12
0
لنشرك علمائنا المهجرين في صياغة البرامج المدرسية

بقلم: الدكتور محمد مراح
وضعُ مناهج جديدة للمدراس في مراحلها الثلاثة؛ شأن تربوي اجتماعي، يشغل المجتمع بكل أطيافه وطبقاته.
يلاحظ في هذه المرحلة المرتقبة، قلة المساهمات فيه، من خلال بوابات الإعلام الوطني التقليدي على وجه الخصو؛ لأنه الحيز لجغرافيا إعلام يمكن متابعته ، وحصر منشوراته ، والاطمئنان لسلاصمة مصادره .
تنوعت الإسهامات بين العموميات والانطباعيات والبكائيات ، والرصينة الخبيرة ذات الإضافات الحصيفة ، وبين إسهامات " التحليل النهائي" و" القول ما قالت حذامي " والغارقين في أوراقهم حتى آخر قطرة حبر في أقلامهم . ومن القضايا المشترك بين المساهمات : حجم البرنامج الحالي ، وإدخال العنصر التكنولوجي.
كما بنى كثير من أفاضل المعلمين والأساتذة إسهاماتهم على رؤى من بنات أفكار وحِكَمِ واستنتاجات وخبرات المسار المقدس قداسة العلم ورفعة أهله. وهي المساهمات التي يجب الإصغاء إليها بالجد والفطنة المتناسبة مع الطبيعة الميدانية التي صدرت عنها، والإنسانية الفريدة في نوعها من العلاقات الاجتماعية الأخرى . والحفاظ على مركزها الرئيس في أي مشروع بناء أو تجديد البرامج التعليمية .
ومن بدهي القول أن ذاك البناء الخطير ، عمل هيئات ولجان على أعلى مستويات الخبرة العلمية المتخصصة ، والميدانية الواعية . يمنع بطبيعته أسلوب " الكلمات الأخيرة " " والفتاوى الجازمة " . في إطار هذه البدهية ، يُلتفت للأفكار والمقترحات والإسهامات التي تدرك منزلتها ودورها . أضرب مثلا لها بمقالات الدكتور أبو بكر سعد الله في جريدة الشروق اليومي ؛ التي يطرح عبرها عناصر في التجديد والبناء ، بمنهجية علمية ، وخبرة مكينة، ومعرفة موثوقة، ومقارنات مفيدة . ونقد علمي بناء .
ونود لفكرة المقال أن تكون على هذا السَّنَنِ الحكيم . ينطلق من معطيات وطنية في الثروة البشرية المعرفية، يعيها أبناء الجزائر قاطبة ؛ فإذا كنا ما قبل عقد االتسعينيات نتلقى أخبارا مجملة عن وجود باحثين وعلماء وعقول مهاجرة في مراكز البحث والعلم في الغرب ،فقد انبهر المواطن لما عرض التلفزيون الجزائري حصة فريدة في نوعها ؛ حينما أنتج المخرج الكبير ، صاحب الأفلام الوثائقية الكبرى السعيد عولمي " بلاتو" حضره نخبة هائلة من تلك العقول الكبيرة ، تحدثوا عن أعمالهم ومشروعاتهم العلمية، وأبدوا كبير استعداد لإفادة الوطن بها . فكانت تلك إشراقة أمل بهيج هزت المشاعر والعواطف الوطنية ، وعززت أحلام الفرص المواتية لبعث نهضة علمية بحثية وطنية يشارك فيها أبناء الجزائر الباحثين والطلاب في الداخل و الخارج .
لكن لا أذكر أننا شهدنا بعده أعمالا تعرض تطورات هذا الكنز الفريد في مراكز العلم والبحث والابتكار في العالم من أبناء الجزائر ، إلى أن بزغت في قناتي "البلاد" و"المعرفة "حصتين ، زخرتا بعقول الجزائريين في تلك المراكز على تنوع تخصصاتهم ، وجَمّ ابتكاراتهم ،سمو منازلهم فيها .
أحسب أن كثيرا من المتابعين ، رجوا أن يكون لهؤلاء العلماء والباحثين الأكفاء أيادي على التعليم في الجزائر . فقد طافت بفكري منذ أشهر فكرة بهذا الصدد ،، وللأمانة العلمية أنوه بالإشارات المفيدة التي وَجَّه بها الدكتور سعدالله للاستفادة من عقول باحثين المهاجرين في إعادة بعث برامج تدريس جديدة . إذن الفكرة المطروحة هي المبادرة لوضع مشروع بناء برامج التعليم بين أيديهم وأيدي صفوة من إخوانهم وأخواتهم من الباحثين ذوي الصلة في الوطن ؛ من المزاولين للمهنة المقدسة في الجامعات والذين تقاعدوا ، ونخب مختارة من أفاضل المعلمين والأساتذة والمفتشين ، والمستشارين التربويين والنفسيين والاجتماعيين الذين أشرفوا على التلاميذ في مدارسهم .
ما المتوقع من العقول المهاجرة ؟ أن يستثمروا خبراتهم وإقامتهم بالغرب من بوابتي : الممارسة العلمية الأكاديمية البحثية والتعليمية المباشرة وغير المباشرة من خلال تواصل المسارات بين التعليمين الجامعي وما قبل الجامعي . والروح التي تطبع العلائق بين المرحلتين ؛ بحسب الأنظمة والتقاليد . ومن البوابة الاجتماعية ؛ من خلال دراسة أبنائهم في مدارس دول إقاماتهم ، وما تستدعيه من اطلاع واحتكاك بأنظمتها التدريسية. يتوقع أن يأتي إسهامهم يحسب تخصصاتهم على المستويات الآتية : المحتويات والأساليب والمهارات والوسائل .
وماهي خصوصية هذه المساهمة المتوقعة؟ يمكن رصدها من خلال :
1. كشفت الحوارات الممتعة الشيقة مع الأدمغة المهاجرة ؛ عن عناصر عالية القيمة في موضوعنا أبرزها :
أ. أغلبهم خريجو المدرسة الجزائرية أو الجامعة الجزائرية . وأثرُ هذا العنصر سيكون من خلال استحضار الخلفية التربوية والتعليمية الجزائرية لديهم في مساهماتهم ، عند الانتقال والنقل والفرز والتمحيص .
ب. سيكون لذا أثر جوهري في تكييف البرامج مع الخصوصيات التربوية والاجتماعية والنفسية للتلاميذ الجزائريين .
جـ .تفادى النقل الأعمى المباشر للبرامج المصممة خصيصا لبيئتها . أي كسر معضلة وحاجز كبير أرق الفكر العربي ، وهو معادلة النقل عن الغرب وفق الخصوصيات الحضارية للمجتمعات العربية . فإن من شان هذه المبادرة إن سارت بحكمة ودراسة متأنية أن تنقلنا نقلا آمنا .
2. كشفت المحاورات أيضا عن الارتباط الشديد بالوطن والأسرة والدفء الاجتماعي والأسري .
3. كشفت أيضا عن أصالة مذهلة لدى إخواننا ؛ في مختلف وجوهها : الارتباط الاجتماعي الشديد بالبيئة الاجتماعية وخاصة مسقط الرأس، أما الأسرة فتحظى لديهم بمشاعر جياشة ، وأخلاقيا البرّ بالوالدين في أنبل وأرقى صوره . وهذا الارتباط غير منكور أثره في التحوط في النقل ، وبذل أقصى الجهود لنجاحه .
4. من أبرز المواصفات أيضا الالتزام الديني المعتدل المتوازن ، والرقي الأخلاقي .
إذن هذه الخصوصيات سيكون لها الدور الجوهري في التعاطي مع البرامج التعليمية في مختلف بيئاتهم ، فتتحرى تكييفها ما أمكن مع الخصوصيات الثقافية والنفسية والقيمية والدينية والتاريخية لمجتمعها الأصلي ، فنربح بهذا عاملا وقيمة عالية الأهمية مضافة في البيئة والخلفيات المتوارية وراء البرامج التعليمية في بيئتها الأصلية ، وخلفياتها الحضارية . يضاف لما سبق أن كثيرا من علمائنا الآن في تواصل تعليمي وإشرافي وبحثي مع جامعاتنا ومخابرنا ومؤسستنا الاقتصادية والصناعية ، مثل اتفاق شراكة وتعاون بين الديوان الوطني للبحث الجيولوجي والمنجمي (ORGM)، والبروفيسور كريم زغيب، الخبير الدولي الذي أناط به السيد الرئيس مسؤوليةالإنشاء في مجال بطاريات الليثيوم-حديد-فوسفات (LFP) وتخزين الطاقة. و “معهد نوميديا للتكنولوجيا للعالم بلقاسم حبة .
ما هي الأركان التي ستتأسس عليها مساهماتهم ؟ هي : أ . المواد التدريسية بتفاصيل محتوياتها ،حسب جدواها للرؤية الوطنية ،مع مراعاة استهدافها الثروات الوطنية الطبيعية والبشرية . ب .طرائق التدريس ومهاراتها، وأشكال الاختبارات ومتطلبات الانتقال وكيفياته وهكذا . جـ . الوسائل التعليمية .
وأعتقد أن قناة كلا من قناتي البلاد والمعرفة سيكون لهما دور تواصلي مفيد ، إرشادا للعلماء، وسلاسة التواصل ؛ وقد يكون الصحفي النشط الخلوق يوسف زغبة العنصر المناسب القائم بمهمة الربط والتواصل بين اللجنة المقترحة ، والباحثين الذي كوّن منهم بنكا ثمينا للمعلومات وعناوين التواصل .
وأحسب أن الدكتور مصطفى عشوي حري أن يولى رئاسة اللجنة المذكورة ؛ نظرا لمؤهلاته البحثية والعلمية ، وتنوع تجاربه في التدريس بالجامعة الجزائرية ثم بجامعات عربية وإسلامية كبرى، فضلا عن تخصصه الدقيق، واستمرار عطائه الآن في المدرسة عليا للذكاء الاصطناعي .

