عبر صفحات التاريخ الإسلامي، لم تكن المرأة غائبة عن مشهد العلم، بل حضرت فيه حضورًا وازنًا، حفظًا وتعليمًا وتأثيرًا، وبين أسماء عالماتٍ كثيراتٍ طواهن النسيان، تبرز سيرة رقية بنت محمد القوي البجائية، العالِمة والمحدّثة التي شكّلت جسرًا معرفيًا حيًا بين المغرب الإسلامي والمشرق، وأسهمت في حفظ السنة النبوية في أقدس بقاع الأرض، رغم أن اسمها لا يزال مجهولًا لدى عامة الناس.
إعداد هاجر شرفي
لم تكن رقية مجرد عالِمة عابرة في كتب التراجم، بل كانت شاهدًا حيًا على الدور العلمي الذي لعبته المرأة المسلمة، وعلى المكانة التي بلغتها بجاية الجزائرية كحاضرة علمية صدّرت العلماء إلى مختلف الأمصار.
نشأتها وتكوينها العلمي
وُلدت رقية في مكة المكرمة سنة 793 هـ، في بيت علم وديانة، غير أن انتماءها ظل مرتبطًا بمدينة بجاية، التي حملت اسمها وكنيتها “البجائية” اعتزازًا بأصول عائلتها وجذورها .
تنتمي رقية إلى أسرة علمية عريقة، فوالدها هو الفقيه والمحدّث أبو عبد الله محمد القوي البجائي، الذي هاجر من بجاية إلى مكة واستقر بها، ليواصل مسيرته في التدريس والتحديث. وفي ظل هذا المناخ العلمي، نشأت رقية بين حلقات العلم ومجالس الحديث، فكان والدها أول شيوخها وأشدهم تأثيرًا فيها.
حرص والدها على تعليمها بنفسه، فحفظت القرآن الكريم في سن مبكرة، وتلقّت علوم العربية والفقه، خاصة الفقه المالكي الذي حملته العائلات المغاربية إلى الحجاز، إلى جانب الفقه المكي السائد آنذاك. غير أن تميّزها الحقيقي برز في علم الحديث الشريف، حيث أظهرت قدرة نادرة على ضبط الأسانيد والمتون، حتى أصبحت من أشهر “المسندات” في عصرها.
رحلتها مع المشايخ والإجازات:
لم تكتفِ رقية بالتلقي عن والدها، بل بدأت رحلتها العلمية بالاستماع لكبار مشايخ الحجاز، فجلست في مجالس العلماء، ونهلت من علومهم، ومن أبرز من أخذت عنهم:
• العالم ابن الصديق،
• والعلامة الزين المراغي،
• والجمال بن ظهيرة، وغيرهم من أعلام الحديث.
وقد لفتت رقية الأنظار بذكائها، وقوة حفظها، ودقتها في الرواية، مما أهلها للحصول على إجازات علمية رفيعة، جعلتها مرجعًا موثوقًا في نقل الحديث النبوي، خصوصًا لما تمتعت به من علوّ الإسناد، وهو أمر بالغ الأهمية عند المحدثين.
مكانتها العلمية وحضورها في مكة:
وُصفت رقية في كتب التراجم، لا سيما عند الإمام شمس الدين السخاوي، بأنها “الشيخة الصالحة المعمرة”، وهو وصف لم يكن يُمنح إلا لأصحاب المكانة العلمية والأخلاقية العالية. فقد جمعت بين العلم، والزهد، والورع، مما أكسبها احترام الخاصة والعامة.
لم يقتصر دورها على التعلّم، بل تحولت إلى مدرسة علمية قائمة بذاتها. فكانت تعقد حلقاتها في مكة المكرمة، تروي الأحاديث، وتمنح الإجازات العلمية، للنساء مباشرة، وللرجال من وراء حجاب، في صورة تعكس ما بلغته من ثقة علمية ومكانة رفيعة في مجتمع العلماء.
أشهر طلابها :
من أبرز العلماء الذين تتلمذوا على يديها:
• الإمام الحافظ شمس الدين السخاوي، الذي أثنى عليها ثناءً بالغًا في كتابه “الضوء اللامع”، وذكر أنه قرأ عليها عددًا من الأحاديث والكتب، ونال منها الإجازة.
• الإمام جلال الدين السيوطي، الذي اعتز بروايته عنها، وذكرها في مؤلفاته، وأشار إلى مكانتها العلمية، كما أجازها بما ترويه عن مشائخها في مصطلح الحديث الشريف، وخلّد اسمها في كتابه «أنشاب الكثب في أنساب الكتب».
وهذا الإقبال من كبار الحفاظ ليس إلا دليلًا على رسوخ علمها، وموثوقية روايتها، في زمن كان النقد فيه شديدًا على رواة الحديث.
زهدها وأثرها الإنساني:
إلى جانب علمها، عُرفت رقية البجائية بالعبادة، فكانت مثالًا للعالِمة العاملة بعلمها، حتى صُنفت ضمن “الوليّات الصالحات”. عاشت حياة بعيدة عن الأضواء، لكنها كانت عامرة بالعطاء العلمي، ممتدة لأكثر من ثمانين عامًا، قضتها بين التعليم والرواية والعبادة.
توفيت رقية في مكة المكرمة سنة 874 هـ، بعد أن تركت أثرًا عميقًا في الحركة الحديثية، وسلسلة من الأسانيد التي انتقلت عبر تلامذتها إلى مختلف بقاع العالم الإسلامي.
رقية بنت القوي البجائية ليست مجرد اسم ، بل هي شاهد تاريخي على أن بجاية الجزائرية كانت حاضرة علمية عالمية، صدّرت العلم والعلماء إلى قلب العالم الإسلامي، وأن المرأة المسلمة لم تكن على هامش المعرفة، بل كانت شريكًا أصيلًا في حفظ السنة النبوية، وتدريس علوم الشريعة، حتى في أقدس البقاع.
إن استحضار سيرتها اليوم، هو استعادة لجزء من الذاكرة العلمية المنسية، وتأكيد على أن تاريخنا زاخر بنماذج نسوية مشرقة، تستحق أن تُروى للأجيال القادمة