101

0

من طالب الثورة إلى طالب الابتكار.. مسيرة وعي تصنع مجد الجزائر

 

مريم بعيش

 بمناسبة إحياء الذكرى السبعين ليوم الطالب المصادف لـ19 ماي، يستحضر الجزائريون واحدة من أبرز المحطات التاريخية التي خلدت ارتباط الطالب الجزائري بقضايا وطنه، حين تحوّلت مقاعد الدراسة سنة 1956 إلى منابر للنضال، واختار الطلبة الجزائريون ترك الجامعات والمعاهد والالتحاق بصفوف الثورة التحريرية دفاعا عن حرية الوطن واستقلاله.

ويعود أصل الاحتفال بيوم الطالب إلى الإضراب التاريخي الذي دعا إليه الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين يوم 19 ماي 1956، حيث قرر الطلبة الجزائريون في الداخل والخارج مقاطعة الدراسة والالتحاق بجيش التحرير الوطني، في خطوة شكلت دعما قويا للثورة التحريرية وأكدت وعي النخبة الطلابية آنذاك بحتمية المشاركة في معركة التحرير.

وقد مثّل ذلك القرار حدثا مفصليا في تاريخ الحركة الوطنية، بعدما أثبت الطالب الجزائري أن العلم والنضال مساران متكاملان في خدمة الوطن، وتبقى ذكرى 19 ماي مناسبة لاستحضار تضحيات جيل آمن بالجزائر الحرة، وفضّل حمل رسالة الوطن على الامتيازات الشخصية، حيث سطر طلبة الأمس صفحات خالدة من التضحية والالتزام الوطني، وأسهموا في إيصال صوت القضية الجزائرية إلى مختلف المحافل الدولية.

رئيس الجمهورية يستحضر تضحيات طلبة 19 ماي 1956

وفي رسالته بمناسبة الذكرى السبعين ليوم الطالب، أكد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون اعتزاز الجزائر بشبابها الطلبة وبمختلف مكونات الأسرة الجامعية، مشيدا بالدور الذي تؤديه الجامعة الجزائرية في تطوير التعليم والبحث العلمي وربط المعرفة بمسار التنمية الوطنية.

كما استحضر رئيس الجمهورية تضحيات طلبة 19 ماي 1956 الذين اختاروا الحرية والكرامة قبل إغراءات المكانة والامتياز، معتبرا أن طلبة اليوم يواصلون حمل مشعل البناء والمعرفة في ظل جامعة جزائرية تراهن على التكنولوجيا والابتكار ومواكبة التحولات الحديثة.

وبين طالب الأمس الذي لبّى نداء الثورة، وطالب اليوم الذي يساهم بعلمه ومعرفته في بناء الجزائر الجديدة، تبقى ذكرى 19 ماي أكثر من مجرد مناسبة تاريخية، بل رسالة متجددة تؤكد أن الطالب الجزائري كان دائما في صلب التحولات الكبرى التي عرفتها البلاد، وفيا لوطنه، ومؤمنا بأن العلم أساس نهضة الأمم واستمرارها.

العالم بشير صوالحي يوجه رسالة ملهمة للطلبة بمناسبة يوم الطالب

وجّه البروفيسور بشير صوالحي رسالة تحفيزية للطلبة عبر بركة نيوز، دعاهم فيها إلى التمسك بالعلم والمعرفة باعتبارهما السبيل الآمن لبناء المستقبل وتحقيق النجاح،  وأكد صوالحي أن اهتمام الجيل الحالي بالعلم يدعو إلى الفخر والتفاؤل، معتبرا أن مستقبل الأفراد والأوطان وحتى البشرية بأكملها يرتبط بطريق المعرفة، قائلا إن العلم يبقى الطريق الآمن أكثر من أي طريق آخر، رغم ما يرافقه من صعوبات وتحديات ومخاوف.

وأوضح المتحدث أن النجاح في المجال العلمي لا يرتبط فقط بالحصول على منصب أو وظيفة، بل يكمن أيضا في شعور الإنسان بقيمة ما تعلمه وما حققه من إنجاز يعتز به طوال حياته، مشددا على ضرورة إعطاء قيمة حقيقية للتخرج الجامعي وترجمة هذا الإنجاز إلى مشاريع وجهد وقوة نفسية تسمح للطالب بترك أثر مشرف في المجتمع.

كما دعا صوالحي الطلبة إلى التحلي بروح المبادرة وعدم الاستسلام لليأس أو التقليل من قدراتهم، مؤكدا أن العالم يتطور ويتحرك بسرعة، في حين يبقى التردد أكبر عائق أمام الشباب، وقال في رسالته: "أقدموا على العالم، اكتبوا المبادرات، اقتنصوا الفرص ولا تتركوها تضيع كما وصل غيركم."

وختم البروفيسور رسالته بالتأكيد على أن الاقتداء بالنماذج الناجحة والحقيقية الموجودة في الواقع كفيل بصناعة جيل قادر على تحقيق النجاح وصناعة مستقبل أفضل.

الأستاذ توفيق ذباح:  في عيد الطالب ...أي طالب نريد فـي العصر الرقمـي

صرّح لنا الأستاذ توفيق ذباح، أستاذ الإعلام بجامعة الجزائر 2،أنّ ذكرى عيد الطالب المصادفة لـ19 ماي من كل سنة تبقى محطة تاريخية لاستحضار تضحيات الرعيل الأول من الطلبة الجزائريين خلال الثورة التحريرية المجيدة، وعلى رأسهم الشهيد الرمز طالب عبد الرحمان ورفاقه الذين غادروا مقاعد الدراسة عقب إضراب 19 ماي 1956 والتحقوا بصفوف جيش التحرير الوطني دفاعا عن الوطن، بعد أن آمنوا بأن ما أخذته فرنسا الاستعمارية بالقوة لا يُسترجع إلا بالقوة، مفضلين التضحية بدراستهم وشبابهم في سبيل حرية الجزائر واستقلالها.

وأضاف محدثنا أنّ هذه المناسبة تعيد إلى الأذهان بطولات أولئك الطلبة الذين تركوا الجامعات والثانويات والتحقوا بالجبال والعمل الثوري السياسي والدبلوماسي، إيمانا منهم بعدم وجود مستقبل في ظل استعمار غاشم لا يفرق بين فئات الشعب في التقتيل والتهجير والتعذيب، سواء تعلق الأمر بالمواطنين البسطاء أو بالطبقة المثقفة من الطلبة الذين كانوا يزاولون دراستهم بالمؤسسات التعليمية التابعة للاستعمار الفرنسي.

وأوضح الأستاذ توفيق ذباح أنّ الطلبة الجزائريين واصلوا بعد الاستقلال دورهم الريادي في بناء الدولة الجزائرية، حيث شُيّدت الجامعات والثانويات عبر مختلف ربوع الوطن، واستُقبلت الدفعات الأولى من الطلبة في تخصصات علمية متنوعة كالطب والهندسة والآداب واللغات، وهي التخصصات التي كانت الجزائر الفتية بحاجة إليها، إلى جانب إرسال طلبة للدراسة بالخارج واستقدام أساتذة من دول عربية وأجنبية للتدريس بالجزائر.

كما أكد المتحدث أنّ الحديث عن مساهمة الطلبة الجزائريين في بناء الدولة وخدمة المجتمع يتجدد كل سنة مع عيد الطالب، لما يمثله من فرصة لاستذكار بطولات جيل الثورة وتضحيات جيل البناء والأجيال اللاحقة التي ساهمت في ازدهار الجامعة الجزائرية وارتقائها علميا.

وأشار إلى أنّ أسماء جزائرية لامعة على غرار بلقاسم حبة والياس زرهوني أصبحت تشرف الجزائر في مختلف المحافل العلمية الدولية، وهو ما يعكس المكانة التي بات يحتلها الطالب الجزائري عالميا. وفي حديثه عن الجيل الحالي، أبرز الأستاذ توفيق ذباح أنّ الآمال تبقى معلقة على الطلبة الجزائريين للمساهمة في النهوض بالجزائر، خاصة في التخصصات العلمية الحديثة المرتبطة بالتكنولوجيات الجديدة كالذكاء الاصطناعي، الفيزياء، تكنولوجيا النانو والأبحاث الطبية الحديثة: مشيرا في السياق ذاته إلى أنّ الطالب الجزائري اليوم يمثل "جيلا رقميا" بامتياز، يعيش عصر السرعة والتكنولوجيا الرقمية في مختلف مناحي الحياة، حيث أصبحت الدراسة والمحاضرات والواجبات تتم عن بعد، كما أصبح "الكتاب الرقمي" وسيلة أساسية للوصول إلى العلم والمعرفة، في ظل الثورة التكنولوجية التي فرضت حضور "الديجيتال" في مختلف العلوم والتخصصات.

وختم الأستاذ توفيق ذباح تصريحه لنا بالتأكيد على أنّ التحدي المطروح اليوم أمام الجيل الحالي من الطلبة يتمثل في التكيف مع العصر الرقمي بإيجابياته وسلبياته، ومواصلة المشوار الذي بدأه طلبة الثورة، من خلال تطوير الجامعة الجزائرية والرقي بمخابر البحث العلمي حتى تحافظ الجزائر على مكانتها في المحافل العلمية الدولية.

الأستاذة سهام بن عاشور: "طالب الأمس صنع مجد الثورة وطالب اليوم مطالب بمواصلة مسيرة البناء"

صرحت لنا سهام بن عاشور، أستاذة بقسم علم الاجتماع، أن إحياء ذكرى يوم الطالب المصادف لـ19 ماي من كل سنة، يعد مناسبة وطنية وتاريخية هامة، يستحضر من خلالها الشعب الجزائري تضحيات الطلبة الجزائريين الذين لبوا نداء الوطن سنة 1956 والتحقوا بصفوف الثورة التحريرية جنبا إلى جنب مع إخوانهم المجاهدين الذين سبقوهم في ميادين النضال من أجل الدفاع عن الوطن ونيل الاستقلال.

مؤكدة أن هذه المناسبة تبقى رمزا للتضحية والوطنية، حيث أثبت الطلبة آنذاك أن العلم والنضال يسيران معا لبناء مستقبل أفضل، كما تذكر الأجيال الحالية بأهمية الاجتهاد في الدراسة وخدمة الوطن بالعلم والعمل وفاء لتضحيات من سبقوهم.

وأضافت أن الذكرى التاسعة والستين ليوم الطالب المخلد لإضراب الطلبة جاءت هذه السنة تحت شعار "تلبية النداء ومسيرة البناء"، وهو شعار يعكس الوعي الوطني الكبير الذي تحلى به الطلبة الجزائريون آنذاك، خاصة وهم يرددون "بشهاداتنا لن نصنع جثثا… واجبا يفرض علينا أن نلتحق بصفوف الكفاح، إن مقاعدنا الشاغرة في الجامعات ستعوض بصفوف في الجبل"، وهو التاريخ الذي قرر فيه الشباب الجزائري المتعلم الأخذ بزمام المبادرة والانخراط بقوة في العمل السياسي والثوري لتحرير البلاد ثم إعادة إعمارها وتشييدها.

وأوضحت الأستاذة أن الطالب الجزائري لم يتخلف عن تلبية نداء الثورة، حيث التحق عدد كبير منهم بصفوف جيش التحرير الوطني تاركين مقاعد الدراسة ومستقبلهم العلمي من أجل تحرير الوطن، معتبرة أن يوم الطالب يعد محطة للاعتراف بالمساهمات والتضحيات التي قدمها الطلبة من أجل أمتهم، والدليل على ذلك استشهاد العديد منهم أمثال عمارة رشيد، بن بعطوش، زدور محمد إبراهيم قاسم، بن عودة بن زرجب، وطالب عبد الرحمان الذي بقي رمزا خالدا للطالب المجاهد.

كما أشارت إلى أن طالب عبد الرحمان يعتبر نموذجا للطلبة الذين ضحوا بالنفس والنفيس من أجل الجزائر، فقد ولد سنة 1930 بالقصبة، وتميز بتفوقه العلمي الذي مكنه من متابعة دراسات عليا في الكيمياء، إضافة إلى تعلمه اللغة الألمانية، قبل أن يلتحق بجبهة التحرير الوطني سنة 1955 ويساهم في صناعة المتفجرات وإنشاء مخبر سري بمنطقة الأبيار بالعاصمة.

وأكدت المتحدثة، استنادا إلى شهادات العديد من المؤرخين، أن انتفاضة الطلبة أعطت دفعا قويا للثورة التحريرية، خاصة بعد استشهاد عدد من كبار القادة العسكريين، حيث تولى العديد من الطلبة مسؤوليات قيادية داخل صفوف جيش التحرير الوطني، وشاركوا في رسم استراتيجيات مواجهة المستعمر، فضلا عن دورهم في إيصال صوت الثورة الجزائرية إلى المحافل الدولية.

في السياق ذاته، بينت الأستاذة سهام بن عاشور أن الظروف السياسية والعسكرية الصعبة التي كانت تعيشها الجزائر، إلى جانب الوضعية المزرية التي كان يعيشها الطلبة الجزائريون في ظل الاستعمار، دفعت إلى التفكير في تأسيس تنظيم طلابي يدافع عن حقوقهم وقضيتهم الوطنية. حيث عقدت جمعية عامة لطلبة جامعة الجزائر يوم 17 ماي 1956، ناقشت خلالها مختلف الاضطهادات والاغتيالات التي كان يتعرض لها الطلبة والمثقفون من طرف السلطات الاستعمارية، قبل أن يتم اتخاذ القرار الحاسم يوم 18 ماي بالدخول في إضراب شامل يوم 19 ماي 1956.

وأضافت أن تأسيس "الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين" جاء بعد مرور تسعة أشهر من اندلاع الثورة التحريرية، وذلك بمبادرة من جمعية الطلبة المسلمين لشمال إفريقيا، التي دعت إلى توحيد صفوف الطلبة الجزائريين والعمل على إعطاء اللغة العربية مكانتها باعتبارها ركنا أساسيا من الثقافة الجزائرية، إضافة إلى إشراك الطلبة في الحياة السياسية للبلاد.

ختمت الأستاذة سهام بن عاشور تصريحها بالتأكيد على أن طالب الأمس الذي ضحى من أجل تحرير الوطن، يبقى قدوة لطالب اليوم الذي تقع على عاتقه مسؤولية مواصلة مسيرة البناء والتنمية وخدمة الجزائر بالعلم والمعرفة والابتكار.

 



شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services