19
0
حين تعجز المقاييس عن فهم الروح الفلسطينية

بقلم: يمنى أبو زريق
في ركن هادئ من مكتبة جامعة القدس المفتوحة، كانت الباحثة تقلب صفحات كتاب ضخم عن النظرية ، كما صاغها علماء النفس الغربيون، تحدث النص عن التكيف والتعافي من الأزمات الفردية، وكأن الصدمة حدث عابر في حياة مستقرة، لكن في تلك اللحظة، اجتاحت صور المنازل المدمرة في غزة وتفاصيل نقاط التفتيش في الضفة الغربية ذهنه، أدركت حينها أن هذه النظريات، التي نشأت في بيئات من الراحة والأمان، تبدو هشة، بل وواهنة فكريًا، عندما تُطبق قسرًا على مجتمع لا يعرف معنى ما بعد الصدمة؛ لأن الصدمة هي حاضره وماضيه ومستقبله المستمر.
يقوم العلم الغربي، في جوهره، على مبدأ الفردية، حيث يُنظر إلى الإنسان كوحدة معزولة، ومسؤوليته الوحيدة هي تحقيق توازنه الداخلي، ينهار هذا النموذج بشكل كارثي في فلسطين، حيث يذوب الأنا في نحن الجماعية، تعجز نظريات الاستقلال العاطفي عن تفسير صمود الأم الفلسطينية التي تودع ابنها بالزغاريد، ليس لأنها لا تشعر بالألم، بل لأن منظومة قيمها تتجاوز مفهوم الخسارة الفردية لتشمل المكسب الوجودي المتمثل في الوطن، هنا، يعجز العلم الغربي عن تفسير كيف يتحول الحزن الجماعي إلى قوة دافعة للمجتمع، بدلاً من كونه عبئاً سريرياً يتطلب علاجاً من منظور تقليدي.
وعندما نعود إلى هرم ماسلو للاحتياجات، نجد أن هذا الإطار النظري ينهار أمام الواقع الفلسطيني، يضع ماسلو الحاجة إلى الأمان في قاعدة الهرم، معتبراً أن الإبداع وتحقيق الذات لا يتحققان إلا بعد الاستقرار المادي، لكن في المجتمع الفلسطيني، نجد أن المبدعين والعلماء والكتاب يولدون من رحم الخطر ومن تحت الأنقاض، يعيد الفلسطيني ترتيب الهرم، جاعلاً تحقيق الذات من خلال المقاومة السبيل الوحيد للأمانن يُثبت هذا التمرد على المبادئ العلمية الكلاسيكية أن النظريات الغربية محلية بطبيعتها، وليست عالمية كما تدّعي، وأنها تفتقر إلى المرونة اللازمة لاستيعاب روح الشعوب التي تعيش تحت نير الاستعمار.
في مجال الصحة النفسية، تبدو التشخيصات الغربية، مثل اضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، قاصرة، بل ومضللة، في السياق الفلسطيني، يفترض العلم الغربي أن الصدمة حدث خارجي انحسرت آثاره، بينما في فلسطين، تُعدّ الصدمة بيئة، إن محاولة تطبيق هذه النظريات أشبه بمحاولة قياس عمق المحيط بمسطرة خشبية صغيرة، نحن بحاجة إلى تحرير المعرفة من الاستعمار والاعتراف بأن المقاييس النفسية المصممة لطلبة الجامعات الأمريكية لا تستطيع قياس عمق الانتماء أو الارتباط بالمكان لدى مزارع اقتُلعت أشجار زيتونه أمام عينيه، ومع ذلك ظل شامخًا كالجبل.
في أروقة علم الاجتماع، يتحدث الغرب عن العقد الاجتماعي وسيادة القانون كضمانات للاستقرار، لكن في فلسطين، حيث القانون الدولي غير فعال ومواثيق الأمم المتحدة مجرد حبر على ورق، ينشأ نظام اجتماعي موازٍ قائم على التضامن الفطري والشرعية الشعبية، وتعجز النظريات الغربية التي تدرس الاغتراب الاجتماعي عن فهم كيف يحافظ المجتمع الفلسطيني على تماسكه رغم كل محاولات التفتيت الجغرافي، ويكمن الضعف هنا في النظرية الغربية التي تفترض أن الجغرافيا تُشكّل المجتمع، بينما في فلسطين، تُشكّل الذاكرة الجماعية الجغرافيا وتحميها من الطمس.
وثمة فجوة معرفية عميقة في فهم الزمن، يُقدّس العلم الغربي الزمن الخطي: ماضٍ مضى، وحاضر يُعاش، ومستقبل يُخطط له. لكن الفلسطينيين يعيشون في زمن دائري، النكبة ليست تاريخًا في كتاب؛ إنها وثيقة عائلية يحملها الجد، ومفتاحها مُعلق حول عنق الحفيد، تتجاهل النظريات السياسية الغربية التي تُروّج لـحلول واقعية وثقافة التعايش حقيقة أن الفلسطينيين لا يرون المستقبل منفصلًا عن حقوقهم التاريخية، إنّ هذه المقاومة الفلسطينية للنظريات الغربية، في حقيقتها، دليلٌ على قوة الهوية الفلسطينية وأصالتها، وفشل العلم الذي يسعى إلى إخضاع الشعوب تحت ستار الحداثة والعولمة.
عندما نتأمل في التنمية البشرية، نجد أن النماذج الغربية تركز على الكفاءة الإنتاجية والنجاح المادي، لكن في فلسطين، التنمية الحقيقية هي الصمود ، هذا المصطلح، الذي يعجز المترجمون الغربيون عن إيجاد مرادف دقيق له، يُمثّل فلسفة حياة متكاملة، ينظر العلم الغربي إلى الصمود على أنه حالة من السلبية، بينما هو في السياق الفلسطيني فعل مقاومة متجدد باستمرار، إن تطبيق برامج التنمية الغربية التي تتجاهل واقع الاحتلال أشبه بمحاولة زراعة نباتات استوائية في بيئة قطبية، ليس ضعف التربة هو المشكلة، بل جهل البذور والظروف المحيطة بها.
أدى اعتمادنا العلمي على الغرب أحيانًا إلى محاولة ليّ الواقع الفلسطيني ليناسب المعايير الغربية، بدلًا من تطوير معاييرنا الخاصة، يتسم العلم الغربي، في تعامله مع مجتمعنا، بـعمى السياق؛ فهو يرى الأعراض فقط، ولا يرى الجذور، تتجاهل النظريات التي تتحدث عن التمكين النفسي كبوابة للسلام، و يكمن الضعف في افتراض الغرب أن البشر مجرد كائنات اقتصادية، بينما أثبت الفلسطينيون للعالم أنهم كائنات ذات قيم بامتياز، مستعدون للتضحية بكل ما يملكون من أجل مبادئهم.
لم تُكتب القصة الحقيقية بعد؛ بل تُكتب يوميًا في أزقة القدس، وشوارع نابلس، وبساتين يافا. المعرفة الحقيقية تنبع من رحم المعاناة لتصوغ نظريات التحرير، لا نظريات التكيف، لقد حان الوقت لنا، كخبراء وباحثين فلسطينيين، أن نقف ونقول للعلم الغربي: نظرياتكم قاصرة عن تحقيق أحلامنا، ومعاييركم لا ترقى إلى مستوى طموحاتنا، نحن بحاجة إلى علم فلسطيني أصيل يقرأ نظرة الطفل، وصمود العامل، ويقين الشرطي؛ علم يدرك أن الحقيقة لا تُكتشف في المختبرات، بل تُستعاد في ساحة الحياة.

