351

0

مالك بن نبي: المشكلة الحضارية والتكريم المؤجل

بقلم كمال برحايل 

يقول مالك بن نبي في كتاب شروط النهضة " ولقد كانت حركة الإصلاح التي قام بها العلماء الجزائريون، اقرب هذه الحركة إلى النفوس، وأدخلها في القلوب اذ كان أساس منهاجهم الأكمل، قوله تعالى في سورة الرعد (إن الله لا بغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)، وبداية تنبع تلك النظرة المتفائلة للأزمة الحضارية في العالم الإسلامي، بما تقتضيه متطلبات النهضة الشاملة أولاً بمراجعة الذات، كحلقة اولى في حركية التغيير وثانياً، البحث عن البديل الأفضل لأن الفشل الذريع للمناهج الغربية في النهضة ، سواء بطريقة التقليد والنقل تحول دون نهضة ويقظة العالم الإسلامي أمام أنواع الغزو والاستلاب، والأمر يستدعي هنا العودة للأصل والفطرة للتمكين الحضاري، بينما أسوق هذا الكلام أتذكر عبارة  مالك بن نبي بقوله " سأعود بعد ثلاثين سنة وسيفهمني الناس " ، في تلك الجملة استشرف المخاطر المحدقة بالعالم الإسلامي الفاقد للنموذج  لإدارة الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية .
بالتالي فقد حمل التراث الفكري لمالك بن نبي، التشخيص الموضوعي بدقة الملاحظة وأسلوب التحليل  العلمي لمكامن الخلل للأزمة الحضارية، ومسألة التخلف في العالم الإسلامي بدلالة المعاينة الواقعية لانكشاف الكتلة السكانية للقطعة الجغرافية الممتدة في التاريخ من جاكرتا إلى طنجة،  لتصبح قوة بدون تأثير ومسلوبة الإرادة،  تلك الملاحظة النقدية كانت المؤشر للعالم الإسلامي والشعوب الأفروآسيوية، لتحديد الخط الزمني للانطلاق مع قيام حركة عدم الانحياز ، توجب أنذاك على النخب اقتناص الفرصة الوحيدة للتحرر من التبعية للأقطاب الدولية، والبقاء على موقف الحياد الإيجابي بين واشنطن وموسكو خلال الحرب الباردة بين الأقطاب العالمية، لكن تسارع الأحداث العاصفة أعاقت التكيف مع المسار التنموي للدول المتخلفة، نتيجة التخبط في تحديد الخيارات لنموذج بناء لدولة . 
ومن هذا الاستشراف يشترك مالك بن نبي مع المفكر الفلسطيني ادوارد سعيد،  بقوله " صوت المثقف وحيد لكنه يسمع أحياناً " وتكشف القراءة التحليلية للحقائق، ضرورة الربط العضوي، بين تاريخ الرحيل وتاريخ ترقب العودة تزامنت باحتلال العراق مهد الحضارة والكتابة وشريعة حمورابي، وقطب في جبهة الصمود والتصدي وبدخول القوات الأمريكية ساحة الفردوس في بغداد وإسقاط تمثال الراحل صدام حسين، وسط مشهد كئيب حيث ارتسمت معالم البداية لمرحلة إنهاء التهديد الوجودي لإسرائيل، ولحظة استمرار التردي وتصدع النظام الإقليمي العربي بالتدمير الممنهج في فلسطين اليمن وسوريا وليبيا واخيراً السودان.
والأغرب أن بعض النخب الحاكمة تحالفات مع القوى الغربية متخلية عن البعد القومي للصراع لتنخرط  لتنفيذ مشروع برنارد لويس، المصمم لتفتيت المنطقة العربية وتحولت هذه النخب والأطراف المتقاتلة إلى مجرد أدوات في حدود الدور ورهينة الخيار المشروط، وسيتمم لاحقا تلك الوفود تباعا مسرعةً إلى واشنطن، تستجدي الحلول لأزمات داخلية ، مستعصية نتيجة تأييد مواقف القوى الإمبريالية على حساب خيارات الأمة .
أعتقد ان ضرورة تكريم هذه القامة الفكرية، أصبحت ضرورة وطنية والدعوة لتجاوز السياق النمطي لمقولة سخيفة، مؤداها كرم لكن بعد فوات الأوان بل جعل هذه الحفاوة الرمزية للتكريم المؤجل الخطوة، التاريخية للمصالحة مع حركة التاريخ حيث تتسامى القيم باستدراك المسار الصحيح بين أطراف المعادلة المثالية حيث تتولى السلطة السياسية الرعاية الساميه، بما تشكله من ثقل معنوي لعلاقة السلطة بالمثقف، بينما تشرف جمعية العلماء المسلمين على إحياء ملتقى الفكر الإسلامي دوريا عبر التراب الوطني، كإمتداد للتراث الفكري لندوة مالك بنبي وتستكمل مسيرة تثقيف الجماهير، بتنظيم الأسبوع الثقافي مخصص لإلقاء المحاضرات من قبل أساتذة العلوم الاجتماعية والإنسانية، حول مشكلات الحضارة من مختلف الجامعات، للتعريف بمشروعه الفكري، مع المبادرة لادراج نصوص للمطالعة في البرامج الدراسية المتوسطة والثانوية، واقامة جدارية بسيطة بالصورة تتضمن مقتطفات محصورة بمعدل سطرين من الكتب الاتية:
 أولاً :شروط النهضة .
ثانيا: مشكلة الثقافة .
ثالثا: ميلاد مجتمع .
وأخيراً في الواقع تبدو هذه الإجراءات المتواضعة، بيد أنها الخطوة العملاقة نحو التكريم المادي والمعنوي، لأن بناء الإنسان يبداً من المدرسة لغرس جذور التمكين الاخلاقي والثقافي في الإطار التربوي، الشامل، وعاد وسيعود مالك والعود أحمد .

آخر الكلام: حكمة كونفوشيوس 
" لست حزيناً لأن الناس لا يعرفونني ، إني حزين لأني لم أعرفهم "

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services