42
0
من “أسرة رمضانية” إلى فاعل اقتصادي دائم… دعوة لتحويل النشاط الموسمي إلى مقاولة وطنية مستدامة
سعاد رحاب تقترح إدماج الأسر المنتجة في مسار قانوني مبسط

في ظل الحركية الاقتصادية التي يشهدها شهر رمضان من كل عام، تعود الأسواق الجوارية لتتصدر المشهد كمحرك اجتماعي وتجاري يعكس ديناميكية الاستهلاك المحلي. غير أن هذا النشاط، الذي تقوده آلاف الأسر المنتجة عبر مختلف ولايات الوطن، لم يعد – وفق رؤية الفيدرالية الجزائرية للتنمية والتعاون الاقتصادي المشترك – مجرد مبادرة موسمية عابرة، بل يشكل نواة حقيقية لمقاولات مصغرة قادرة على التحول إلى رافد دائم للاقتصاد الوطني.
الهوصاوي لحسن
وأكدت رئيسة الفيدرالية سعاد رحاب، في تصريح صحفي، أن الأسرة المنتجة تمثل نموذجًا فعليًا للاقتصاد التضامني والاقتصاد الميكروي، حيث تجمع بين الإنتاج المحلي والحرف التقليدية والابتكار الاجتماعي، والاستجابة لطلب استهلاكي موسمي متميز، مع الحفاظ على الهوية الثقافية وتعزيز روح التعاون داخل الأحياء والمجتمعات المحلية.
اقتصاد الظل… فرصة الإدماج لا عبء المواجهة
استنادًا إلى معطيات وطنية متداولة في تقارير وزارة التجارة والأنشطة الاقتصادية، تشير التقديرات إلى أن النشاط غير المنظم يمثل قرابة 40% من الاقتصاد الوطني، فيما تسهم المقاولات العائلية بحوالي 30% من مناصب الشغل. غير أن ما بين 60 إلى 70% من هذه المقاولات يبقى محصورًا في السوق المحلية، نتيجة غياب التأطير القانوني وضعف آليات التمويل ومحدودية الدعم التسويقي.
من هذا المنطلق، ترى الفيدرالية أن إدماج الأسرة المنتجة ضمن مسار تنظيمي مبسط لا ينبغي أن يُفهم كإجراء إداري فقط، بل كخيار استراتيجي لتحويل كتلة اقتصادية كامنة إلى قوة إنتاجية منظمة، قادرة على رفع مستوى الدخل المحلي والمساهمة في الناتج الداخلي الخام.
من نشاط موسمي إلى مشروع قابل للنمو
تؤكد رحاب أن الأسرة المنتجة أثبتت قدرتها على خلق دخل مباشر لأفرادها وتحريك السيولة النقدية خلال رمضان، الذي يعرف ذروة استهلاكية سنوية. كما تمثل فضاءً خصبًا لريادة الأعمال المصغرة، خاصة لدى النساء والشباب، نظرًا لمرونتها وسرعة تكيفها مع تغير الطلب.
ووفق تقديرات تقريبية، إذا بلغ عدد الأسر المنتجة خلال رمضان 100 ألف أسرة بمتوسط دخل سنوي يقدر بـ50 ألف دينار جزائري، فإن إدماجها ضمن السوق الوطنية بشكل منظم قد يرفع دخل الأسرة إلى ما بين 150 ألف و200 ألف دينار سنويًا. أما في حال ولوج أسواق شمال إفريقيا وبعض الأسواق العربية عبر آليات التصدير المصغر، فقد يتضاعف الدخل ثلاث إلى خمس مرات، ما يفتح آفاقًا جديدة لتحويل هذه المبادرات إلى مقاولات حقيقية ذات قابلية للتوسع.
منصة وطنية وسجل خاص… هندسة تنظيمية جديدة
ضمن مقترحاتها العملية، تدعو الفيدرالية إلى إنشاء منصة وطنية رقمية لتسجيل وتنظيم المقاولات العائلية، واستحداث سجل خاص بالمقاولة العائلية يراعي خصوصيتها من حيث الحجم وطبيعة النشاط. كما تقترح تسهيل الولوج إلى التمويل عبر قروض صغيرة بشروط تفضيلية، ودعم بناء العلامات التجارية المحلية، وتحسين جودة التعبئة والتغليف بما ينسجم مع المعايير الوطنية والدولية.
كما تشدد على ضرورة مرافقة الأسر المنتجة ببرامج تكوين مستمر في مجالات التسيير المالي والتسويق الرقمي، وإدارة سلاسل الإمداد وآليات التصدير المصغر، بما يعزز تنافسيتها ويرفع قدرتها على الاندماج في الاقتصاد المنظم.
تحفيز ضريبي وشبكات توزيع… نحو بيئة داعمة
لم تغفل الفيدرالية عن التحديات التي تعترض هذا المسار، وفي مقدمتها ضعف التنظيم القانوني، محدودية التمويل، نقص الدعم التسويقي وضعف التكوين المهني. وهي عوامل، بحسب رحاب، تحد من التوسع وتؤثر مباشرة على القدرة التنافسية.
وعليه، توصي بإقرار إعفاءات ضريبية مؤقتة لمدة سنتين لفائدة المقاولات العائلية الناشئة، وإطلاق جوائز وطنية لأفضل المشاريع المبتكرة، إلى جانب بناء شبكات توزيع رسمية وغير رسمية تربط المنتجين بتجار الجملة والأسواق الوطنية، وإبرام شراكات مع المؤسسات البنكية لتوفير تمويلات مبسطة بضمانات مرنة.
رهان اقتصادي واجتماعي مزدوج
إن تحويل الأسرة المنتجة من نشاط رمضاني ظرفي إلى مقاولة مستدامة لا يمثل مجرد خيار تنموي، بل هو رهان اقتصادي واجتماعي مزدوج: خلق مناصب شغل قاعدية، رفع الدخل المحلي، تقليص حجم النشاط غير المنظم، وبناء علامة اقتصادية جزائرية قادرة على المنافسة داخليًا وخارجيًا.
وبين الطابع الاجتماعي للنشاط وجوهره الاقتصادي، تبرز الأسرة المنتجة اليوم كحلقة وصل بين الاقتصاد التضامني والسوق الوطنية، ما يجعل تأهيلها قانونيًا وتقنيًا وتسويقيًا خطوة استراتيجية نحو اقتصاد أكثر شمولًا وتوازنًا واستدامة.

