36

0

من رفح إلى السوربون... حين يهزم الفن ضجيج الحرب

الحاج بن معمر 
في زمنٍ تتسابق فيه صور الدمار إلى شاشات العالم، وتغدو الحروب مادة يومية للأخبار العاجلة، يبرز الفن أحيانًا بوصفه اللغة الوحيدة القادرة على استعادة المعنى الإنساني وسط الركام. ومن قلب رفح الفلسطينية، المدينة التي تحولت إلى عنوان للصمود والمعاناة في آن واحد، انطلقت رسالة بصرية استطاعت أن تعبر الحدود والقارات لتصل إلى واحدة من أعرق المؤسسات الأكاديمية والثقافية في العالم، جامعة السوربون الفرنسية، حيث تُوّج الفنان والروائي الفلسطيني كمال صبح بجائزة دولية بعد اختيار لوحته السريالية شعارًا لمؤتمر «تفكيك الحرب».


لا يمكن النظر إلى هذا الإنجاز بوصفه نجاحًا شخصيًا لفنان فلسطيني فحسب، بل باعتباره حدثًا ثقافيًا يحمل أبعادًا أعمق تتصل بمكانة الفن الفلسطيني وقدرته على مخاطبة الضمير الإنساني العالمي.

فاللوحة الفائزة لم تكن مجرد عمل جمالي يثير الإعجاب، وإنما نص بصري مكتمل العناصر، يطرح أسئلة وجودية حول الحرب وآثارها النفسية والإنسانية، ويعيد تشكيل المأساة بلغة رمزية تتجاوز حدود الخبر والصورة المباشرة.
لقد اعتاد العالم أن يرى فلسطين من خلال نشرات الأخبار وتقارير المراسلين وصور الدمار والخراب، غير أن الفن يمتلك قدرة مختلفة على كشف الحقيقة.

فالصورة الصحفية تنقل الحدث كما هو، بينما يمنح الفن للمتلقي فرصة التوغل في أعماق المعنى، واستكشاف ما لا تستطيع الكاميرا وحدها التقاطه. وهنا تحديدًا تتجلى أهمية السريالية التي اعتمدها كمال صبح في عمله الفائز؛ إذ استطاع عبر الرموز والتكوينات البصرية أن يفضح العبث الكامن في الحروب، وأن يحوّل الألم إلى خطاب إنساني مفتوح على التأويل.
ويكتسب هذا التتويج أهمية إضافية إذا ما وضعناه في سياقه الفلسطيني. فأن تخرج لوحة عالمية من مدينة محاصرة بالحرب، وأن تجد مكانها في فضاء فكري وثقافي عالمي، يعني أن الإبداع ما زال قادرًا على مقاومة العزلة والحصار.

كما يؤكد أن الثقافة ليست ترفًا في حياة الشعوب التي تعاني، بل هي إحدى أدوات الصمود والحفاظ على الهوية والذاكرة الجماعية.
ولعل ما يميز تجربة كمال صبح أنه لا ينتمي إلى الفن التشكيلي فقط، بل يجمع بين التشكيل والرواية، بين الكلمة والصورة، وبين السرد البصري والسرد الأدبي.

وهذا التداخل بين الحقلين ينعكس بوضوح في أعماله، حيث تبدو اللوحات وكأنها روايات صامتة، مليئة بالشخصيات والرموز والحكايات المختبئة خلف الألوان والأشكال.

لذلك لم يكن مستغربًا أن تتمكن لوحته الفائزة من جذب اهتمام لجنة التحكيم الدولية، لأنها لم تقدم مشهدًا فنيًا عابرًا، بل رؤية فكرية وإنسانية متكاملة.
إن اختيار اللوحة شعارًا لمؤتمر يحمل عنوان «تفكيك الحرب» يحمل دلالة خاصة. فالمؤتمر يبحث في آليات فهم الحروب وآثارها وخلفياتها، بينما جاءت اللوحة لتؤدي الدور ذاته بصريًا، من خلال تفكيك صورة الحرب وكشف تناقضاتها ومخلفاتها النفسية والاجتماعية.

وهنا يصبح الفن شريكًا للفكر والأكاديميا في إنتاج المعرفة، وليس مجرد عنصر جمالي يرافق الفعاليات الثقافية.
وفي الحقيقة، فإن هذا الإنجاز يعكس الحضور المتنامي للفنانين الفلسطينيين على الساحة الدولية، رغم كل التحديات التي تواجههم. فالفنان الفلسطيني اليوم لا يحمل ريشته فقط، بل يحمل معه رواية شعب كامل، وذاكرة ممتدة عبر عقود من المعاناة والأمل. ومن خلال أعماله يسعى إلى تقديم هذه الرواية للعالم بلغة يفهمها الجميع، لغة تتجاوز الانقسامات السياسية والأيديولوجية لتصل مباشرة إلى الإنسان.
كما يوجه هذا التتويج رسالة مهمة إلى الأجيال الشابة من المبدعين العرب والفلسطينيين مفادها أن الوصول إلى المنصات العالمية لا يتطلب بالضرورة امتلاك الإمكانات المادية الكبرى، بقدر ما يحتاج إلى امتلاك الرؤية والموهبة والإصرار.

فالفكرة الصادقة قادرة على أن تشق طريقها مهما كانت الظروف قاسية، والفن الحقيقي يستطيع أن يفرض حضوره حتى في أكثر البيئات اضطرابًا.
إن وصول لوحة من رفح إلى السوربون ليس مجرد انتقال جغرافي بين مدينتين، بل هو انتقال رمزي من هامش المعاناة إلى مركز الاهتمام الثقافي العالمي. وهو دليل جديد على أن الفن لا يعترف بالحصار، وأن الإبداع يستطيع أن يبني جسورًا حيث تفشل السياسة، وأن يمنح الشعوب صوتًا حين تضيق بها المنابر الأخرى.
هكذا يتحول الإنجاز الفردي إلى انتصار ثقافي جماعي، وتصبح اللوحة أكثر من عمل فني؛ تصبح شهادة على قدرة الإنسان الفلسطيني على إنتاج الجمال وسط الألم، وعلى تحويل الوجع إلى رسالة، والرماد إلى أفق مفتوح للأمل. وبين رفح والسوربون تمتد حكاية تؤكد أن الفن، في نهاية المطاف، قد لا يوقف الحروب، لكنه قادر على أن يحفظ إنسانيتنا في مواجهتها.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services