62

0

الشهيدة مريم بوعتورة ... رفضت حياة الترف والدعة لترتمي في أحضان الثورة

قصة امرأة تضمد جراح المجاهدين بيد و تحمل السلاح باليد الأخرى

في أعماق جبال الأوراس الشامخة، وتحديدًا بين أزقة مدينة “نقاوس”، وُلدت في 17 جانفي 1938 مريم بوعتورة، الفتاة التي لم يكن أحد يتوقع أن تتحول يومًا إلى رمز للشجاعة والمقاومة وكابوسًا للجنرالات الفرنسيين.

هاجر شرفي

عرفت في صفوف الثورة باسم “ياسمينة”، واختارت أن تترك وراءها كل ما أتيح لها من وسائل الراحة والرفاهية، لتسلك درب التضحية والفداء، وترسم بدمها خارطة الحرية للجزائر.

ياسمينة بين رفاهية الحياة ونبض الوطن :

نشأت مريم في أسرة ميسورة الحال بولاية باتنة، وسط ستة إخوة، حيث تلقت كل مقومات الحياة الكريمة. لكنها لم تسمح لقلبها أن يغرق في الدعة، فقد عايشت معاناة شعبها يوميًا وتأثرت بجرائم الاحتلال الفرنسي، خاصة أحداث 8 ماي 1945 في سطيف وما خلفته من دماء ودموع.

مع انتقال عائلتها إلى سطيف، برزت مريم بذكائها وتفوقها الدراسي، وكانت شغوفة بالعلم والمعرفة. رغم جمالها وعروض الزواج التي قدمت لها، قالت بصراحة: “لن أتزوج، سألتحق بالثورة وأدافع عن وطني”، مؤكدة أن حب الوطن أهم من أي رغبة شخصية.

كانت مريم فتاة راقية، ترتدي أجمل الألبسة وتحافظ على أناقتها، لكنها كانت تتوق إلى حياة مليئة بالعمل الوطني والتحدي، بعيدًا عن مظاهر الرفاهية والدعة.

من مقاعد الدراسة إلى جبال الثورة

في 19 ماي 1956، استجابت مريم لنداء جبهة التحرير الوطني وشاركت في إضراب الطلبة، مغادرة مقاعد الدراسة والانضمام إلى صفوف الثورة،  كانت هذه البداية الحقيقية لمسيرة شجاعة، حيث التحقت بجبال الأوراس لتتعلم الحياة الصعبة بين الجبال، مواجهة البرد والجوع والتحديات اليومية، ولتصبح جزءًا لا يتجزأ من الثورة الشعبية ضد الاحتلال الفرنسي.

على الرغم من نشأتها المترفة، اعتادت مريم على حياة الجبال القاسية: النوم على الأرض، مواجهة البرد والثلوج، والجوع لأيام. كانت تقطع المسالك الوعرة بأحذية بسيطة من نوع “البوتوغاز”، متحدية المعارك الساخنة، وتشارك في العمليات الجراحية الطارئة، تضمد الجرحى وتعالج الكسور وتخرج الشظايا والرصاص بشجاعة وصبر لا يعرفان حدودًا.

 يد تداوي وأخرى تضغط الزناد

في الشمال القسنطيني، وتحديدًا منطقة “وادي الزهور”، التحقت مريم بمستشفى الثورة تحت إشراف الدكتور الأمين خان والممرض عبد القادر بوشريط، حيث تعلمت أساسيات التمريض والعلاج والتوجيه للجرحى والمجاهدين.

لكن شجاعتها لم تتوقف عند العلاج، بل امتدت إلى ساحات المعركة. أصبحت رمزًا للفدائية، تجمع بين رعاية الجرحى وتنفيذ العمليات ضد الاحتلال،  أسهمت في إنشاء المستشفيات المتنقلة التي كانت شريان الحياة للثوار، وكانت مسؤولة عن تدريب الممرضين والمساعدين الاجتماعيين والممرضات، مؤكدة أن المرأة الجزائرية كانت في قلب الثورة، لا مجرد مساعدة.

لم تكتفِ مريم بالعمل في الجبال، بل انتقلت إلى مدينة قسنطينة لتصبح “ياسمينة” الفدائية، القائدة الميدانية الشجاعة. نفذت عمليات نوعية ضد مراكز الشرطة ومؤسسات الاحتلال، وأصبحت المطلوب رقم 1 للفرنسيين، لكن ذكاؤها وحنكتها جعل منها شبحًا لا يُمس.

كانت تتحسس مسدسها من نوع 09 ملم ورشاشها من نوع MAT 49 بفخر واعتزاز بالوطن، وهي الفتاة الوحيدة بين رفيقاتها التي تحمل السلاح بشجاعة في المعارك.

استشهاد ياسمينة في حي “فيلي”

في 8 جوان 1960، كتب القدر الفصل الأخير من ملحمة ياسمينة. بعد عملية فدائية ضد خائن، اكتشف الجيش الفرنسي مكان اختبائها في حي “فيلي” بقسنطينة، وحاصرها وطالبها بالاستسلام، لكنها رفضت الخضوع.

خاضت معركة غير متكافئة ضد المدفعية والطائرات، وأمام عجز القوات الفرنسية عن اقتحام المبنى، فجروا المبنى بالديناميت. سقطت مريم بوعتورة شهيدة عن عمر 22 عامًا، رفقة رفيقها حملاوي، لتخلد باسمها ملحمة البطولة والتضحية، تاركة إرثًا خالدًا من الشجاعة والوطنية.

ترك استشهاد مريم بوعتورة درسًا خالدًا: المرأة الجزائرية لم تكن مجرد “مساعدة”، بل كانت في قلب المواجهة، تقود وتضحي وتلهم الأجيال. صورة ياسمينة بالزي العسكري ونظرتها الواثقة تبقى منارة للأجيال الجديدة، تذكرهم بأن الحرية تُؤخذ ولا تُعطى، وأن التضحية والشجاعة ليست كلمات بل أفعال تُخلد في التاريخ 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services