136

0

مفاوضات إسلام آباد: اللاحرب واللاسلم في خليج العواصف

بقلم: .كمال برحايل

 

لقاء إسلام آباد يحدد الخطوط الحمراء بين الأطراف المتحاربة، بسعيٍ أمريكي إلى تفادي تقديم التنازلات، مقابل حرصٍ إيراني على توظيف مضيق هرمز ضمن معادلة شاملة، بما يشير إلى ترجيح حالة التوازن الهش مع الرغبة في تحقيق التسوية دون التزامات مبدئية، لأن إدارة الحرب العدوانية تتم بالكذب مشكلةً المفارقة الاستثنائية. وإذا استقرأنا التاريخ، تتجدد استحالة تحويل التفوق العسكري إلى انتصار سياسي حاسم. كما تعددت المغامرات الأمريكية، بدايةً في مستنقع فيتنام، ورغم الكثافة النارية الأمريكية، فإن الصمود الشعبي أجبرها على التفاوض في باريس. ثم تتكرر الهزيمة المذلة في جبال أفغانستان بعد عشرين سنة من انطلاق الحملة الجوية والهجوم البري للتحالف الدولي لإسقاط نظام طالبان، حيث يممت الوفود إلى الدوحة للتفاوض لإحلال السلام في أفغانستان. وهذه النماذج الحصرية تتطابق مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي المشترك على إيران، مع قبول خيار وقف إطلاق النار للانخراط في المسار التفاوضي، حيث تتشدد إيران بين ثنائية رفع سقف المطالب بغية الحصول على ضمانات بعدم تكرار العدوان، مع إبقائها في الوقت نفسه على الاستعداد للعودة إلى المواجهة، في حدود التصعيد الموازي من إدارة الصراع كامتداد لساحة القوة، لإعادة صياغة ورسم الواقع الجديد بتثبيت الحقائق الميدانية على طاولة المفاوضات وفتح الملفات المغلقة بين الأطراف المتحاربة.

 

إن استجابة الجمهورية الإسلامية الإيرانية لإشارة التفاوض دليلٌ على التزامٍ متبادل بتقصّي المخارج الممكنة ضمن اتفاق أمريكي–إيراني، عبر دخول باكستان وسيطًا في مسعى ينطوي على المخاطر والمصداقية لإدارة الأزمات المعقدة، لما تكتسيه من ثقل سياسي وأمني وازن في منطقة الخليج العربي، وتستند إيران إلى ما يلي من المبررات: أولًا: الهاجس الأمني وعامل الثقة في ظل عدم وجود قواعد عسكرية أمريكية. ثانيًا: محدودية التأثير والنفوذ الأمريكي على القرار الباكستاني. ثالثًا: المحدد الأيديولوجي، باحجام باكستان عن الاعتراف بإسرائيل. رابعًا: المصداقية والتواصل مع أطراف النزاع.

 

وفي السياق التكميلي، يتضاعف الرهان الإيراني على استغلال خطوط الانقسام الداخلي، مع توظيف التباين في مواقف الأطراف المحايدة في أوروبا وآسيا. ويُذكر في هذا الصدد أن الماريشال برنارد مونتغمري، قائد معركة العلمين، قال في كتابه "الحرب عبر التاريخ":

"ولأن القيمة الحقيقية للحروب الطويلة في الماضي هي الخروج بالحقائق واستخلاص العبر، وليس الدخول في متاهات المناقشات حول ما كان يجب أن يكون، فالمهم هو الخروج بالحقائق أولًا، ثم بعد ذلك تكون المناقشة وليكن الرأي."

 

لقد مكّن النجاح الإيراني، في حقيقة الأمر، من تحويل الصمود إلى عقيدة قتالية دفاعية، عبر إبقاء الدولة واستمرارية النهج الثوري واستدامة المواجهة غير المتكافئة، مع تعبئة المجتمع، مما يجعل من المستحيل المراهنة على المزيد من الخطوات التصعيدية، مقابل تقلص الخيارات الأمريكية مع تراجع الأهداف المتوخاة من عملية الغضب الملحمي، والتي تمثلت في إسقاط النظام وتغييره، وتفكيك وتدمير البرنامج النووي والقدرات الصاروخية، لتقتصر فقط على مضيق هرمز بين ضرورة الإغلاق أو خيار الفتح أمام حركة الملاحة. وهذا يعكس حالة التخبط والانحسار المريب بعد التخلي كليًا عن العملية البرية، وبدل التريث والاستبصار والمفاضلة بين البدائل المتاحة في عملية صنع القرار للخروج بوجه مشرف، بمعنى انتصار الجميع في الحد الأدنى المطلوب بعيدًا عن معايير النصر. واسترشد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، تائهًا في عتمة النهار، بمقولة تُنسب إلى الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور، تقول: "إذا لم تستطع حل مشكلة فقم بتوسيعها".

 

ويدرك، واقعيًا، في النوايا المعادية ما أعقب ذلك مباشرة، إثر مغادرة الوفود المتفاوضة إسلام آباد العاصمة الباكستانية، حيث أصدرت القيادة المركزية للقوات البحرية الأمريكية المنتشرة في المحيط الهندي وبحر العرب أوامر بفرض حصار بحري لاعتراض الناقلات المتجهة والمغادرة للموانئ الإيرانية، ما عجل بمسارعة إيران إلى الرد. وأمام هذا التحرك الأمريكي، صرّح الناطق باسم مقر خاتم الأنبياء قائلًا: "هذا أمر غير قانوني وقرصنة. ستنفذ القوات الإيرانية آلية للسيطرة الدائمة على مضيق هرمز، إما أن يكون للجميع أو لا يكون لأحد".

 

إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعتاد استسهال المأزق، وفي خطوة لتدويل المواجهة اقترح تشكيل حلف لبسط السيطرة على المضيق، لكن هذه الدعوة لتقاسم الأعباء في الخليج الفارسي لم تلقَ أي أصداء إيجابية، ولقيت رفضًا وصمتًا مطبقًا، لأن إفرازات الواقع الجديد في البعد الاقتصادي للحرب أرغمت العديد من الفواعل الدولية على التكيف التدريجي مع المواجهة. بحيث نجد أن روسيا الاتحادية هي المستفيد الأول من إطالة أمد الحرب لاستنزاف القوة الأمريكية، وضاعفت المداخيل نتيجة ارتفاع أسعار النفط، أما الصين الشعبية فإن مخاوفها تنحصر في إمكانية تذبذب إمدادات النفط، وقد استعدت لامتصاص الصدمة الطارئة عبر بناء أكبر مخزون احتياطي استراتيجي يتجاوز ثلاثة أشهر، مع حرص روسي–صيني مشترك على تقديم الدعم بتنسيق استخباري مؤثر، ونقل تداعيات المواجهة الإقليمية إلى أروقة مجلس الأمن الدولي بالأمم المتحدة، مع لجوء روسيا والصين إلى استخدام حق النقض، وإسقاط مشروع قرار تقدمت به البحرين لتأمين الملاحة في الخليج.

 

وعليه، منحت هذه المواجهة الحالية للاتحاد الأوروبي فرصة تاريخية للتخلي عن مبدأ استرضاء واشنطن والعمل بشكل مستقل، ومراجعة أخطاء الارتباط الأمني والدفاعي بالمظلة الأمريكية، بما يشكل أرضية لبلورة إجماع لصياغة جديدة للسياسة الأمنية في البيت الأوروبي المشترك، والبحث عن شراكات إقليمية مع القوى الناشئة. ويتكرس تدريجيًا توجه المبادرة الفرنسية لعقد مؤتمر لتأمين الملاحة في الممرات المائية الدولية.

 

وبمراجعة النتائج، بعد انجلاء الأثر الحقيقي للحرب، فإن الإقدام على العدوان أدى إلى تآكل الدعم السياسي مع تزايد التيار الرافض للحرب واهتزاز مكانة الولايات المتحدة، مما قد يحفز أيضًا دول مجلس التعاون الخليجي على إعادة النظر في سياساتها الدفاعية مع واشنطن المنكشفة في الشرق الأوسط، أمام تساوي الردع مع التصعيد في سياق امتلاك إيران للأوراق الإقليمية، وقدرتها على نقل الحرب إلى باب المندب.

 

ونقتبس شهادة من كتاب "سعادة السفير" لوزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في الصفحة رقم 335:

"كان شعار المحافظين الجدد: الرجل الحقيقي يذهب إلى طهران، وإن شارون قال لبوش إن عنوان بغداد خاطئ ويجب أن نفكر في طهران."

 

وبدل الإقرار بالهزيمة وقبول الواقع الجيوسياسي الجديد، دأب الرئيس الأمريكي على تقديم صورة عن الفوضى داخل القيادة الإيرانية، بينما يأتيه الرد مباشرة من قلب طهران بصورة مغايرة تمامًا لتصريحاته المتضاربة، لتعكس حقيقة الانسجام والتماسك الداخلي بين السلطة الحاكمة بقيادة المرشد الأعلى ومكونات المجتمع، حيث يتكلمون بصوت واحد هو صوت المنتصر في حرب غير متكافئة.

آخر الكلام: مالك بن نبي

"لا نستطيع بناء حضارة بعقلية تصفق لكل ما يلمع."

.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services