196
0
لكنة شاوية وقلب لا يلين: فيلم "الفلاح" لعمر حكار يخطف أنفاس باتنة

وسط احتضان قاعة السينيماتاك بباتنة، عرض، ضمن فعاليات اليوم الثالث من الدورة السادسة لمهرجان إيمدغاسن السينمائي الدولي، الفيلم الروائي الطويل "الفلاح" (Le Paysan) للمخرج الجزائري عمر حكار، في ثاني عروض مسابقة الأفلام الروائية الطويلة التي تضم ستة أفلام متنافسة.
ضياء الدين سعداوي
الفيلم، الذي يدور في أجواء الشاوية إحدى قرى و بساتين الحامة بولاية خنشلة، حمل على كتفيه قصة إنسانية شجية، مزجت بين حلم الطفولة ويأس المرض ورهان السفر إلى المجهول.
يحكي "الفلاح" رحلة الطفل "مهدي" ذي العشر سنوات، الذي يعاني من ورم خبيث متطور، ويجد أمله الأخير في المشاركة بكاستينغ لفيلم لمخرج فرنسي حول موضوع "الحراكة"، يصور في خنشلة قبل أن ينتقل إلى فرنسا. يرى "مهدي"، الذي يؤدي دوره الممثل الطفل زكرياء سواكري في أول ظهور سينمائي له، في هذه المشاركة فرصة لتحقيق حلمه في التمثيل، بينما ينظر إليه جده "خليفة" (أدى دوره المخرج عمر حكار نفسه) على أنه بوابة للحصول على تأشيرة "فيزا" تسمح للحفيد بالسفر إلى فرنسا للعلاج، بعد أن يئس الأطباء في الجزائر لعدم توفر الإمكانيات.
وتتصاعد الأحداث عندما ترافق سائقة الطاكسي "سكورة"، التي تؤدي دورها تونس آيت علي بشخصية امرأة شاوية متحررة وصديقة للعائلة، الجد والحفيد في رحلتيهما إلى خنشلة ثم إلى المستشفى لاحقاً. الفيلم لم يكتفي بسرد حكاية مرضية، وهو يرسم لوحة واقعية للحياة في أحد المداشر النائية، حيث الطبيعة الخلابة تقابلها قسوة الغياب: غياب الأب العامل في الصحراء، وغياب الإمكانيات الطبية، وغياب الثقة في المسؤولين.
عندما يرفض ملف "مهدي" من طرف المصالح المركزية للتكفل بعلاجه في فرنسا، ويسوء وضعه الصحي ليلة قبوله في الكاستينغ، يجد الجد "خليفة" نفسه وجهاً لوجه مع عقبات متتالية: إقناع الطبيب المعالج بالسماح بخروج الطفل من المستشفى في خطر، وإخفاء حقيقة مرضه عن المخرج الفرنسي "فيليب"، وإقناع ممثلة بدور الأم بالعودة عن انسحابها، وصولاً إلى التفاوض مع مفتش الجمارك للسماح بتصوير مشاهد في موقع تصوير مع مصالح الجمارك. إنه "الفلاح" الشاوي الصلب الذي لا ينحني، بل يكافح بكل ما أوتي من قوة، متحدثاً بلكنة شاوية ممزوجة بعفوية ببعض الكلمات والجمل الفرنسية، سواء مع عائلته أو مع المخرج الفرنسي أو الطبيب أو مفتش الجمارك.
هذا المزيج اللغوي والثقافي أثار إعجاب الجمهور والنقاد السينمائيين الحاضرين، وتحول إلى محور أساسي في النقاش الذي أعقب العرض، حيث أشاد الحضور بقدرة المخرج عمر حكار على تقديم شخصية "خليفة" بتفاصيلها الواقعية، وبنبرة حواراتها التي تلامس حياة اليومية في منطقة الشاوية، كما نوهوا بأداء الممثل الطفل زكرياء سواكري، الذي استطاع في أولى تجاربه أن يحمل مشاعر الطفل المرهق بالمرض والأمل معاً. و الأداء المحترف لتونس آيت علي في دور سكورة سائقة الطاكسي الشاوية المتحررة.
وبفيلم "الفلاح"، يضيف عمر حكار اسماً جديداً لمسابقة الأفلام الطويلة في مهرجان إيمدغاسن، مؤكداً أن السينما الجزائرية لا تزال قادرة على حكايات بسيطة بعمق إنساني كبير، تطرح أسئلة الهجرة والعلاج والحراك الاجتماعي من زاوية مغايرة، وتضع المتفرج أمام مرآة لا تعكس فقط ألم الفقد، بل صلابة الجد الذي يتحول إلى أسطورة صامتة في وادٍ بعيد.

