16

0

حين يصمت المُطبِّعون: غياب المغرب والإمارات والبحرين عن البيان العربي

هل التطبيع صار دلالة سياسية أم التزام صامت باتفاقات...

بواسطة: بركة نيوز
بقلم الحاج بن معمر 
 
في لحظة إقليمية بالغة الحساسية، حيث تتقاطع فيها خرائط النفوذ مع مبادئ السيادة، وحيث تُختبرمصداقية النظام العربي في الدفاع عن وحدته وأمنه الجماعي، صدر بيان مشترك عن وزارات خارجية عربية وإسلامية يرفض اعتراف الكيان الصهيوني بإقليم “أرض الصومال” ويُدين المساس بالوحدة الترابية لجمهورية الصومال الفيدرالية.
 
بيانٌ واضح في لغته، صريح في موقفه، يستند إلى قواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، ويعبّرعن خشية حقيقية من فتح أبواب التقسيم والفوضى في منطقة القرن الإفريقي.
غير أن ما لفت الانتباه، وربما أثار القلق أكثر من مضمون البيان نفسه، هو الغياب اللافت لكل من المغرب والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين عن التوقيع عليه.
هذا الغياب لم يكن تفصيلاً إجرائيًا ولا سهوًا دبلوماسيًا عابرًا، بل جاء منسجمًا مع مسار سياسي بات واضح المعالم منذ توقيع اتفاقات التطبيع مع الكيان الصهيوني، مسار يقوم، في جوهره، على تجنّب أي اصطفاف عربي جماعي يُدين السياسات الإسرائيلية أو يضعها موضع مساءلة أخلاقية وقانونية، حتى عندما تتجاوز هذه السياسات حدود فلسطين المحتلة، وتمتد لتطال دولًا عربية أخرى، أو تهدد أسس الاستقرار الإقليمي.
إن البيان المشترك، الذي ضم دولًا عربية وإسلامية وازنة، لم يكن موجّهًا ضد دولة بعينها بقدرما كان دفاعًا عن مبدأ راسخ في العلاقات الدولية: احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، ورفض أي اعتراف أحادي يُشجع عن الانفصال أو يُكافئ النزعات التقسيمية.
ومع ذلك، اختارت الدول المطبّعة الثلاث أن تقف خارج هذا الإجماع، في موقف يعكس تحوّلًا عميقًا في أولوياتها السياسية، ويطرح أسئلة جدّية حول موقعها من القضايا العربية الجامعة.
منذ اندلاع الحرب على غزة، مرورًا بالاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على لبنان وسوريا، وصولًا إلى هذا التطور الخطير المتعلق بالصومال، لوحظ نمط متكرر في سلوك هذه الدول: صمت محسوب، أو بيانات باهتة، أو انسحاب كامل من أي موقف عربي جماعي يحمل نبرة إدانة واضحة للكيان الصهيوني. هذا السلوك لا يمكن فصله عن سياق التطبيع، ولا عن الالتزامات السياسية والأمنية التي رافقته، سواء كانت معلنة أو ضمنية.
فالتطبيع، كما يظهر في التطبيق العملي، لم يكن مجرد فتح سفارات أو تبادل علاقات اقتصادية، بل كان إعادة صياغة شاملة للعلاقات مع إسرائيل، بما في ذلك إعادة تعريف حدود النقد المسموح به،  وفي هذا الإطار، يبدو أن الامتناع عن التوقيع على بيانات إدانة بات جزءًا من “قواعد الاشتباك الدبلوماسي” الجديدة، التي تفرض على الدول المطبّعة الابتعاد عن أي موقف قد يُفسَّر في تل أبيب على أنه عدائي أو غير ودي.
الأخطر في هذا السياق أن القضية هذه المرة لا تتعلق مباشرة بفلسطين، التي اعتادت بعض العواصم تبرير صمتها بشأنها بذرائع “الواقعية السياسية” أو “الوساطة” أو “الحفاظ على قنوات الاتصال”، بل تتعلق بدولة عربية أخرى، عضو في جامعة الدول العربية، تتعرض وحدتها الترابية للتهديد عبر اعتراف إسرائيلي يُشجّع الانفصال ويفتح الباب أمام سيناريوهات تفتيت خطيرة، ومع ذلك، لم يتحرّك هذا “الضمير العربي المطبّع” للدفاع عن مبدأ يفترض أنه غير قابل للمساومة.
إن غياب المغرب والإمارات والبحرين عن البيان يبعث برسالة سلبية على أكثر من مستوى،  أولًا، يضعف الموقف العربي الجماعي، ويُظهره وكأنه إجماع منقوص، ما يمنح الأطراف الخارجية فرصة للتشكيك في وحدته وتأثيره.
ثانيًا، يرسّخ سابقة خطيرة مفادها أن وحدة الدول العربية لم تعد خطًا أحمر، وأن الدفاع عنها بات انتقائيًا، يخضع لحسابات المصالح الثنائية لا للمبادئ المشتركة.
ثالثًا، يُعطي إشارات مقلقة لدول عربية أخرى قد تجد نفسها، يومًا ما، في مواجهة تهديدات مماثلة، دون أن تجد الدعم العربي المنتظر.
 
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي لهذا الغياب. فالمغرب والإمارات والبحرين ليست دولًا هامشية في النظام العربي، بل تتمتع بثقل سياسي ودبلوماسي، وكان من شأن انضمامها إلى البيان أن يعزّز قوته ويمنحه زخمًا أكبر على الساحة الدولية، لكن اختيارها الوقوف على الهامش، أو في المنطقة الرمادية، يعكس تحوّلًا في تموضعها الإقليمي، حيث باتت علاقاتها مع إسرائيل عاملًا محدِّدًا لسقف مواقفها، في المقابل، يطرح هذا المشهد سؤالًا جوهريًا حول مستقبل العمل العربي المشترك في ظل اتساع دائرة التطبيع.
 
فإذا كانت اتفاقات التطبيع تعني عمليًا تعطيل القدرة العربية على إصدار مواقف جماعية قوية إزاء الانتهاكات الإسرائيلية، فماذا يتبقى من مفهوم “الأمن القومي العربي”؟ وكيف يمكن الحديث عن تضامن عربي بينما تفضّل بعض الدول الصمت حتى عندما تُهدَّد وحدة دولة عربية أخرى؟
 
إن الصمت، في السياسة، ليس موقفًا محايدًا، هو في كثير من الأحيان شكل من أشكال الاصطفاف غير المعلن. وحين يصمت الفاعل القوي أمام انتهاك جسيم، فإن صمته يُقرأ كضوء أخضر، أو على الأقل كرسالة مفادها أن الكلفة السياسية لهذا الانتهاك ستكون محدودة، وهذا بالضبط ما يخشاه كثيرون اليوم: أن يتحوّل الصمت العربي المطبّع إلى عامل مشجّع لمزيد من التمدد الإسرائيلي خارج فلسطين، على حساب دول عربية أخرى.
 
من هنا، تبدو الحاجة ملحّة لإعادة فتح نقاش عربي صريح حول كلفة التطبيع، ليس فقط على القضية الفلسطينية، بل على مجمل النظام الإقليمي العربي. فالقضية لم تعد تتعلق بشعارات أو خطابات، بل بوقائع سياسية تُترجم على الأرض في شكل صمت، أو غياب، أو تخلٍّ عن مواقف جامعة. وإذا استمر هذا المسار، فإن مفهوم “البيان العربي المشترك” ذاته قد يفقد معناه، ليصبح مجرد تعبير عن مواقف جزئية لا ترقى إلى مستوى التحديات.
 
في الختام، يمكن القول إن غياب المغرب والإمارات والبحرين عن البيان المشترك بشأن الصومال ليس حادثًا معزولًا، بل حلقة جديدة في سلسلة من المواقف التي تعكس تحوّلًا عميقًا في بنية الاصطفافات العربية. تحوّلٌ يضع العلاقات مع الكيان الصهيوني فوق الاعتبارات الجماعية، ويُعيد تعريف مفهوم التضامن وفق منطق المصالح الضيقة.
وبينما تستمر التهديدات التي تطال وحدة الدول العربية وأمنها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ما زال للعالم العربي قدرة على إنتاج موقف موحّد، أم أن زمن البيانات الجامعة قد ولّى، لصالح صمتٍ مُطبَّعٍ لا يعترف إلا بحساباته.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services