل الثقافي في ظل التحولات الراهنة.

و بالمناسبة أكد  "يوسف شنيتي"، رئيس مؤسسة أوكسجين للثقافة والفنون، أن هذا العدد من المنتدى خُصّص لموضوع الاستشراف، رغم كونه مفهومًا حديث الطرح نسبيًا في المجال الثقافي، موضحًا أن اختيار محور «الثقافة غدًا» نابع من وعي المؤسسة بعمق التحولات الكبرى التي يُتوقع أن يشهدها العالم مستقبلًا في الحقل الثقافي.

وبيّن شنيتي أن مؤسسة أوكسجين سعت، من خلال هذا المنتدى، إلى طرح تساؤل جوهري حول موقع الجزائر ضمن هذه التحولات الثقافية العالمية، لا سيما في ظل مساعيها الراهنة لتعزيز مكانتها كقوة إقليمية على الصعيد الجيوسياسي، وكقوة اقتصادية على المستويين الإفريقي وحوض البحر الأبيض المتوسط. واعتبر أن تحقيق هذه الأهداف لا يكتمل دون بناء مكانة ثقافية وازنة، باعتبار أن الثقافة تُجسّد صورة البلد وهويته، وتعكس رؤيته التاريخية والحضارية لما يطمح إليه اليوم وغدًا.

وأضاف أن الرهان الثقافي في المرحلة الحالية يتمثل في استعادة الدور الحضاري والتاريخي للجزائر، مؤكدًا أن ما يُبذل اليوم من جهود فكرية ومشاريع ثقافية سيُثمر مستقبلًا، ضمن رؤية تقوم على التقدم والتطور مع الحفاظ على الخصوصية الحضارية.

وفي السياق ذاته، أوضح رئيس مؤسسة أوكسجين أن المنتدى يُنظَّم بصفة شهرية، بهدف الارتقاء بالحوار والنقاش الفكري والثقافي إلى مستويات أعمق وأكثر جودة، مشيرًا إلى أن التحدي الأبرز اليوم هو تحدي الجودة، حتى في مجالي الثقافة والفنون.

وأكد شنيتي أن الثقافة لم تعد مجرّد ترف فكري، بل أصبحت صناعة حقيقية وأداة قوة وتأثير تتنافس عليها الدول الكبرى، مستشهدًا بالتجربة الأمريكية التي – حسب تعبيره – نجحت في تحويل نكسة حرب فيتنام إلى انتصار رمزي عبر صناعة السينما، ولا سيما أفلام هوليوود، التي أسهمت في ترسيخ صورة قوة لا تُقهر في الوعي الجماعي العالمي، رغم الهزيمة العسكرية، في مثال دال على قدرة الثقافة على صناعة صورة الحاضر ورسم ملامح المستقبل .

 

وخلال مداخلته، أكّد الدكتور بشير مصيطفى على الأهمية البالغة لتنمية الوعي الاجتماعي بثقافة التخطيط للمستقبل، سواء على مستوى الأسرة أو مختلف مؤسسات المجتمع، باعتبار ذلك آلية أساسية لتفادي الصدمات والأزمات المحتملة. كما أوضح أن المستقبل يحمل ثلاث شواهد أو مسارات محتملة، إما أن يبقى على حاله، أو أن يشهد تطورًا وتقدمًا، أو أن يتجه نحو التدهور، وهو ما يجعل من الاستشراف أداة ضرورية لفهم هذه المسارات والاستعداد لها.

القرن القادم… الثقافة كقوة حاسمة وتحدٍّ حضاري

وفي تصريح له، أوضح الدكتور بشير مصيطفى أن الاستشراف لا يقتصر على الاقتصاد فقط، بل يشمل السياسة والتحولات الاجتماعية، موضحًا أن الشعوب القادرة على التقاط إشارات المستقبل تتجنب الصدمات، لأن المستقبل يحمل في طياته فرصًا ومخاطر؛ فالفرص تتمثل في الخيرات والنعم، بينما تكمن المخاطر في الكوارث والأزمات، والاستشراف هو الأداة التي تلتقط هذه الإشارات في الحاضر لتحويلها إلى سياسات وقرارات فعالة.

وفي هذا السياق، اعتبر أن محاضرة اليوم تسلط الضوء على استشراف القرن الثاني والعشرين، محذرًا من خطر التفاجؤ بصدمات مستقبلية، مؤكدًا أن هذه المقاربة تُعد الأولى من نوعها جزائريًا وعربيًا وإسلاميًاK  ووفق رؤيته، سيكون القرن القادم قرن الفكرة الثقافية، حيث ستنقسم الدول إلى دول مثقفة وأخرى غير مثقفة، بعد أن كان الاقتصاد محرك العلاقات في القرن الحالي، والسياسة في القرن الذي سبقه.

وقدّم الدكتور بشير مصيطفى جملة من التوصيات، أبرزها تعزيز مكانة اللغة العربية في العلوم، معتبرًا أن هيمنة اللغات الأجنبية على المعرفة العلمية تروّج لثقافاتها، كما دعا إلى التمسك بالدين والعادات وإحياء التراث والثقافة العربية الإسلامية، محذرًا من الذوبان في النموذج الغربي، ومؤكدًا أن الثقافة لا تُستورد بل تُنتج من داخل المجتمعات.

كما شدّد على أهمية إحياء مفهوم الأمة، معتبرًا أن الدول التي يقل عدد سكانها عن مئة مليون نسمة قد تواجه تحديات كبرى في المستقبل، مستشهدًا بتجربة الصين التي تشجع على الإنجاب لتوسيع نفوذها الحضاري، داعيًا إلى وحدة الأمة الإسلامية باعتبارها ركيزة قوة.

وختم الدكتور بالتأكيد على ضرورة اعتماد الاستشراف والتخطيط الاستراتيجي كنهج ثابت لدى الحكومات والمجتمعات، داعيًا إلى التفكير بعيد المدى وعدم الاكتفاء بالتخطيط القصير، مستحضرًا نماذج من المجتمع الجزائري التقليدي الذي مارس الاستشراف من خلال الادخار والتحوط للأزمات.

وفي تصريح  خص به جريدة بركة نيوز ، شدّد الكاتب و العقيد محمد سعيد بوسعدية على أن الاستشراف يشكّل مادة أساسية ليس فقط في الاقتصاد والسياسة،  مشيرًا إلى أن الثقافة مفهوم واسع ومعقد، تناولته دراسات العديد من المفكرين، من بينهم الجزائري مالك بن نبي في كتابه مشكلة الثقافة، إضافة إلى مفكرين عرب وأوروبيين، مثل غرامشي، الذي أكّد على خصوصية الثقافة في تشكيل الوعي الاجتماعي والسياسي.

وأشار بوسعدية إلى أن الثقافة لا تقتصر على الفكر أو الأدب، بل تشمل الفنون، العادات، التقاليد، الدين، المأكولات التقليدية، الغناء، والرسوم، لافتًا إلى أن كثيرين يربطون الثقافة بالجانب الفكري فقط وينسون مكوناتها الفنية والحياتية. 

وأبرز  أن الاستشراف الثقافي يتطلب التفكير في كل ما هو جزائري، من اللغة والتاريخ إلى الفنون والتراث، لضمان استمرار هوية الجزائر وحماية الجيل القادم.

وحثّ العقيد الشباب على الاهتمام بالقراءة والمحتوى الجاد والمواضيع الأساسية، محذرًا من أن الانشغال المفرط بالوسائط الاجتماعية قد يضيّع الكثير من الوقت والقيم.

وختم بوسعدية بالتأكيد على أن الجيل الجديد يجب أن يعي قيمة الدولة الوطنية وأهمية التاريخ الجزائري الغني الممتد لآلاف السنين.

واختتمت فعاليات المنتدى بتكريم الدكتور بشير مصيطفى، خبير الاقتصاد والاستشراف ورئيس المؤسسة الجزائرية لصناعة الغد، تقديرًا لمساهماته الفكرية وجهوده في نشر ثقافة الاستشراف والوعي بالمستقبل، وذلك من قبل الدكتور بهادي منير، مدير المكتبة الوطنية الجزائرية، في لحظة جسّدت الاعتراف بأهمية الفكر الثقافي والاقتصادي في رسم مستقبل الجزائر وتعزيز مكانتها الحضارية.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services