41

0

"كاميرات" الهواتف تُطيح بالمجرمين والمعتدين

ظاهرة جديدة، أنعشت ثقافة التبليغ في المجتمع، وأشركت المواطن في العملية الأمنية

 

مريم بعيش

أصبح المواطن اليوم شريكا في العملية الأمنية، وسلاحه في ذلك هاتفه الذكي وحساباته عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فبمجرد تداول مقطع فيديو يُظهر عملية سطو أو اعتداء أو سرقة، كلها ساعات ويُنشر بيان من الجهات الأمنية يوضح تدخلها السريع وإلقاء القبض على الفاعلين، وهو الأمر الذي لاق استحسانا كبيرا لدى المواطنين وجعل ثقافة التبليغ تنتشر على نطاق واسع.

 

انتشرت في الآونة الأخيرة ظاهرة تصوير مقاطع فيديو وصور تُظهر اعتداءات وجرائم وسرقات يتم نشرها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، على غرار منصة الفايسبوك، تيكتوك، وانستغرام، حيث أصبح المواطن اليوم جاهزا لتوثيق ما يجري حوله بواسطة هاتفه الشخصي ويتناقل الأخبار والأحداث عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يعد دور المواطن يقتصر على التبليغ التقليدي عبر الهاتف أو التوجّه إلى مراكز الشرطة، بل أصبح شريكاً فعلياً في كشف الحقيقة، من خلال مقاطع الفيديو التي توثّق الوقائع في لحظتها وتُسهِم في تحديد هوية المعتدين وتسريع عملية التوقيف، وقد ساعد هذا السلوك في الفترة الأخيرة على حلّ العديد من القضايا التي بقيت لوقت طويل مجهولة الفاعل، خاصة في حالات الاعتداءات في الشوارع، التحرش، حوادث المرور، والسرقات المباغتة.

وباتت مختلف المصالح الأمنية تعتمد، ولو بشكل غير رسمي، على ما يتم تداوله عبر منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُستغل الفيديوهات المنشورة للتعرف على المشتبه فيهم، وتحليل مسرح الجريمة، والاستعانة بها كقرائن أولية في التحقيقات، كما أنه ومع انتشار الهواتف الذكية، تحوّل المواطن العادي إلى "عينٍ راصدة"، تكشف ما كان من الممكن أن يمرّ دون عقاب، بين توثيق الحقيقة وانتهاك الخصوصية، ورغم الإيجابيات الكبيرة لهذه الظاهرة، إلا أنها أثارت نقاشاً واسعاً، خاصة مع تزايد المخاوف من التعدّي على الخصوصية بتصوير أشخاص دون إذنهم ونشر صور مشتبه فيهم قبل صدور أحكام قضائية وأيضا تداول محتوى قد يحرّض على العنف أو يثير الفوضى.

من جهتها، مصالح الأمن، استعانت بالكثير من المقاطع المصورة والمسجلة التي ساعدت في حلّ ملفات معقدة، خاصة تلك التي تم تصويرها بشكل واضح دون تعديل أو اقتطاع، غير أن الجهات الرسمية تحذر دائماً من نشر فيديوهات قد تعيق التحقيق، أو تضر بضحايا العنف، خصوصاً القُصّر والنساء، ولأجل تعزيز التوعية حول كيفية التصوير الآمن والمفيد لا بد من تشجيع المواطنين على إرسال الفيديوهات مباشرة للجهات الأمنية بدلاً من نشرها أولاً على منصات التواصل.

وبين مؤيدٍ يرى في الظاهرة خطوة إيجابية نحو مجتمع أكثر وعياً وتضامناً، ومعارض يخشى من انتشار الفوضى الرقمية، تبقى الحقيقة ثابتة: كاميرات الهواتف الذكية غيّرت المشهد الأمني والإعلامي، وجعلت كل مواطن شاهداً محتملاً ومُسهماً في مكافحة الجريمة.

في ذات السياق، يرى المختصون في علم الاجتماع أنّ ثقافة التوثيق لا يجب أن تتحول إلى فوضى تصوير أو تعد على الخصوصيات أو تجاوز حدود وحريات الآخرين، بل ينبغي أن تُمارس وفق ضوابط قانونية تحفظ الحق في الخصوصية وتُجنب نشر محتوى مُضلّل أو محرّف أو مؤذي بأي شكل من الأشكال، لأن ذلك من شأنه إحداث فوضى في المجتمع، وأشاد المختصون  ببروز صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي، تُخصص صفحاتها لتوثيق الحوادث اليومية، وتقديم بلاغات عاجلة للسلطات، مما جعل بعض الأحياء أكثر أماناً، ورفع من مستوى الوعي بخطورة السلوك الإجرامي حتى لو كان بسيطاً.

خبراء اجتماعيون وقانونيون يدعون إلى تنظيم العملية قانونياً عبر إطار يحمي حقوق الضحايا والمُبلّغين..

 

صرحت الأستاذة في علم الاجتماع، الدكتورة سهام بن عاشور لـ"بركة نيوز": أنّ ظاهرة تصوير مقاطع فيديو وبثها عبر مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت تساهم بشكل واسع في محاولة الحد من الجرائم والاعتداءات، أين لاحظنا تفاعل مصالح الأمن و الجهات المختصة مع ما يتم نشره من طرف بعض الأفراد عبر الإنترنت من مشاهد يظهر فيها منحرفون وهم يعتدون على مواطنين عزل، مستخدمين في الكثير من الأحيان أسلحة بيضاء وآلات حادة، وتندرج مساهمة الأفراد في تصوير الجرائم والاعتداءات في إطار ما يعرف بثقافة التبليغ لدى المواطن، وهي سلوك مدني يعكس وعي المجتمع بدوره في دعم الجهود الأمنية.

وأضافت الدكتورة: أنه من منظور علم الاجتماع، يمكن قراءة هذه الظاهرة أو عمليات تصوير هذه الفيديوهات حول الاعتداءات، كظاهرة اجتماعية لها أبعاد إيجابية وسلبية في آنٍ واحد، وترتبط بتحولات عميقة في سلوك الأفراد ووعيهم وعلاقتهم بالمجتمع، فمن الجانب الإيجابي يرى علم الاجتماع أنه يمكن قراءة عمليات تصوير مثل هذه الفيديوهات كتعبير عن تنامي ثقافة التبليغ والمواطنة، و أن الفرد أصبح فاعلًا مشاركا في توثيق الانحرافات الاجتماعية والكشف عنها، ويعتبر كمساعدة ومساندة للمؤسسات الأمنية والقضائية بالأدلة إذ يمنح المصور للفيديو أجهزة الأمن والعدالة أدلة واقعية مصورة تسرع مسار التحقيق.

 أما من الجانب السلبي  فإنه لا بد من الحذر من أن يكون القيام بعملية التصوير غرضه الرغبة في الشهرة على وسائل التواصل الاجتماعي ما قد يؤدي إلى انتهاك خصوصية الضحايا،  فمثل عمليات التصوير هذه يجب  إخضاعها إلى مجموعة من الضوابط القانونية من جهة  والقيم الأخلاقية التي تنظم سلوك الأفراد أثناء تصوير حالات الاعتداءات، فحق التوثيق لا يعني نشر كل ما يتم تصويره دون وعي بالعواقب خاصة وأنه يحق للمشهَر به ولو كان مجرما أو معتديا أو مدانًا مقاضاة من صوره بدون إذنه.

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً



حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً



حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services