307
0
لما ينشطر العالم الإسلامي بسيف هلال رمضان إلى مسارات متباينة
يرتبك ويهتز مسلمو جاليتنا في الغرب أمام سؤال حرج: مع من نصوم؟

مصطفى محمد حابس: جنيف / سويسرا
نصيحة حكيم من أوروبا، "أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ"!!
مع اقتراب بزوغ هلال شهر رمضان من كل سنة، تعيش الجاليات المسلمة في الغرب حالة هستيرية غير مألوفة من الارتباك والاختلاف حول اليوم الذي يبدأ فيه الصوم. وما زاد الطينة بلة هذه السنة أنه بينما تعلن بعض الدول العربية والإسلامية أن الأربعاء 18 فبراير هو أول أيام رمضان 1447، تختار دول أخرى الخميس، وقد تتأخر بلدان إسلامية وإفريقية أخرى الى الجمعة، فيجد المسلم المقيم في باريس أو جينيف أو لندن نفسه أمام سؤال حرج: مع من أصوم؟
وأسفاه علينا وعلى جيلنا "لما تعود حليمة لعادتها القدية" رغم توف الوسائل و تقدم التكنولوجيا!! هكذا يتجدد الجدل بين المسلمين حول بداية إهلال شهر رمضان من كل عام، في مشهد يعيد طرح إشكالية التعدد في المرجعيات الفقهية والرصدية بين الدول الإسلامية، بل وداخل الجاليات المسلمة في الغرب خاصة. فبين من يعتمد على الرؤية البصرية للهلال، ومن يركن إلى الحسابات الفلكية الدقيقة، يجد المسلمون أنفسهم أمام تضاربٍ لافتٍ في إعلان بداية الشهر الفضيل، حتى داخل المدينة الواحدة أحيانا كما حدث هذه السنة في العديد من الجهات. هذا التفاوت لا يعكس مجرد اختلاف تقني في طرق الاستثبات، بل يكشف عن انقسام أعمق في المرجعيات الدينية والهويات الثقافية، خاصة في واقع الجاليات المسلمة التي تعيش بعيداً عن أوطانها، وتحاول التوفيق بين الانتماء الروحي للمجتمع الإسلامي العالمي ومتطلبات الاندماج في فضاء غربي موحش متسارع الإيقاع متضارب المصالح والاطماع!!
استثنائية شهر رمضان بين حكمة الابراهيمي وواقعية بوزوزو
علما أن رمضان بالنسبة للمسلم محطة نيرة منيرة متعددة الفصول متنوعة الفوائد لا حصر لها ولا عد، فرمضان شهر استثنائي بنفحاته الروحية والأخلاقية العالية، وبركاته الغامرة، لحظة سنوية فريدة في حياة كل مسلم لمراجعة نفسه، وتقييم وتقويم وضعه، والانطلاق في مرحلة جديدة من حياته أكثر صدقا مع الله ومع نفسه ومع دينه ورسالته في الحياة، ومع مجتمعه، ولدى معاصرينا لا أجد أبلغ من هذه النفحات على لسان العلامة البشير الابراهيمي، التي كثيرا ما يرددها علينا في مثل هذه الأوقات من بداية الشهر الفضيل، رفيق دربه و تلميذه شيخنا العلامة الجليل الامام محمود بوزوزو بمسجد جينيف، قوله :"
إنّ رمضان يحرّك النُّفُوس إلى الخَير، ويسكّنها عن الشّر، فتكُون أجود بِالخَير من الرِّيح المُرسلة، وأبعد عن الشَّر من الطُّفُولة البلهَاء، ويطلقها من أسر العَادات، ويحرِّرها من رقِّ الشَّهوات، ويجتثّ منها فَساد الطِّباع، ورعُونة الغرائِز، ويطوف عليها في أيَّامه بمحكمات الصَّبر، ومثبِّتات العزِيمة، وفي ليالِيه بأسباب الاتِّصَال بالله والقربِ منه." (الآثار للشيخ الابراهيمي (4/ 196))
الصوم شعيرة ومنسك عرفته شرائع وأمم الرسل السابقين..
ونحن نعيش في بلاد الغرب، نعرف أكثر من غيرنا، أن الصوم - كشعيرة دينية، وفريضة إلهية - لم يكن من الخصوصيات التي اختص الله، سبحانه وتعالى، بها أمة محمد "صلى الله عليه وسلم" لوحدها فحسب، بل هو شعيرة ومنسك عرفته شرائع وأمم الرسل السابقين.
وعن هذه الحقيقة يتحدث القرآن الكريم بجلاء ووضوح، وهو يشرع لفريضة الصوم على المسلمين فيقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة:183].
وإذا كانت مواقيت الشعائر والفرائض الدينية لا تخلو من حكمة يحققها التوقيت - حتى وإن خفيت علينا في بعض الأحايين - فإن البحث عن الحكمة التي جعلت شهر رمضان، دون غيره من شهور السنة القمرية، هو شهر الصيام للأمة الإسلامية.. إن البحث عن حكمة هذا التوقيت قد يفتح أمامنا سبلا لاكتناه مزيد من العظمة والتعظيم لهذا الركن من أركان الإسلام.. بل إنه لفاتح أمام بصائرنا طرقا إلى المعاني الحقيقية الجديرة بالتجسيد والإحياء في هذا الشهر العظيم.. شهر رمضان فيه "ليلة خير من ألف"، أي ما يعادل (83.33 تقريبا 84 سنة).
المسلمون في الغرب بين الارتباك والاختلاف أمام سؤال حرج: مع من أصوم؟
ورغم هذه الابعاد في شعيرة عبادية كهذه لدى المسلمين عموما، إلا أنه مع اقتراب شهر رمضان من كل سنة، تعيش الجاليات المسلمة في الغرب حالة مألوفة من الارتباك والاختلاف حول اليوم الذي يبدأ فيه الصوم. أما هذه السنة فبينما تعلن بعض الدول العربية والإسلامية أن الأربعاء 18 فبراير 2026 هو أول أيام رمضان 1447، تختار دول أخرى الخميس، وقد تتأخر بلدان إسلامية وإفريقية أخرى إلى الجمعة، فيجد المسلم المقيم في باريس أو جينيف أو لندن نفسه أمام سؤال حرج: مع من أصوم؟
في مشهد إستثنائي وغير مسبوق منذ عقود، حيث خيّم إنقسام عميق هذا العام (2026/1447) حول تحديد أول أيام شهر رمضان المبارك !!
لم يعد المشهد منحصراً في خلاف ثنائي تقليدي معتاد، بل إنشطر العالم الإسلامي هذه المرة إلى ثلاثة مسارات متباينة أو أكثر، ليجد المسلمون أنفسهم أمام تضارب لافت يعكس إختلافاً جذرياً في المرجعيات المعتمدة لإثبات بداية الشهر الفضيل، كما صنفهم عالم فلك والفيزيائي الجزائري، لوط بوناطيرو بقوله:
- فريق أول يعتمد الرؤية البصرية المجرّدة للهلال في كل بلد وفريق آخر يأخذ بالحسابات الفلكية الدقيقة التي توحّد بداية الشهر عالميًّا، وفريق آخر يأخذ بالحسابات الفلكية الدقيقة التي توحّد بداية الشهر عالميًّا!!
وهناك من يجتهد في توحيد الرؤية الإسلامية بحيث إذا ثبتت في بلد مسلم، تُعتمد في كل مكان ، وهذا التنوع العلمي والمذهبي في الأصل سَعة ورحمة، لكنه في واقع الجاليات المسلمة في الغرب يتحوّل أحيانًا إلى تيه جماعي و كابوس وازن، خصوصًا في غياب مؤسسة دينية موحدة أو مرجعية متّفق عليها.. علما أن مساجدنا في الغرب تزخر بطاقات وقامات فقهية وعلمية تنويرنا سنويا بحكمة وحدة الصف والتآزر بحيث أصبح توقيت الصيام محطة للتزود بالخير والعطاء، لذا كان هذا المنسك، ولا زال "مدرسة التربية الإسلامية للإرادة" في شهر رمضان دون غيره من الشهور؟
من أسرار التكريم الرباني لهذا الشهر، أنه ليس من الأربع الحرم
إن القرآن الكريم يحدثنا عن أن هناك أربعة أشهر حرم - وهي "رجب" و"ذو القعدة" و "ذو الحجة" و" المحرم"، ولها عند الله فضل واختصاص، حتى لقد جعلها مكرسة للسلام وتنمية العمران، وحرم فيها القتال : {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [التوبة:36]
لكن الله، سبحانه وتعالى، قد جعل الصيام - هذا الركن العظيم من أركان الإسلام - في رمضان، ولم يجعله في واحد من هذه الأشهر الحرم.. فلماذا!؟
يقول أستاذنا محمد عمارة (رحمه الله) حول الصوم (نقلا عن صفحته بتصرف)، بأن "الحج " إلى البيت الحرام وهو، كالصيام، ركن إسلامي له توقيت سنوي ثابت، قد أدخل شهر "ذي الحجة" - وهو من الأشهر الحرم - في أشهر الإحرام به والأداء لمناسكه.. وبقي الصيام وحده، من بين الأركان ذات الميقات السنوي الثابت، بعيدا عن هذه الأشهر الحرم، حيث اختص به شهر رمضان الفضيل، أي تكريم رباني لهذه الشهر"!!
إلى متى يستمر هذا التضارب الذي يشتت الأمة مع غياب المرجعية وتعدد الولاءات
ن الأوروبية، تتعدد الجمعيات والمراكز الإسلامية بتعدد جنسيات مؤسسيها: مغاربية، تركية، باكستانية، عربية خليجية، ألبانية... ولكلٍّ روابط ببلده الأصلي. فحين يصدر الإعلان الرسمي من الجزائر أو السعودية أو أنقرة، تنعكس تلك القرارات مباشرة على أبناء الجالية في دولنا الاوروبية. وهكذا يتفرّق الصائمون في اليوم الأول من رمضان كما لو كانوا في بلدانهم الأصلية، لا في جغرافيا واحدة. بحيث انقسم المشهد هذه السنة كالتالي:
: القسم الأول (إثبات الرؤية البصرية)
تصدرت المملكة العربية السعودية ودول الخليج وبعض الدول الأخرى هذا الاتجاه، حيث أعلنت رسمياً " ثبوت " رؤية الهلال، في خطوة تحدت بشكل مباشر التقارير الفلكية التي جزمت مسبقاً بإستحالة الرؤية!!
: القسم الثاني (الحسم بالحسابات الفلكية)
إختارت دول مثل تركيا، سلطنة عُمان، إندونيسيا ، ماليزيا ، و اليابان لغة الأرقام المسبقة
لتعلن رسمياً أن الخميس هو غرة شهر رمضان بعيداً عن الرصد الميداني القابل للخطأ
القسم الثالث (تعذر الرؤية الميدانية):
يضم هذا المعسكر دولاً محورية على رأسها الجزائر، مصر، تونس، ليبيا، سوريا، الأردن
هذه الدول تمسكت بالتقليد الشرعي وأرسلت لجانها للرصد الميداني، لتنتهي النتيجة بإعلان " عدم ثبوت " أو " تعذر " رؤية الهلال، لتُقر بأن الأربعاء متمم لشعبان والخميس هو أول أيام الصيام لعام 2026/1447.
هذا التباين الصارخ يعيد إحياء الجدل الأزلي والعميق: إلى متى يستمر هذا التضارب الذي يشتت الأمة؟
المجلس الأوروبي للإفتاء كأحد أبرز مرجعياتنا في أوروبا يتعثر في توحيد الصفوف
طبعا كعادته المجلس الأوروبي للإفتاء كأحد أبرز مرجعياتنا في أوروبا، لكي يجنب جاليتنا هذا الحوار والتشرذم، حدد غرة رمضان يوم الخميس 19 فيفري 2026، وأعلن رسميًا موعد عيد الفطر لسنة 1447 هجري / 2026 ميلادي، اعتمادًا على الحسابات الفلكية الدقيقة مسبقا. وأوضح أن اقتران شوال سيحدث فجر الخميس 19 مارس على الساعة 01:23 بتوقيت غرينتش، مع إمكانية رؤية الهلال بعد الغروب في أمريكا الشمالية وأجزاء من أوروبا الغربية.
وأسس هذا التحديد تقوم على قرارات المجمع الفقهي الدولي ومؤتمر توحيد التقويم الهجري بإسطنبول 2016، باعتماد الحساب الفلكي القطعي دون اعتبار اختلاف المطالع، تأكيدًا لوحدة المسلمين. وما دام أنه قد أجزم في استحالة رؤية الهلال مساء الثلاثاء، فكل رؤية يسمع عنها، لا يصدقها ولا يضعها في الحسبان بل في سلة المهملات!!
أما مسجد باريس المحسوب على الجزائر و مجموعته بفرنسا، فقد كان قد أعلن منذ أشهر سالفة أن بداية رمضان تكون يوم الخميس وهو نفس القرار المتخذ مع جيرانه في اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا، ليعود و يتراجع ببيان وقعه عميد المسجد، المحامي الجزائري شمس الدين حفيظ، ليلة الثلاثاء قبيل صلاة المغرب معلنا أن بداية رمضان هي يوم الأربعاء و ليس الخميس كما كان مقررا سلفا، متعارضا مع جمعيات إسلامية أخرى في فرنسا ومتعارضا مع مرجعيته الجزائر، نفس الخلط وقع في سويسرا، إلا أنه أقل فداحة، حيث أن هناك مساجد تابعة للسعودية ودول الخليج أخذت كعادتها عن ما نشرته وسائل الاعلام الخليجية، أي بداية الصوم يوم الأربعاء، وكذا مراكز آخرى عملت وفق حساباتها الخاصة مسبقا أن بداية رمضان تكون يوم الأربعاء، وأعلنتها منذ أشهر سالفة وهنا أقصد، رزنامة "جمعية فراسة" المتداولة في جل المقاطعات السويسرية، وهي عبارة عن كتيب يوزع سنويا في المساجد و الجمعيات لمسلمي سويسرا فبه تواريخ الأعياد الوطنية و الدولية و المناسبات الإسلامية ، و حسابها هذه السنة يقول تحديدا أن بداية رمضان هي يوم الأربعاء 18 فيفري 2026، و أن يوم عيد الفطر يكون بتاريخ يوم الجمعة 20 مارس 2026، الى ما هناك من مناسبات و أعياد، و توزع هذه الرزنامة في شكل كتيب من 28 صفحة ملونة وبطبعة فاخرة مع مواقيت الصلاة حسب المقاطعات مصحوبة بباقة من الاحاديث النبوية الشريفة والمعلومات الدينية والوطنية بأربع لغات عربية والمانية وفرنسية و إنكليزية، توزع على كامل التراب السويسري ورقيا والكترونيا.
نصيحة حكيم أوروبا، أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ!!
وأما في الدول الاسكندنافية والتي جل مراكزها ومساجدها بتموين خليجي عموما، فأغلبهم صاموا يوم الأربعاء مع السعودية وقطر والإمارات، ولا حرج في ذلك.
ومن تراندهايم في مملكة النرويج، التي اختلفت فيها بعض المراكز حول بداية صيام رمضان هي أيضا، نشر المفكر الجزائري الطيب برغوث صيحة تعقل و أخوة لجاليتنا في أوروبا عموما، حيث نشر "منتدى دراسات النهضة الحضارية"، نص الكلمة في شكل تهنئة ونداء بمناسبة شهر رمضان المبارك (1447 هجري/ فيفري 2026)، عدها الدكتور معمر حميزي، من فرنسا " نصيحة حكيم"، حيث قال فيها الشيخ الطيب برغوث، الأستاذ الاسبق بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية، وأحد أبرز مشايخ المملكة النرويجية، وهذه أهم قطوفها. وقد قسمت كلمته الى قسمين، القسم الأول مهنئا فيها بقدوم رمضان قائلا:
" إن شهر رمضان بنفحاته الروحية والأخلاقية العالية، وبركاته الغامرة، لحظة سنوية فريدة في حياة كل مسلم لمراجعة نفسه، وتقييم وتقويم وضعه، والانطلاق في مرحلة جديدة من حياته أكثر صدقا مع الله ومع نفسه ومع دينه ورسالته في الحياة، ومع مجتمعه، فليجتهد كل منا لجعله كذلك لحظة استجابة وتحول حقيقي في حياته، في هذه المراحل الصعبة التي تمر بها أمته بل وتمر بها الإنسانية عامة، ولتكن نقطة انطلاق حقيقية في تغيير وتجديد وعينا وإيماننا وسلوكنا وعملنا حتى يغير ويجدد الله حياتنا ويرفع عنا هذا الضعف والغبن والهوان الحضاري الذي نعيش فيه بين الأمم، مصداقا لقوله تبارك وتعالى في سورة الرعد (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ).
القسم الثاني، ناصحا ومرشدا وموجها ومبتهلا تحت عنوان:
!!.. يا مسؤولي المؤسسات الدينية، اتقوا الله في دينكم وأنفسكم وأجيال المسلمين
قوله:
أهيب بالمرجعيات الدينية للمسلمين في بلاد الغرب عامة، أن تعي وتستوعب طبيعة البلدان التي تعيش فيها، وأن لا تربط المسلمين في صيامهم وأعيادهم ببلدان خارج بلدانهم التي يعيشون فيها، لأن ذلك يحدث انقسامات كثيرة في أوساط الجاليات المسلمة، ويشوش على فرحة الصيام والعيد، ويثير الخلافات والحزازات بينها، وهو أمر منافي لمقاصد الصيام وبركاته، بل على مسلمي كل بلد أن يحترموا المؤسسات الشرعية في هذا البلد، وأن لا يشذوا عن جماعة المسلمين فيه، وأن يحرصوا على وحدة صفهم، ووحدة قلوبهم، وجمال صورتهم الخارجية في المجتمع، وأن لا يثرب بعضهم على بعض، وأن لا ينصب بعضهم نفسه قيما على الدين وعلى مصالح المسلمين، بتخطئة خيارات غيره والتشهير بها !!
فلا يعقل مثلا أن تنتظر منا مؤسسات التعليم والشغل حتى صبيحة يوم رمضان أو يوم العيد لنخبرهم بأننا سنغيب عن المدارس وعن الشغل، محدثين خللا في برنامجهم وعملهم! فهذا غير ممكن وغير معقول في بلدان ينظمها العلم والتخطيط الدقيق المسبق. كما أن هذا يتسبب في حرمان كثير من المسلمين تلاميذا وطلابا وعمالا من حقوقهم في عطل العيد، أو خصم أيام غيابهم بالنسبة للعاملين، زيادة على أن هذا يثير تساؤلات كثيرة عن طبيعة الدين نفسه في مجتمع منظم مثل عقارب الساعة!
علينا أن نحترم التقدم العلمي الدقيق في مجال الحسابات الفلكية المضبوطة،
يجب علينا أن نحترم التقدم العلمي الدقيق في مجال الحسابات الفلكية المضبوطة، وأن ننظم أمور صيامنا و أعيادنا على ضوئها، وهو ما يتيحه لنا شرعنا ولا يضيق به، بل ويلزمنا به إلزاما، فالجاليات المسلمة في بلاد الغرب فيها علماء فلك من طراز رفيع وعلماء شريعة من طراز عالي، وعلماء يجمعون بين العلم الفلكي والعلم الشرعي، فلا يعقل أن يكون لدينا كل هذه الطاقات وهذه الخبرات والكفاءات ونرهن أنفسنا بقرارات غيرنا خارج المجتمعات التي نعيش فيها!
لقد أصبح وضع المسلمين مثار استغراب وسخرية أحيانا بسبب تحكمنا في الدين ظنا منا أننا نحتكم إليه، ونتشبث به، بينما نحن في الحقيقة نظلمه و نتعسف في فرض مصالحنا أو قناعاتنا الذاتية أو أوضاعنا العرفية والسياسية عليه!
وهذه الأوضاع الشاذة عن جوهر الإسلام ومقاصده ويسره وقدرته على استيعاب أوضاع المسلم في دائرة المشروعية مهما كانت تعقيدات هذه الأوضاع، وهذا التباين والاختلاف التنافري تلتقطه بعض القوى المتطرفة المتربصة بالإسلام والمسمين في هذه المجتمعات، وتنفخ فيها و تشنع بالمسلمين والإسلام، و تنفر الناس عنه!!
وما أشد وأجمل وأحكم ما قاله الإمام القرافي وهو يتحدث عن أهمية مراعاة العلماء والمفتين والمرشدين لأوضاع الناس في البلدان المختلفة حينما يواجهون نوازلهم وأوضاعهم المختلفة فقال: ".. لا تجمد على المسطور في الكتب طول عمرك بل إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك لا تُجْرِه على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأَجْرِه عليه، و أفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح
أما الجمود على المنقولات أبداً: ضلال في الدِّين، وجهل بمقاصد علماء المسلمين، والسلف الماضين".
اللهم ألهمنا مراشد أمورنا، ووفقنا لتمثل هذا الدين العظيم في أنفسنا ومواقفنا وتصرفاتنا حق التمثل في المجتمعات التي نعيش فيها، وأن لا نكون مصدر فتنة وتنفير للناس وأجيال المسلمين منه. ولنتذكر دائما أنه إذا كانت هداية إنسان واحد للإسلام خير من حمر النعم، فإن تنفيره عن ذلك إثم عظيم لا يتحمله عاقل. كما حذرنا القرآن من ذلك في مثل قوله تعالى:( ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا).
مختتما نصيحته مبتهلا بقوله "اللهم تقبل منا صيامنا وقيامنا وصالح أعمالنا وبارك لنا فيها، وانفعنا بها في الدنيا والآخرة، يا أرحم الراحمين ويا أكرم الأكرمين" ... ورمضان كريم، اللهم أمين.

