34
0
مسابقة إنشاد بالأخضرية… تجربة تعد بالكثير
الإنشاد الديني في الجزائر يحتاج دعماً وتكويناً ليأخذ مكانته في الساحة الفنية

يشهد فنّ الإنشاد الديني في الجزائر حراكاً متجدداً يعكس تعطّش الجمهور لهذا اللون الفني الروحي الذي يجمع بين جمال الكلمة وعذوبة اللحن وسمو الرسالة. وفي هذا الإطار برزت مسابقة “إنشاد في مدح خير العباد” بمدينة الأخضرية كمبادرة ثقافية لافتة تهدف إلى اكتشاف الأصوات الشابة وإعادة الاعتبار لفن المديح والإنشاد خارج إطاره المناسباتي.
خالد علواش
المنشد محمد صابونجي، عضو لجنة تحكيم المسابقة، يتحدث في هذا الحوار عن أهمية هذه المبادرة، ومستوى المواهب المشاركة، والمعايير المعتمدة في التقييم، كما يتطرق إلى واقع الإنشاد الديني في الجزائر وآفاق تطويره مستقبلاً.
• بداية، كيف تقرأون مبادرة تنظيم مسابقة “إنشاد في مدح خير العباد”، وما الأبعاد الثقافية والفنية التي يمكن أن تحققها في ترقية فن المديح والإنشاد الديني؟
أعتبر هذه المسابقة سابقة ثقافية مميزة في مدينة الأخضرية تستحق كل التشجيع والدعم، خاصة أنها تقام لأول مرة بهذا الزخم والتنظيم. مثل هذه المبادرات من شأنها أن تخرج فن الإنشاد الديني من طابعه المناسباتي إلى فضاء النشاط الثقافي الدائم.
فالإنشاد ليس مجرد أداء فني فحسب، بل هو رسالة روحية تسهم في تهذيب النفس وترسيخ القيم، كما يعكس عمق الهوية الإسلامية والعربية. وهو أيضاً وسيلة راقية للدعوة إلى الله بالكلمة الطيبة واللحن الشجي، ما يساهم في تربية جيل مرتبط بدينه ووطنه، جيل خلوق ومثقف وفاعل في مجتمعه.
ولا أنكر وجود بعض النقائص لدى بعض المشاركين، لكنها تبقى طبيعية ويمكن تجاوزها بالتدريب الجاد وتعلم مخارج الحروف والمقامات وأساسيات الموسيقى.

• بصفتكم عضواً في لجنة التحكيم، كيف تقيمون مستوى المشاركات خلال الأدوار التصفوية؟ وما أبرز المؤشرات التي لمستمها لدى المواهب الشابة؟
بشكل عام كان المستوى جيداً ومشجعاً، فقد لمسنا لدى المشاركين حباً واضحاً لفن المديح والإنشاد الديني. تجلى ذلك في اختيار كلمات معبرة عن محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وعن تمسك أبناء المنطقة بثوابتهم الإسلامية.
كما ظهرت لدى عدد من المشاركين أصوات جميلة وألحان عذبة تلامس الوجدان وتمنح المستمع حالة من الراحة والسكينة.
• عرفت المسابقة مشاركة أداءات فردية وأخرى جماعية، برأيكم ما الذي يميز كل صنف؟ وأيهما أكثر قدرة على تقديم لوحات إنشادية متكاملة؟
الأداء الفردي يعتمد أساساً على صوت منشد واحد يبرز موهبته وقدراته الفنية في حدود إمكانياته الشخصية، وتختلف هذه الموهبة من شخص إلى آخر. ورغم جمال الأداء الفردي، إلا أنه يبقى محدوداً مقارنة بالمجموعات الصوتية.
فالإنشاد الجماعي يسمح بتقديم لوحات فنية أكثر تكاملاً من خلال انسجام الأصوات وتوافقها فيما بينها، حيث يقوم على التناغم الجماعي أو ما يعرف بـ“الهارموني”، إلى جانب إبراز الأداء الفردي داخل المجموعة. وهذا ما يفتح مجالاً أوسع للإبداع عبر التوزيع الصوتي الذي يمنح العمل الإنشادي ثراءً وتنوعاً أكبر.

• المراحل التصفوية أفرزت مجموعة من الأصوات المتقاربة في المستوى، ما المعايير الأساسية التي اعتمدتها لجنة التحكيم لاختيار المتأهلين إلى النهائي؟
اعتمدت لجنة التحكيم مجموعة من المعايير الفنية الأساسية، من بينها:
جودة الصوت والأداء: من حيث الطبقة الصوتية والنبرة وقوة الأداء الفردي والجماعي.
التناغم الجماعي (الهارموني): مدى انسجام الأصوات داخل المجموعة.
دقة المقامات والإيقاع: الالتزام بالسلم الموسيقي وضبط الإيقاع.
التحكم في النفس: خاصة أثناء أداء الجمل اللحنية الطويلة.
التعبير العاطفي والحضور على الركح: قدرة المنشد أو المجموعة على إيصال المشاعر والتفاعل مع الجمهور.
• الأنظار تتجه الآن نحو البرايم النهائي، كيف تتوقعون مستوى المنافسة؟ وهل سيكون الجمهور على موعد مع سهرة إنشادية استثنائية؟
انطلاقاً من البرايمات السابقة، لاحظنا تقارباً واضحاً في مستوى العديد من المشاركين، وهو ما ينبئ بمنافسة قوية في البرايم النهائي على لقب “الميكروفون الذهبي”.
كما نتوقع حضوراً جماهيرياً لافتاً بالنظر إلى المستوى الذي قدمه المتنافسون خلال المراحل السابقة، إضافة إلى شغف الجمهور لمعرفة الفائز في هذا الموعد الختامي لمسابقة “إنشاد في مدح خير العباد”.
• في ظل الاهتمام المتزايد بفن الإنشاد الديني، كيف ترون واقع هذا الفن في الجزائر اليوم؟ وما الذي يحتاجه ليأخذ مكانته اللائقة في الساحة الثقافية؟
تزخر الجزائر بمنشدين محترفين وأصوات جميلة أسهمت في إثراء الساحة الفنية بأعمال متميزة، كما ظهرت في السنوات الأخيرة محاولات جادة لتقديم أناشيد بطابع جزائري أصيل، بعد فترة طويلة كان فيها التأثر واضحاً بالمدرسة المشرقية.
غير أن الإنشاد الديني في الجزائر لم يبلغ بعد المكانة التي يستحقها، وذلك لأسباب عدة، من بينها نقص التشجيع والدعم، إضافة إلى ارتباط هذا الفن غالباً بالمناسبات الدينية مثل رمضان والمولد النبوي الشريف.
كما يفتقر هذا المجال إلى وجود هيئات ومدارس متخصصة تعنى بتكوين المنشدين في أساسيات الموسيقى والمقامات ومخارج الحروف. لذلك من الضروري أن يحظى هذا الفن باهتمام أكبر من الجهات الثقافية من خلال توفير الإمكانات البشرية والمادية لتكوين المواهب الشابة وتمكينها من تطوير قدراتها.
• بعد سلسلة من الإصدارات في مجال الإنشاد، ما المشاريع الفنية التي يشتغل عليها المنشد محمد صابونجي في المرحلة المقبلة؟
أعمل حالياً على إعادة تسجيل بعض الأناشيد القديمة التي تربينا على كلماتها وألحانها الراقية، بهدف تقديمها بروح جديدة تمنحها حضوراً أطول لدى الجمهور والمهتمين بفن الإنشاد.
كما أفكر في إنتاج أعمال إنشادية جديدة على مستوى عالٍ، إضافة إلى السعي لإنجاز مشاريع مشتركة مع منشدين وفرق إنشادية جزائرية في المستقبل القريب.
• في تقديركم، ما المخرجات المنتظرة من هذه المسابقة؟ وهل يمكن أن تكون منطلقاً لمشروع فني مستقبلي؟
أعتقد أن هذه المسابقة تمثل خطوة مهمة لفتح الطريق أمام هذا الفن ليزدهر أكثر، فهي تتيح اكتشاف طاقات شابة واعدة سواء في مجال الأداء أو كتابة الكلمات أو التلحين.
ومن الممكن أن تكون منطلقاً لتأسيس مجموعة صوتية احترافية تضم أبرز المواهب المتألقة، تحت تأطير الهيئات الثقافية والشبابية.
ومع وجود جمعيات نشطة مثل جمعية نشاطات السلام الثقافية المنظمة لهذه المبادرة، أرى أن الطريق ممهّد لإطلاق مشاريع فنية واعدة تخدم فن الإنشاد وتثري المشهد الثقافي الجزائري.

