169
0
قبسات من مناسك الإسلام العالمية البارزة " الحج عرفة"..
وقفات عابرة ومحطات مبصرة على ضفاف فصول «حكمة الحج»!!.

مصطفى محمد حابس: جينيف / سويسرا
ونحن نستمتع بعيد الأضحى المبارك و أيام التشريق بعيدا عن الأجواء الربانية التي يعيشها الحجاج في شعاب الحرم المكي، إذ أن فيها أفضل أعمال الحج، لقول الرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سُئِلَ: أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: «العَجُّ والثَّجُّ» [صحيح الترمذي]، والعجُّ هو رفع الصوت بالتلبية، والثجُّ هو نحر الهدي. وتتمة لمقالنا السابق، هذه وقفات عابرة أخرى ومحطات مبصرة على ضفاف فصول «حكمة الحج»!!.
إذ أنه في هذه الأيام أيضا، مع أجواء عرفة المباركة أين تهدأ ضوضاء الدنيا، وتقترب الأرواح من السماء، وتذوب المسافات بين العبد وربه. يقف الحجيج بقلوبٍ أرهقها السفر والذنوب والأمنيات، ثم يفيض عليها من رحمة الله ما يحييها من جديد. ويأتي يوم الحج الأكبر فتجتمع الأمة تحت نداءٍ واحد، تهتف به القلوب قبل الألسنة: "لبيك اللهم لبيك". وفي هذه المشاهد العظيمة يشعر الإنسان أن دمعةً صادقة، ودعوةً خاشعة، قد تفتح له بابًا من الرحمة يغيّر حياته كلها، هذا ما يستشعره المسلم ويتمناه، ذلك ما تستشفه من قراءتك لبعض روحانيات فصول كتاب " حكمة الحج"، لأستاذنا الفاضل كريم حسين ناصح الخالدي (حفظه الله)، رئيس جمعية اللسانيين العراقيين.
مشاعر وأحاسيس كلّ مؤمن بالله يؤدي مناسك الحج
و اليوم، و بعد 15 سنة خلت من لقائنا مع الكاتب، وأنا أقرأ رسالته المرفقى بنفس الشعور، والتي يعود تاريخها تحديدا الى يوم 6 أفريل 2011، كتبها المؤلف في ساعة متأخرة من الليل، وهو يشيد فيها بكلمة كنت قد قدمتها في مؤتمر النجف الأشرف عاصمة للثقافة الإسلامية، حيث كتب الي يقول، بعد التحية والسلام :
عزيزي الأستاذ الفاضل مصطفى محمد حابس المحترم، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لقد ملكني حماسكم في الدفاع عن الإسلام ، وأسرني سحر بيانكم وأنتم تلقون كلمتكم في مؤتمر النجف الأشرف عاصمة للثقافة الإسلامية ، وكانت الجلسة الأخوية التي جمعتنا بعد تناول العشاء فرصة ثمينة تعرفت فيها على مفكّر غير مختص بالعربية ولكنه يعشق العربية ويدافع عنها ، وأسعدني تواضعكم بسماعي مصغيأً بكل جوارحك وأنا أعطيك فكرة ميسرة عن النحو ، وعن العربية ، وما زلت أذكر أنّك كنت متشوّقاً لسماع الأفكار التي عرضتها في كتابي (حكمة الحج ) وأبديت رغبتك في الحصول عليه ولا أدري هل وجدته في مكتبات النجف الأشرف أم لا ، ولا أخفيك سراً أني أطمع في أن تطّلع عليه وأن تُطلع الناس على أفكاره والمشاعر والأحاسيس التي هي أحاسيس كلّ مؤمن بالله يؤدي مناسك الحج لذا جاءت العبارات في الكتاب منسابة كالزلال لأنها تنبع من قلب مؤمن بالله وبروح الإسلام لذا يهمني أن تسري هذه المشاعر في عروق كل مؤمن يعرف العربية أو لايعرفها إن شاء الله أن يتيح لها من ينقلها إلى غير العربي بلسانه الأعجمي، آمل أن أتعرف على مشاركاتك العلمية والدينية في رسالة لأزداد معرفة بكم لما استقر في نفسي من إعجاب بشخصكم الكريم وتطلعاتكم الإنسانية والعلمية تقبلوا جزيل احترامي وفائق مودتي والسلام عليكم ورحمة الله وبركته.
توقيع: أ.د. كريم حسين ناصح الخالدي/ جامعة بغداد / كلية التربية للبنات / قسم اللغة العربية/ رئيس جمعية اللسانيين العراقيين.
كتاب "حكمة الحج"، قراءة سريعة في بعض فصوله :
وفي مراسلة أخرى، اتفقناعلى ضرورة ترجمة الكتاب للفرنسية أو حتى إعادة نشره بالعربية، مع بعض الملاحظات الخاصة بالمدارس الفقهية واختلاف المذاهب من بلد لآخر، ولكي نعطي معنى ونكهة للقارئ الكريم، لا بأس أن نتصفح بعض محتوياته، التي يسعى أحد الزملاء المترجمين لاستدراك تقصيرنا، في الموضوع!!
قسم كتاب "حكمة الحج" الى مقدمة وخاتمة، تتوسطهما أربعة فصول:
الفصل الأول:" التهيؤ للحج"، الفصل الثاني:" الحكمة من أداء شعائر الحج"، الفصل الثالث: الحكمة من زيارة المساجد والمقامات في مكة والمدينة المكرمتين، الفصل الرابع: أنوار الحكمة في دعاء يوم عرفة، والخاتمة.
في مقدمة الكتاب، التي كتبت بلغة عربية راقية معتذرا سلفا أنه غير مختص بالقضايا الفقهية ولا الأصولية، جاء فيها، قوله:
الحمد لله الذي تعجز الألفاظ عن حمده، ويكل اللسان عن إيفاء محامده لأنه يوجب علينا حمداً كلما حمدناه، ويتطلب شكره شكراً كلما شكرناه لأن ّحمده وشكره نعمة منه توجب الحمد والشكر، والصلاة والسلام على أشرف خلقه النبي المبعوث هادياً ومبشراً محمد وعلى آله وصحبه المنتجبين الأخيار.
أما بعد فلست متخصصاً بالقضايا الفقهية ولا الأصولية ، ولم يخطر ببالي في يوم من الأيام أن أكتب حرفاً في القضايا الشرعية، غير أن الله حباني نعمة حج بيته الحرام في العام الماضي، وكنت متلهفاً لأداء تلك الفريضة بقدر لا يتصوره المرء إذ كنت أنتظر تلك اللحظات بفارغ الصبر وأعيش أيامي منتظراً ذلك اليوم الذي أؤدي فيه مناسك الحج ، ويشهد الله أني من كثر شوقي رأيت فيما يرى النائم مشهداً هزّ مشاعري وهو مشهد رأيت فيه مرتفعين بينهما تلال عالية وعليها أشجار وبنايات وكان المشهد في جو غائم تتخلله أنوار ، ولم يأخذ هذا المشهد كثيراً من تفكيري لأنه لا يرتبط بدلالات أو ارتباطات ذهنية وحين وصلنا إلى مكة المكرمة سكنا في عمارة مؤلفة من خمسة طوابق وكانت مجموعتنا تسكن في الطابق الخامس حيث يوجد باب يفضي الى سطح العمارة وفي أول يوم فتحنا الباب هذا ووقفت في باحة السطح وإذا بي أرى ذلك المشهد الذي رأيته في المنام فبهت وعجبت وأخذتني رجفة الخشوع والشكر لله الذي أراني هذا المشهد قبل أن أصل إليه بأكثر من شهر ولم أك قد زرت المملكة العربية السعودية من قبل وقد أديت المناسك بخشوع وصدق نية ناوياً أن يكون الحج تثبيتاً لذلك الإيمان الذي تغلغل في شراييني.
الفصل الثاني:" الحكمة من أداء شعائر الحج"
في هذا الفصل تفصيل لكل حالة من تلك الحالات والإستثناءات وافتراض الحالات الخاصة التي أجاز فيها الشرع وحرّم ، والأهم في هذه المحرمات أن يعرف الحاج الحكمة من هذا الإحرام ، إذ لابدّ ان تكون نية كل خطوة يخطوها خالصة لله -سبحانه- وأكرر أكثر من مرة أنّ كلّ نية يعقدها الحاج في كلّ منسك لابدّ أن تكون خالصة لله ومقترنة بعهد يقطعه على نفسه أن لايعود إلى ما كان عليه قبل نية الحج التي يرجو من ورائها رضى الله وغفرانه ليبدأ من جديد حياة جديدة، (..) وحين يتأمل المرء في النيات يجد فيها دعوة صادقة من المؤمنين الذين يأملون أن يقبل الله حجهم للتوجه نحو الخالق الذي دعاهم فلبّوا نداءه ويخلصون له نياتهم وهي دعوة لابد من أن يتمسك بها كل حاج ويعرف مضامينها قبل أداء مناسك الحج فليست المناسك اعمالاًَ مفروضة يؤديها الحاج من غير إحساس بحكمة كل منها بل هي حكمة ربانية أراد أن يفهمها كل مسلم ويعرف اسرارها ويؤدي تلك المناسك وهو واع لمراميها وأغراضها وأقولها بصدق وإخلاص: إنّ أي حاج لا يدرك الحكمة من كل شعيرة من شعائر الحج ويؤديها مقلداً تقليدا شكلياً ويردد النيات بلسانه فقط وليس بوعيه وإدراكه وإحساسه ، بتوجه صادق إلى الله تعالى ربما لن يحقق آماله التي عقدها على أداء هذه الفريضة ولا أقول على قبولها لأنّ هذا الأمر موكول الى الله وحده ..
الفصل الثالث " الحكمة من زيارة المساجد والمقامات في مكة والمدينة المكرمتين
فالحجّ ليس عبادة وقتية ينتهي أمدها بانتهاء الحجّ بل هي حياة نسك وعبادة وصلاح فيتذكر الحاج أنّه في رحاب الله وفي ظلال رحمته إن قام وإن قعد في مكة المكرّمة أو المدينة المنورة لا تنقطع صلته بربّه في أيّ وقت بل هو في عبادة دائمة يشعر بأنّ الله يراه في كلّ خطوة ويسمعه في كلّ محفل ويعلم ما يجول في سريرته لا تخفى عليه خافية فالحج مناسك تزيد في إيمانه وتقوّي اصراره على مواصلة طريق التقوى و الصلاح وتعمّق احساسه بأنّه عبد لخالق هذا الكون العظيم يؤمن برسالة نبي الهدى والرحمة محمّد ـ صلى الله عليه وآله وسلّم ـ.
وفي المدينتين المقدستين مكة المكرمة والمدينة المنوّرة ، مقامات ومساجد وأماكن يستطيع الحاج أن يزورها ويصلّي فيها ويتأمّل في دلالاتها التاريخية والروحية إذ تقع في مكّة مساجد ترتبط بأحداث عظيمة فلا يبعد عن الحرم المكي الشريف مسجد يسمّى مسجد الشجرة يقع في منطقة محبس الجن وهو مسجد كغيره من مساجد الله التي تؤدّى فيها العبادة ويذكر فيها اسم الله ولكن المكان الذي أقيم عليه هذا المسجد يحمل في الذاكرة الإسلامية حدثاُ عظيماً له دلالات دينية تحتّم على كلّ مسلم أن يفكّر في مقاصد هذا الحدث ويشيع بين الناس المعجزة العظيمة التي حدثت فيه ، فالمسلمون يتفقون على أنّ معجزة نبينا محمّد صلّى الله عليه وسلم، هي القرآن الكريم الذي تحدّى العرب البلغاء الفصحاء أن يأتوا بمثله فعجزوا قال تعالى { قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) وتحدّاههم أن يأتوا بعشر سور فعجزوا قال تعالى { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ} ( هود 13) وتحدّاهم أن يأتوا بسورة واحدة مثله وعجزوا أيضاًقال تعالى ﴿ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ ۖ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾
[ يونس: 38] وقال تعالى ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿ وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴿ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ( البقرة 23 ـ 24 ) وقد تحداهم الله فيما هم فيه أصحاب اليد الطولى إذ كانوا فصحاء لا يشقّ لهم في ذلك غبار وكانوا يفتخرون بقدرة شعرائهم وبلغائهم على الإبداع فهم اصحاب البيان والفصاحة والخطب وسجع الكهان، لكنهم عجزوا أن يأتوا بسورة من مثل القرآن الكريم بنظمه وجمال سبكه وقوة بيانه ودقة معانيه وألوان وشيه وصوره البيانية وأخبار الماضين فيه والأحداث التي تنبأ بوقوعها وحدثت فعلاً وظلّت هذه المعجزة قائمة إلى يومنا هذا، وهذا أمر تفرّدت به معجزة نبينا من سائر المعجزات أنّ تلك المعجزات انتهت بوفاة النبي ، أمّا معجزة نبينا ـ صلى الله عليه وآله و صحبه وسلّم ـ فقد ظلت دائمة على مدى العصور والدهور ذلك لأن القرآن نظم بإرادة خالق الكون وخالق البشر وليس للمخلوق ما للخالق، لذا سلّم العرب بعجزهم في زمن الرسول وفي كلّ زمان وأقرّوا بأنّ القرآن أكبر من قدرات البشر وربما تسأل وما علاقة ماتحدّثت عنه من معجزات بمسجد الشجرة ؟
الفصل الرابع: أنوار الحكمة في دعاء يوم عرفة
الله جلت قدرته ، دعى المسلمين إلى حج بيته العتيق تصريحا لا تلميحا، إذ قال تعالى :﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ (96) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران : 96 ، 97] ولا شك في أن هذه الدعوة المباركة هي هبة من هبات الرحمن المنان لما لهذا البيت المبارك من قدسية في النفوس وعظمة عند الله ، فالبيت المطهر تذكرة للناس بمعلم قدسي يربط ملكوت السماء بالبشر لذا قال عنه تعالى: { هدى للعالمين }!!
ويأتي يوم الحج الأكبر فتجتمع الأمة تحت نداءٍ واحد، تهتف به القلوب قبل الألسنة: لبيك اللهم لبيك. وفي هذه المشاهد العظيمة يشعر الإنسان أن دمعةً صادقة، ودعوةً خاشعة، قد تفتح له بابًا من الرحمة يغيّر حياته كلها.
في عرفة تهدأ ضوضاء الدنيا، وتقترب الأرواح من السماء، وتذوب المسافات بين العبد وربه. يقف الحجيج بقلوبٍ أرهقها السفر والذنوب والأمنيات، ثم يفيض عليها من رحمة الله ما يحييها من جديد.
خاتمـــــة الكتاب، من ملامح الحكمة الربانية من الحج:
قال تعالى { والذين آمنوا وعملوا الصالحات لانكلّف نفساً إلاّ وسعها أولئك أصحاب الجنّة هم فيها خالدون ونزعنا ما في صدورهم من غلّ تجري من تحتهم الأنهار وقالواالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنّا لنهتدي لولا أن هدانا الله } ( الأعراف 42 ـ 43 ) وأقول لك الحمد ربِّ حمداً لاحدّ له وأشكرك على جزيل نعمائك إذ مكنتني من حجّ بيتك الحرام وجعلتني أعيش تلك الأجواء العبقة التي تفوح بروح الإيمان بك وبقدسية المشاعر والمناسك التي فرضت علينا أداءها بخشوع فكانت تلك الرحلة دافعاً لكتابة هذه الأسطر التي أردت بها في البدء التعبير عن مشاعري وبيان ما خالجني في أثناء أداء مناسك الحج لكن الرغبة كبرت فإذا الأسطر تغدو صفحات وقد ذكرت في مقدمة الكتاب أنّي لست متخصصاً بالعلوم الدينية وإنما هي أفكار ميسّرة كتبتها لبيان وجوه من الحكمة الربانية من أداء فريضة الحج ولاأدّعي أنّي بلغت معرفة هذه الحكمة باجتهادي لأنّي أضعف من ذلك وأعجز من بلوغ حكمة الله ولكن فهمي لعدد من النصوص الموروثة عن الأئمة الطاهرين من آل محمّد ـ صلّى الله عليه وآله و صحبه وسلّم ـ شجّعني على الخوض في هذا الموضوع فرأيت أن أكتب تلك الخطرات مدعمة بالنصوص والأحداث التاريخية والمعلومات المتيسّرة وإنّي لأدرك أنّ جهد غير المختص لايرقى إلى جهود المختصين العاملين في هذا الحقل لكثرة مصادرهم واتساع سماعهم (..) و صدق إحساسي بضرورة تنبيه كثير من الحجيج على بيان الغاية الأساسية من الحجّ وتعريفهم بما ينبغي أن يؤمنوا به إن أرادوا فهْم حقيقة الحجّ ولتحقيق هذا القصد لجأت إلى الأسلوب الواضح المؤثّر في النفس وليس الأسلوب الفقهي المعتاد في كتابة مثل هذه الكراريس وقد حاولت في هذا البحث أن أوضح الأمور الآتية لأنّها في رأيي من ملامح الحكمة الربانية من الحج وأهمّها:
الأوّل : ترسيخ مفهوم أساسي هو أنّ الحج درس ربانيّ لابدّ من أن يستوعبه المسلمون خلاصته أنّ المجتمع الذي يخلقه الحجّ في مكة وعرفة والمزدلفة ومنى هو مجتمع أخلاقي مثالي يعبر عن رغبة الإسلام في إصلاح المجتمع وبناء أواصر وروابط تصون المجتمع وتزيل كثيراً من العادات والأمراض الإجتماعية التي لحقت بالمجتمع الإسلامي بسبب الإبتعاد عن روح الإسلام وتعاليمه والانسياق وراء الموروثات الجاهلية والبدع الواردة من المجتمعات غير الإسلامية وقد دعوت المسلمين إلى استلهام روح هذا المجتمع المثالي وإشاعة مثله وقيمه في مجتمعنا الإسلامي .
الثاني: أنّ الحج ليس مجرد أداء مناسك من غير إيمان بما يرافقها من معاهدة الله ـ تعالى ـ على التجرّد من كلّ شهوات الدنيا المحرّمة ومطامعها وتبعاتها والعمل على توطيد النفس على الإبتعاد عن المحرّمات واتباع سبيل الله وشريعة الإسلام وتحقيق ما يرضي الله ورسوله قال تعالى { وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدتُّمْ وَلَا تَنقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ۚ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } (النحل91) وقال تعالى { وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۚ إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ۖ وَمَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ ۗ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96) مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ
أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) (النحل 95 ـ 97).
الثالث : التوبة النصوحة من كلّ عمل غير صالح والعزم الأكيد على التخلّي عن تلك الأعمال ومعاهدة الله تعالى على عدم العودة إلى مثلها حتى آخر لحظة من لحظات العمر فالله تعالى يقول في كتابه العزيز{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَىٰ رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ۖ نُورُهُمْ يَسْعَىٰ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } ( التحريم 8)
الرابع : العزم على بدء حياة عامرة بالعبادة والخشوع لله العظيم والعمل بأوامر الله والإنتهاء عن نواهيه وذلك بجعل تلك الحياة زاخرة بكل عمل يرضي الله ويحقق صلاح المجتمع آخذين بقوله تعالى {
﴿ زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ- قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمْ ۚ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ( آل عمران 14ـ15 ) .
الخامس : الإيمان المطلق بأنّ الله مع المؤمنين يرونه في كلّ لحظة بقلوبهم وعقولهم فلا تفتر ألسنتهم عن ذكر الله تعالى ولاتخلو قلوبهم من حب الله ولو امتلأت قلوب الناس بحب الله تعالى فلن يحدث خرق لشريعة الله لأنّ الحبيب لايريد أن يغضب حبيبه مرددين قوله تعالى { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (آل عمران: 8) ﴾
السادس : أن يعود الحاجّ من الأراضي المقدّسة ليكون في مجتمعه قدوة حسنة يقتدي بها الناس الذين يلقبونه باللفظة المقدّسة ( الحاج ) فيعمل على إعطاء هذا اللقب استحقاقه من السلوك المناسب لمن غفر الله له ذنوبه وعاد كما ولدته أمه وعاهد الله على أن لا يعود إلى اقتراف أي ذنب وبوجود هؤلاء المتقين إلى جنب من حباهم الله تعالى التقوى قبل الحجّ تتوحّد قلوب المؤمنين لبناء المجتمع الإسلامي الأمثل،
ولنا فيما حللناه من نصوص لكلّ من الإمام الحسين والإمام علي بن الحسين ـ عليهما السلام ـ في دعاء عرفة أفضل قدوة للمؤمنين فهما يعلمان الناس الخشوع وصدق الإيمان والتوبة النصوحة وحب الله حباً صادقاً والإشتياق لملاقاته والعمل في الحياة الدنيا على إرضائه فهل نستطيع أن نقتدي بنبينا محمّد ـ صلّى الله عليه وآله وسلّم وبعليّ وبهما وبالأئمة الطاهرين وهل نستطيع الإقتداء بمن أرا د أن يكون قدوة حسنة في سلوكه وعبادته وإيمانه هذا السؤال أضعه بين يدي كلّ من نوى أن يحجّ أو أكمل مناسك حجه عسى الله أن يوفقنا جميعاً لنيل رضاه وهو غاية ما نتمناه وأسألكم الدعاء للعبد الفقير إلى الله ـ تعالىـ كاتب هذه السطور أن يحقق له هذه الأمنية ويجعله ممن يرضى عنهم يوم لاينفع مال ولابنون، وليس لي في آخر المطاف إلاّ أن أرفع كفيّ إلى الله متضرعاً خاشعاً قائلاً { ﴿ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ ۖ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۚ أَنتَ مَوْلَانَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
[ البقرة: 286]، وصلّى الله على خاتم الأنبياء محمّد وآله و صحبه وسلّم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

