26
0
ملف صوت الأسير فى السجون والمعتقلات الصهيونية
ما بين الخذلان والوعي: معارك الروح الخفيّة


بقلم / نهى عودة
لم تكن الحياة على قدر الحلم المؤجَّل؛ كانت دومًا تستوقف المرء في أوج انبهاره بذاته قبل الآخرين، تجعله يطرح الأسئلة الكثيرة، والأغلب منها لا يجد له جوابًا. حالها حال التقدّم في العمر؛ مهما حاولت أن تكافح لتبقى صغيرًا، إلّا أنّ دولاب الوقت أسرع من كلّ هذا.
نحن نملك جزءًا لا بأس به ممّا نحن عليه الآن. في لحظة فرح يمكنك أن تقول إنّ هزائم الأمس صنعت منك إنسانًا مختلفًا، إنسانًا له بصمة خاصّة لن يمرّ من باب هذا الكون كعابر سبيل. لكن في لحظات الضعف، لن تتذكّر كلّ هذا؛ ستبقى أمام حقيقة الخذلان والارتباك والتشويش، وتسأل: هل أستحقّ كلّ هذا؟
تعلَم أنّ الأمر لم يكن متعلّقًا بك وحدك، ولكن ما حكمت عليه الدنيا في تركيبة شخصيّات الآخرين المرتبطين بك سينعكس عليك وعلى علاقاتك بهم وعلى مآلات هذه العلاقات. وفي المحصّلة، لن تستطيع في أماكن كثيرة تغيير أيّ شيء، لأنّك ستدرك أنّ الذنب لم يقع عليك ولا عليهم، بل في سيكولوجيّة المرء نفسه، وفي كيفيّة تعاطيه مع ما يفرضه الموقف، وهو ما ينعكس سلوكًا مباشرًا تجاهك.
نحن الآن في خضمّ معركتين:
الأولى مع ذواتنا، حيث نحاول الخروج بأقلّ الخسائر، لأنّنا نعلم أنّ الخذلان يعقبه خذلان، وأنّ خذلان الروح هو أقساه، وهو في كثير من الأحيان نتاج تربية هشّة، ولجوء أعمى، وأحلام مؤجّلة. يغيب الوعي فيحضر الجهل، فنتعلّم من جيوبنا، ويأخذ هذا التعلّم في كلّ مرّة جزءًا من أرواحنا.
أمّا المعركة الثانية فهي مع الآخر، الذي قد يكون خضع بدوره لتجربة مشابهة، لكنّها خيبات الأرواح بأشكال متعدّدة. وهنا يبرز السؤال:
هل تحتاج الصراعات والخلافات إلى مزيد من الإدراك والوعي؟ أم إلى مناطق آمنة في العلاقات؟ أم تُترك الأمور معلّقة كما يفعل الهاربون من المواجهة، أولئك الذين لا يقدرون على مصارحة ذواتهم، فكيف لهم أن يصارحوا الغريب؟
إنّ التناغم الإدراكي في العلاقات، ووضع الأمور في نصابها الصحيح، لا يقتصر على التفاصيل اليومية العابرة، بل يتعدّاها إلى الغوص في الذات، والمصارحة، والمصالحة. وهذا يحتاج إمّا إلى نشأة سليمة، ووالدين مدركين للحياة، يُشبعان أبناءهم وعيًا وحوارًا يصوّب خطاهم نحو غد أفضل، أو إلى مجهود شخصي شاق، يُبذل بوعي وإصرار.
أمّا الأمان، فهو حجر الأساس في كلّ علاقة إنسانية. قد يسبق الإدراك أو يسير بمحاذاته، لكنّه لا يُمنَح لمن لا يعرف ماذا يريد، ولا ماذا يحبّ أو يكره. الأمان أعلى درجات التوازن في الحياة، وليس شكلًا من أشكال الهروب. أن تأمن من أمامك على قلبك وروحك وطريقك، وأن تثق أنّه لن يُفلت يدك لريح التيه.
كلّما ازداد وعينا، واتّسع انفتاحنا على الآخر، واحترمنا حريّته، ووضعنا ميزانًا عادلًا للتدخّل في شؤونه، اقتربنا أكثر من غدٍ أفضل.
أمّا التناغم الإدراكي، فعليه أن يتحقّق قبل الاندفاع نحو ما هو زائف، فالتساوي على ذات الخطّ والمبدأ، ومحاولات تغيير الطباع المتجذّرة، لن تُسمن ولن تُغني عن جوع.
علينا أن نعي جيّدًا أنّنا، بعد مرحلة متقدّمة من العمر، قد لا نستطيع إعادة تشكيل ما ذاب فينا عبر ستّين لغة من لغات الموقف والتجربة، لكنّنا نستطيع أن ننقذ أجيالنا القادمة. نستطيع أن نمنحهم وعيًا أبكر، وأمانًا أصدق، ومساحات أوسع للفهم، ليكونوا أقلّ خيبة، وأكثر اتّزانًا، وأقرب إلى ذواتهم وإلى الحياة كما ينبغي لها أن تُعاش.

الدكتورة زهرة خدرج… صوت الأسيرات الذي لم يُرِد الاحتلال أن يُسمَع
تقرير: إعلام الأسرى
برز اسم الدكتورة زهرة خدرج خلال السنوات الأخيرة كأحد الأصوات النسوية الفلسطينية الأكثر حضورًا في قضايا الأسرى والأسيرات، حيث سخّرت قلمها وخبرتها الأكاديمية لنقل معاناة المعتقلين الفلسطينيين، والدفاع عن حقوقهم الإنسانية، وإبقاء قضيتهم حيّة في الوعي العام. لم تكن كتاباتها مجرّد مقالات رأي، بل شهادات إنسانية موثّقة شكّلت جسرًا بين السجون والرأي العام عرفها المتابعون ككاتبة ملتزمة بالقضية الفلسطينية، جعلت من الأسر عنوانًا دائمًا في نصوصها، وخصّت الأسيرات بمساحة إنسانية واسعة، ناقلة تفاصيل حياتهن اليومية، ومعاناتهن الصحية والنفسية، في مواجهة سياسات القمع والإهمال الطبي داخل سجون الاحتلال.
هذا الحضور المتواصل جعلها عرضة للملاحقة، في ظل تصاعد سياسة استهداف كل من يعمل على فضح ممارسات الاحتلال داخل السجون.
الاعتقال كرسالة قمع
في فجر يوم الثلاثاء 3 فبراير/شباط 2026، اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل الدكتورة زهرة خدرج في مدينة قلقيلية، واعتقلتها عقب مداهمة عنيفة،
فخلال الاقتحام، اعتدى جنود الاحتلال على أفراد من العائلة، واعتقلوا ابنتها يقين، طالبة البرمجة في جامعة فلسطين التقنية – خضوري، في مشهد إنساني قاسٍ وسّع دائرة العقاب لتشمل الأسرة، وأعاد إلى الواجهة سياسة العقاب الجماعي.
تجربة سابقة مع الأسر والإهمال الطبي
لم يكن هذا الاعتقال الأول للدكتورة خدرج، إذ سبق أن اعتُقلت في 28 يناير/كانون الثاني 2024، وقضت عدة أشهر في سجون الاحتلال، عانت خلالها من إهمال طبي متعمّد أدى إلى تدهور حالتها الصحية بشكل ملحوظ.
وعقب الإفراج عنها في يناير/كانون الثاني 2025، قدّمت شهادة مباشرة عن أوضاع الأسرى، ووصفت السجون بأنها “قبور للأحياء”، مؤكدة أن ما يتعرض له المعتقلون يتجاوز الاعتقال إلى سياسة كسر ممنهجة تستهدف الجسد والكرامة معًا.
تبقى كتابات زهرة خدرج شهادات إنسانية تتحدى محاولات الاحتلال محو الحقيقة، ومع احتجازها، يظل صوت الأسيرات حيًا لا يُحاصر، والسجن يصبح امتدادًا لمعركة الرواية، وكلماتها شاهدة على أن الحقيقة دائمًا تجد طريقها إلى النور

حاتم يسأل: أين عمرو؟ أسير حيّ أم شهيد بلا جثمان؟
تقرير: إعلام الأسرى
على باب خيمته، يجلس الأسير المحرر حاتم فوزي عودة على كرسي متهالك، ويمسك بورقة تحمل في طياتها خبرًا يزعم فيه الاحتلال الإسرائيلي أن ابنه عمرو عودة ارتقى في السجون بعد أقل من أسبوع واحد على اعتقاله!
عمرو بكر الأبناء وأول الفرحة التي حظي بها والده، فله في قلبه ما له من معزة وحب ومكانة، فمعه مارس شعور الأبوة للمرة الأولى، وسمع كلمة “بابا” منه وكلمة “يا سيدي” من أحفاده أولاد عمرو الثلاثة، غير أن قلب حاتم يحترق الآن وهو غير متيقن أبدًا إن كان ابنه ارتقى فعلًا في السجون أم أن الاحتلال يتلاعب بمشاعره كما يتلاعب بمشاعر مئات العائلات الغزية التي لا تعرف مصير فلذات أكبادها في معتقلات الاحتلال وسجونه.
بدأت حكاية حاتم عودة وابنه مع الاعتقال، في الاجتياح الأول لحي الزيتون جنوب مدينة غزة، فاعتقلا مع جميع أبناء حاتم وإخوته وأولادهم، حينما اقتحمت قوات الاحتلال الإسرائيلي منزل العائلة في حي الزيتون، واعتقلت قرابة 15 فردًا من العائلة في تاريخ 7/12/2023.
قبيل اقتحام الاحتلال للمنزل، حدثته نفسه لحاتم بصوتٍ عالٍ أنه لو بادر وأولاده بالخروج من المنزل حتى لا يتم اعتقالهم، فكان رد عمرو آنذاك أنه قدر الله يا أبي، وكانت آخر الكلمات المتبادلة بينهما، مكث رجال العائلة يومين تحت سطوة جيش الاحتلال الإسرائيلي في غزة بكثير من الضرب والسحل والتعذيب وتعصيب الأعين وتقييد الأيدي، إلى أن تم نقلهم إلى معسكر سيديه تيمان في غلاف قطاع غزة، وهناك رأى حاتم ابنه للمرة الأخيرة من بعيد جدًا، وإن ميّز آثار الضرب والتعذيب عليه، وبعدها افترقا حتى هذه اللحظة.
لم تنته الحكاية هنا، فقد منّ الله على حاتم بالإفراج من سجون الاحتلال، وعندها بدأ معركته الخاصة بالتواصل مع مؤسسات الأسرى عله يظفر بمعرفة مصير ابنه عمرو المعتقل، وهي معركة تحتاج الكثير والكثير من الصبر، فمؤسسات الأسرى تستقبل أعدادًا هائلة من طلبات أهالي المعتقلين ليعرفوا مصير أولادهم، فيما يتعنت الاحتلال الإسرائيلي كثيرًا في الرد على هذه الطلبات، ويتعمد التأجيل في الرد أو إرسال ردودًا عامة دون تفاصيل، أو تزيد الطين بله فترد أنه لا معلومات لدينا حول هذا الاسم.
إلى أن وصل رد إلى حاتم.. ألجم لسانه عن النطق للحظات حتى استطاع استيعابه، هو استوعب الخبر غير أنه لم يشعر باليقين بداخله، فـ حاتم حتى لحظة كتابة هذه السطور لا يصدق ما وصله في الرد، وهو أن المعتقل عمرو عودة ارتقى في سجون الاحتلال الإسرائيلي في تاريخ 13/12/2023 في معسكر سيديه تيمان، أي بعد أقل من أسبوع على اعتقاله، والصادم جدًا في ورقة الرد هذه أنها وصلت في 22 مايو 2025 أي بعد ارتقائه المزعوم بعام كامل وخمسة أشهر وتسعة أيام!!!!! ليضاف اسمه إلى قائمة شهداء الحركة الأسيرة في سجون الاحتلال ورقمه الـ 307، وصاحب الرقم الـ 70 بعد حرب الإبادة على قطاع غزة، وصاحب الرقم الـ 44 من شهداء معتقلي غزة.
حاتم لم يطمئن قلبه لهذه المزاعم، فصار كلما صادف أسرى محررين يقصدهم، وهو يحمل صورة عمرو، فيخبره أحدهم أنه شاهده بعد يوم أو يومين من تاريخ الارتقاء المزعوم، لكن غالبية الأسرى لم تتعرف عليه، وبقي فؤاده معلقًا بشعرة أنه قد يكون ما يزال على قيد الحياة.
“إن كان حيًا أريد ما يدلني على ذلك، وإن ارتقى أريد جثمانه ليواري الثرى”.. يرددها حاتم وهو يحدق في اللاشيء.. وناشد وما يزال يناشد جميع مؤسسات الأسرى والمؤسسات الحقوقية أن تساعده في معرفة مصير ابنه إن كان حيًا أو ارتقى فيحصل على جثمانه… ولا مجيب!
حكيم وأمجد عواد : قريبان تحت حكم المؤبد و14 عامًا من الغياب
تقرير: إعلام الأسرى
واحد وعشرون اسمًا لأسيرٍ محكومٍ بالمؤبد من مدينة نابلس، يغيبون عن الوجود، غيابًا حرفيًا كاملًا. فالأسرى يعيشون في عزلٍ جماعي، لا يعرفون ما الذي يجري خارج أسوار السجون والمعتقلات.
هناك، تسير الأيام بلا أحداث، يكتفي الأسرى بالدعاء والانتظار، علّ شيئًا ما يحدث، ينهي حالة الطوارئ المفروضة منذ حرب السابع من أكتوبر، ويضع حدًا لمخاوف أهالي الأسرى من تنفيذ قرارات إعدامٍ غير معلنة، تهدّد حياة أصحاب الأحكام المؤبدة.
في المقابل، يواجه الأسرى حربًا لا يعلم أحد مدى ثقلها على أرواحهم وأجسادهم. لا تُروى تفاصيلها إلا عند تحرّر أي أسير، في مشهد ملابسه الصيفية التي لم تقِه برد الزنازين القاتل، وجسده الذي أنهكته المجاعة، وعلامات مرض “السكابيوس” التي تغزو جسده نتيجة انعدام أبسط حقوق النظافة، وذاكرةٍ تتلاشى وتعود مع كل محاولة للاندماج في الحياة من جديد.
من بلدة عورتا، جنوب شرق مدينة نابلس، خرجت حكاية أسيرين من عائلة واحدة، جمعهما حبٌ واحد لأرضٍ مسلوبة. كانا في مقتبل العمر؛ أحدهما لم يتجاوز السابعة عشرة، والآخر في التاسعة عشرة، على أعتاب امتحانات الثانوية العامة، فيما كان الطريق الجامعي مفتوحًا أمامهما. ورغم كل الإمكانيات والحياة التي كانت تنتظرهما، اختارا طريقًا كانا يعلمان أن نهايته إما الشهادة أو الاعتقال.
في تاريخ 11/3/2011، خرج الشابان حكيم مازن عواد (31 عامًا) وأمجد محمد عواد (33 عامًا)، من سكان قرية عورتا، بدافعٍ شخصي وحبٍ خالص لمقاومة الاحتلال. توجّها نحو مستوطنة “إيتمار” القريبة من قريتهما، وتمكّنا من اجتياز المكان في نقطةٍ فارقة، وتنفيذ عملية أسفرت عن مقتل خمسة مستوطنين، قبل أن يعودا إلى قريتهما بهدوءٍ تام.
لم يتعرّف الاحتلال على المنفذين لمدة شهرٍ كامل، رغم حملات الاعتقال المكثفة التي شهدتها بلدة عورتا، والتحقيقات الواسعة التي طالت العشرات. بقيت الأعين بعيدة عنهما، حتى تمكّن الاحتلال من اعتقالهما كلٌ على حدة؛ ففي 5/4/2011 اعتُقل حكيم عواد، وبعد أيام قليلة، بتاريخ 10/4/2011، اعتُقل أمجد عواد، لتبدأ فصول جديدة من حياة الاعتقال المستمرة حتى اليوم.
بعد أشهر من التحقيق، أصدرت المحاكم العسكرية بحق الأسيرين حكمًا بالسجن المؤبد خمس مرات، بعد اتهامهما بتنفيذ عملية “إيتمار”. ومنذ ذلك الحين، يقضيان حكمهما القاسي، دون أن يشملهما الإفراج ضمن صفقة “طوفان الأحرار”، رغم تأكيد العائلة أن اسميهما كانا مدرجين ضمن القوائم، قبل أن يتم استبدالهما في اللحظات الأخيرة بقرارٍ من الاحتلال.
وأفاد مكتب إعلام الأسرى، نقلًا عن عائلة الأسير حكيم عواد، أنه يتواجد حاليًا في سجن نفحة، ويعاني، كغيره من الأسرى، من الهزال والتجويع والضرب والتنكيل، خاصة بعد السابع من أكتوبر. وتشير العائلة إلى أن حكيم وأمجد فقدا ما بين 40 إلى 45 كيلوغرامًا من وزنيهما.
وأكدت العائلة، عقب زيارة محامٍ للأسير، أنه يعاني من تجويعٍ مستمر، رغم أنه كان شابًا رياضيًا يتمتع ببنية جسدية قوية، ولا تعرف العائلة كيف أصبح شكله اليوم.
الأسيران حكيم وأمجد عواد ليسا مجرد اسمين في قائمة المؤبدات. فقد توقفت مسيرتهما التعليمية بعد الاعتقال؛ حكيم كان طالبًا في مرحلة الثانوية العامة، فيما كان أمجد طالبًا جامعيًا. ورغم قسوة الأسر، تمكّن أمجد من إنهاء مرحلتي البكالوريوس والماجستير داخل السجون، وأصدر كتابًا بعنوان “دراسات من الأسر” من داخل معتقله.
اليوم، تعيش عائلة عواد، كغيرها من عائلات الأسرى، حالة قلقٍ دائم على مصير أبنائها. الأخبار منقطعة، وزيارات الأهالي ممنوعة، وحتى زيارة المحامي تحتاج وقتًا طويلًا وإجراءاتٍ معقّدة، خاصة في سجن نفحة. وبات الأسرى المحررون أحد أهم مصادر المعرفة التي تعتمد عليها العائلات لمعرفة ما يجري خلف القضبان.
رمضان… حين يزورنا الشوق

بقلم: ألاء أكرم العقاد
كان رمضان يقترب ببطء، لا يطرق الأبواب كما كان يفعل قديمًا، بل يمرّ على القلوب أولًا، يوقظ فيها شوقًا نائمًا، وحنينًا لا يهدأ.
يا رمضان… كم تشتاق لك الأرواح قبل البيوت، وكم تنتظرك القلوب المتعبة لتستريح في ظلالك.
حين أطلّ هلالك هذا العام، لم يكن كل شيء كما كان.
الشوارع صامتة، بلا زينة، بلا فوانيس تتدلّى من النوافذ، بلا أضواء تضحك في عيون الأطفال.
لكنّ القلوب… كانت ممتلئة بذكريات لا تُطفأ.
تذكّرنا الأحبّة الذين فقدناهم، أولئك الذين كانوا يشاركوننا الإفطار، ويوقظوننا للسحور، ويملأون البيوت ضحكًا ودعاء.
اليوم يرقدون تحت التراب، غاب صوتهم، لكن حضورهم لا يزال حيًّا في الدعاء، في الدموع الخفية، وفي كل مائدة ينقصها كرسي.
يا رمضان…
كم افتقدنا صلاة التراويح حين كانت المساجد تضجّ بالطمأنينة،
وكم اشتقنا لقيام الليل، لذلك السكون الذي لا يشبهه سكون،
حين يقف القلب بين يدي الله، ضعيفًا، صادقًا، باكيًا بلا صوت.
حتى السحور لم يعد كما كان،
لم تعد الضحكات عالية،
لكن الدعاء صار أعمق،
والخشوع صار أوضح.
اشتقنا لفوانيسك يا رمضان،
تلك التي كانت تُضيء الشوارع كما تُضيء القلوب،
واشتقنا لزينة رمضان المعلّقة على الجدران،
تخبرنا أن الفرح قادم، وأن الرحمة أقرب.
هذا العام جاء رمضان بلا زينة…
لكنّه لم يأتِ بلا أمل.
جاء ليعلّمنا أن النور ليس دائمًا في الشوارع،
بل في القلوب التي رغم الجراح، لا تزال تؤمن.
رغم الألم،
رغم الفقد،
رغم الحنين الذي يوجع الصدر،
نزرع الأمل.
نزرعه في دعوة صادقة،
وفي دمعة في صلاة الليل،
وفي يقينٍ أن الله لا يخذل القلوب التي تنتظره.
يا رمضان…
حتى وإن جئتنا مثقلين،
فنحن نشتاقك،
ونفتح لك قلوبنا،
علّك تداوي ما كُسر،
وتعيد للنفس سلامها.

