76

0

من قاعة متواضعة في باتنة… كيف يصنع أبطال الأوراس نخبة رياضية تجمع بين التتويج والانضباط العلمي؟

في إحدى قاعات التدريب بمدينة باتنة حيث لا يعلو صوت على وقع الأقدام فوق أرضية البساط ولا تقاس القيمة بعدد الكاميرات أو حجم الميزانيات، تشكلت خلال سنوات قليلة تجربة رياضية إستثنائية، تجربة تثبت أن الأبطال لا يصنعون في المراكز الكبرى وحدها بل في الأماكن التي تمنح فيها للإنضباط والإستمرارية والتكوين القيمي المكانة ذاتها التي تمنح للقب والميدالية.

ريبورتاج : ضياء الدين سعداوي 

تأسس نادي أبطال الأوراس للكاراتي دو سنة 2019 في ظرف لم يكن يوحي بالكثير من الوعود، ناد حديث العهد، بإمكانيات محدودة، لكن برؤية واضحةمن خلال  تكوين رياضي متكامل يصنع بطلاً في المنافسةومتوازناً في الحياة، بعد سنوات قليلة فقط تحول هذا النادي إلى إسم حاضر بقوة في البطولات المحلية والوطنية ثم الإفريقية والمتوسطية والعالمية عبر أبطال من مختلف الفئات العمرية ذكوراً وإناثاً، فردياً وجماعياً.

إنجازات تتحدث بهدوء

لا يميل القائمون على النادي إلى تعداد الألقاب بلهجة إحتفالية صاخبة ومع ذلك فإن سجل الإنجازات يفرض نفسه مراتب أولى حسب الفرق، ألقاب وطنية متتالية، تتويجات إفريقية، مشاركات مشرفة في البطولات العالمية وحضور لافت في منافسات حوض البحر الأبيض المتوسط، والأهم من ذلك أن عدداً من أبناء النادي باتوا يشكلون نواة للمنتخب الوطني سواء كلاعبين أو كإطارات تدريبية.

يقول عبد العزيز لوصيف رئيس نادي أبطال الأوراس في تصريح للموقع الإخباري بركة نيوز يعكس فلسفة العمل أكثر مما يعكس حجم النتائج:

“منذ البداية لم نكن نبحث عن تكوين أبطال ظرفيين، هدفنا كان بناء مسار طويل يخرج رياضيين منضبطين قادرين على تمثيل الجزائر بشرف داخل البساط وخارجه.”

أبطال يحكون قصتهم… لا تروى عنهم

ما يميز تجربة أبطال الأوراس ليس فقط عدد الميداليات بل طبيعة الوجوه التي تقف خلفها، وجوه شابة تحمل على أكتافها قصص تعب يومي وتوازن صعب بين الدراسة والتدريب وبين طموح فردي وانتماء جماعي.

الطاهر فيراس، بطل الجزائر يتحدث للموقع الإخباري بركة نيوز عن البدايات قائلاً:

“لم أصل إلى التتويج بسهولة، الكاراتي علمتني أن الهزيمة مرحلة وأن الفوز الحقيقي هو الإستمرار في هذا النادي تعلمنا ألا نبحث عن الطريق السهل.”

أما محمد مهدي برحال المتوج إفريقيا وعالمياً فيربط بين الإنجاز والتكوين القيمي:

“ما حققته لم يكن نتيجة الموهبة فقط. الانضباط اليومي، إحترام الوقت، والإلتزام بالتدريبات… هذه أشياء تعلمناها هنا قبل أي بطولة.”

من باتنة إلى المتوسط… ثم العالم

في مسار مشابه يبرز إسم محمد لؤي لوصيف بطل حوض البحر الأبيض المتوسط الذي يرى أن المنافسات الخارجية شكلت اختباراً حقيقياً لشخصية الرياضي يخبرنا قائلا:

“عندما تمثل بلدك خارج الحدود، تدرك أن المسألة ليست تقنية فقط. أنت مطالب بالهدوء، بالتركيز، وبأن تكون صورة مشرفة عن الرياضة الجزائرية.”

وتتكرر القصة مع الأبطال المتوجين قارياً مثل المعتز بالله معجوج ونبيل عثماني اللذين يعتبران أن العمل القاعدي داخل النادي هو مفتاح الإستمرارية.
يقول المعتز بالله معجوج:

“التتويج الإفريقي ليس نهاية الطريق .الأصعب هو الحفاظ على المستوى، وهذا ما يركز عليه المدربون هنا.”

بينما يضيف نبيل عثماني:

“نحن نتدرب وكأننا سنخوض بطولة في كل حصة، هذه العقلية هي التي صنعت الفارق.”

حضور نسوي قوي… وتكافؤ في الفرص

في قاعة أبطال الأوراس لا ينظر إلى الرياضة النسوية بإعتبارها استثناءً بل تشكل البطلات جزءاً أساسياً من هوية النادي وأرقامهن في البطولات الوطنية تؤكد ذلك.

لميس الساسي بطلة الجزائر تقول إن الكاراتي منحها الثقة قبل اللقب:

“الرياضة هنا لم تغيّر فقط مستواي البدني، بل شخصيتي أيضاً. تعلمت الدفاع عن نفسي، وعن طموحي.”

وتتقاطع شهادتها مع أماني يارى حبطة وغضبان هبة الله وخديجة هاشمي ويارى جاب الله، وهن بطلات جزائريات أكدن حضوراً لافتاً في مختلف المنافسات.
تقول أماني يارى حبطة:

“التنافس داخل النادي قوي، وهذا ما يجعلنا أفضل. لا فرق بين لاعب ولاعبة، الجميع يخضع لنفس المعايير.”

الدراسة… وجه آخر للبطولة

بعيداً عن البساط يحرص النادي على ترسيخ فكرة أساسية، لا بطولة دون تعليم عدد معتبر من الأبطال يواصلون دراسات جامعية في تخصصات دقيقة من العلوم الطبية إلى هندسة الإعلام الآلي محققين نتائج مشرفة منذ الأطوار الأولى من التعليم.

يؤكد عبد السلام هشام بطل الجزائر أن التوفيق بين الدراسة والرياضة ليس أمراً مستحيلاً:

“الكاراتي علمتني تنظيم الوقت، ما أتعلمه في القاعة يساعدني في القسم والعكس صحيح.”

رؤية تتجاوز اللحظة

بالنسبة لرئيس النادي عبد العزيز لوصيف فإن الرهان الحقيقي لا يكمن في موسم ناجح أو بطولة واحدة، بل في الاستمرارية وبناء نموذج يُحتذى به:

“نحن نؤمن أن الرياضة يمكن أن تكون مدرسة حقيقية. إذا نجحنا في تكوين إنسان متوازن، فإن الميداليات ستأتي كنتيجة طبيعية.”

تجربة محلية… بدلالة وطنية

قصة نادي أبطال الأوراس للكاراتي دو ليست مجرد قصة ناد ناجح بل نموذج مصغر لما يمكن أن تحققه الرياضة الجزائرية حين تُدار بعقلية التكوين لا الإستهلاك وبمنطق الإستثمار في الإنسان لا في الظرف.

من قاعة بسيطة في باتنة خرج أبطال حملوا ألقاب الجزائر إلى المنصات الإفريقية والمتوسطية والعالمية دون أن يتخلوا عن مقاعد الدراسة أو عن قيم الإنضباط والإحترام. تجربة تؤكد أن الطريق إلى القمة لا يبدأ دائماً من الإمكانيات الكبرى بل من وضوح الرؤية ومن الإيمان بأن البطولة قبل أن تكون ميدالية، هي أسلوب حياة.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services