72
0
معاهدة «ستارت» الجديدة وانهيار السقف النووي
من ضبط الردع إلى فوضى القوة… قراءة في ما بعد 4 فيفري 2026

بقلم: سامي إبراهيم فودة
تُعدّ معاهدة «ستارت» الجديدة (New START) آخر اتفاق ثنائي مُلزِم قانونيًا يضبط الترسانتين النوويتين الأكبر في العالم، الولايات المتحدة وروسيا، واللتين تمتلكان معًا أكثر من 90% من الرؤوس النووية عالميًا. وُقّعت المعاهدة عام 2010، ودخلت حيّز التنفيذ في 2011، ثم مُدّدت مرة واحدة فقط، لتبلغ نهايتها مع حلول منتصف ليلة 4 فيفري/فبراير 2026، من دون أي بديل واضح في الأفق.
لم تكن «ستارت» وثيقة رمزية، بل إطارًا عمليًا لكبح الانفلات النووي، وإدارة التوازن بين قوتين تتقنان تدمير العالم أكثر مما تتقنان حمايته.
أهداف المعاهدة: إدارة الرعب لا نزع السلاح
قامت «ستارت» على فلسفة ضبط الردع، لا القضاء عليه، عبر:
تحديد سقف 1550 رأسًا نوويًا استراتيجيًا منشورًا لكل طرف.
حصر وسائل الإطلاق بـ 700 وسيلة منشورة، وبحد أقصى 800 وسيلة إجمالية.
منع سباقات التسلّح المفتوحة عبر توازن قابل للقياس والتحقق.
بهذا المعنى، كانت المعاهدة أداة إدارة خطر، لا مشروع سلام.
آليات التحقق: جوهر المعادلة
استمدّت «ستارت» قيمتها الحقيقية من منظومة رقابة صارمة:
تفتيش ميداني متبادل داخل القواعد النووية.
إخطارات فورية عن أي اختبار أو نشر.
تبادل بيانات دوري ودقيق.
قنوات اتصال دائمة لتفادي سوء التقدير.
هذه الآليات لم تمنع الحرب، لكنها منعت المفاجآت… ومنعت الخطأ القاتل.
ما بعد «ستارت»: التداعيات السياسية والعسكرية
سياسيًا، يعني انهيار المعاهدة تفكك آخر إطار ثقة بين واشنطن وموسكو، وتحويل العلاقة إلى صراع تُدار فيه الرسائل عبر الاستعراض العسكري، والحروب بالوكالة، والضغط الجيوسياسي.
عسكريًا، لا يكمن الخطر في زيادة الأعداد فقط، بل في تحوّل طبيعة الردع:
تسريع نشر الأسلحة الفرط صوتية.
توسيع مفهوم الضربة الاستباقية.
تقليص زمن القرار النووي، ما يرفع احتمالات الخطأ البشري والتقني.
النتيجة: ردع أكثر هشاشة، ومخاطر أعلى من أي وقت مضى.
سيناريوهات ما بعد الانتهاء
سباق تسلّح مفتوح وغير معلن
تحديث نوعي وكمّي للترسانات بلا سقف قانوني. وهو السيناريو الأرجح.
ردع بلا قواعد
ضبط نفس غير مكتوب، تحكمه الحسابات السياسية الآنية، لا الالتزامات.
انفلات متعدّد الأطراف
يمتد إلى قوى نووية أخرى، مؤذنًا بعصر نووي بلا ضوابط.
أوروبا: ساحة الاشتباك المحتملة
أوروبا هي الخاسر الأكبر.
ليست صاحبة قرار نووي، لكنها الميدان المرجّح لأي تصعيد:
توسّع أنظمة الدفاع الصاروخي شرقًا.
ردود روسية تعتبر ذلك تهديدًا وجوديًا.
تحوّل القارة إلى منطقة تماس نووي.
إنها قارة تدفع ثمن صراع لا تتحكم بمفاتيحه.
الشرق الأوسط والعالم العربي: تداعيات بعيدة المدى
المنطقة العربية، وإن بدت بعيدة، ليست بمنأى عن النتائج:
تآكل منظومة منع الانتشار يشجّع سباقات تسلّح إقليمية.
تصاعد التوتر بين الكبار يعمّق سياسة المحاور والابتزاز.
تراجع الاهتمام الدولي بالقضايا العربية، وفي مقدمتها فلسطين.
وفي ظل عالم بلا قواعد، تتمتع إسرائيل – كقوة نووية خارج الرقابة – بهامش أوسع للهيمنة والضغط.
الصين والقوى الصاعدة: الرابحون الهادئون
الصين تراقب نهاية «ستارت» ببرود استراتيجي:
ليست طرفًا في المعاهدة.
ترفض أي التزام مماثل قبل تقليص الترسانتين الأميركية والروسية.
تستثمر في بناء ردع مرن ومتطوّر.
أما الهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، فتقرأ الرسالة بوضوح:
النووي غير المقيّد… ضمانة بقاء.
في ختام سطور مقالي
انتهاء «ستارت» ليس حدثًا تقنيًا، بل تحوّل بنيوي في النظام الدولي.
نظام يتراجع فيه القانون، وتتقدّم فيه القوة، ويُدار فيه الأمن العالمي بمنطق المجازفة.
العالم لا يندفع بالضرورة نحو حرب نووية،
لكنه يدخل مرحلة أقل أمانًا، أكثر توترًا، وأعلى قابلية للانفجار.
وفي هذا العالم،
تُصاغ القرارات في غرف مغلقة،
وتُدفع الفواتير من دماء الشعوب.

