15
0
حرب الضمّ الصامتة في فلسطين

د.أحمد لطفي شاهين
بينما كان (ولا يزال احيانا) يتصاعد الدخان في قطاع غزة اثر القصف والنسف والتفجير، كانت "دولة الاحتلال الصهيوني" ولا زالت تتحرك على جبهة صامتة لا تقل خطورة في الضفة الغربية.
حيث تدفع سلطات الاحتلال بخطة ضمّ متسارعة تبدو وكأنها الحرب الأكثر حسماً في مستقبل الصراع العربي الصهيوني .
إذ تستثمر الحكومة الصهيونية الانشغال الدوليبحرب غزة ومآسيها الانسانية لترسيخ سيطرتها على الضفة الغربية بهدوءٍاستراتيجي وصمت وخبث ، انطلاقًا من رؤية تعتبر أن اللحظة الراهنة هي نافذة تاريخية لتغيير قواعد الصراع وفرض امر واقع جديد يهدف الى إلىإعادة رسم الجغرافيا السياسية ومنع قيام الدولة الفلسطينية نهائيًا.
ومنذ لحظة احتلال قطاع غزة والضفة الغربية عام 1967 ، لم يكن الأمنالصهيوني مجرد ذريعة عسكرية لاحتلال مؤقت، بل تحوّل إلى منظور بنيوي تعادمن خلاله صياغة الجغرافيا والسيادة.
فإسرائيل تسيطر فعليا اليوم علىأكثر من %50من مساحة قطاع غزة واكثر من %60 من مساحة الضفة الغربية، وهذه السيطرة تُدار بآليات أمنية تضمن استمرار الاحتلال،وتمنع قيام كيان فلسطيني متصل جغرافيًا أو سياديًا.
لقد وجدت دولة الاحتلال نفسها أمام معضلة جيوستراتيجية حادة بعد حرب 1967، فحدودها قبل الحرب كانت ضيقة، إذ لم يتجاوز عرضها في بعضالمناطق 14 كيلومترًا بين البحر المتوسط والضفة الغربية. ومن هذا المنطلق،تبنّت القيادة العسكرية نظرية " العمق الاستراتيجي"، معتبرةً أن الغربية يشكل درعًا طبيعيًا ضد أي تهديد قادم من الشرق.
ولقد تجسدت هذه الرؤية في خطة "آلون " (1967)، التي دعت إلى إبقاءالسيطرة الصهيونية على غور الأردن كمنطقة أمنية عازلة ، والسماح للفلسطينين بإدارة جيوب سكانية صغيرة فقط غرب غور الأردن.
ورغم تغيّر الحكومات الصهيونية ظلّت هذه الخطة تمثل الركيزة الثابتة فيالعقيدة الأمنية الصهيونية: لا انسحاب من المناطق ذات القيمة الأمنية والجغرافية العالية مهما كان الثمن.
و في عام 1983 ، جاء الأمر العسكري رقم 50 ليؤسس شبكة طرقاستراتيجية تربط المستوطنات بالمدن الإسرائيلية وتعزل التجمعاتالفلسطينية. بينما جاءت خطة " مشروع شارون" أو ما يعرف بـ"قضية النجوم " في التسعينات لتوسيع المستوطنات المحيطة بالقدس وإزالة الحدودبين " الخط الأخضر" والمناطق المحتلة.
إذن لم تعد المستوطنات مجرد تجسيد لأيديولوجيا " أرض الميعاد"، بل أصبحت خطوط دفاع متقدمة في بنية الأمن القومي الصهيوني لذلك تعمدت حكومات الاحتلال المتعاقبة إنشاء مستوطنات ضخمة على المرتفعاتالشرقية والغربية للضفة مثل "آريئيل" و" معاليه أدوميم "، لتعمل كـ"حواجزطبيعية" تفصل المدن الفلسطينية عن بعضها البعض.
وهذه الاستراتيجية لمتؤدي فقط إلى تقطيع أوصال الضفة الغربية وتحويلها إلى جزر سكانية محاصرة ، بل أسست لمنظومة أمنية ميدانية متكاملة كبديل عن الوجودالعسكري الصهيوني المباشر.
فلقد اقامت دولة الاحتلال نحو %80 من المستوطنات في مواقع جغرافية مرتفعة تمنحها قدرة مراقبة شاملة لتحركات الفلسطينيين من الشمال إلىالجنوب وهذه هي عقيدة اليهود في اختيار المناطق العالية وبناء (الكانتونات والجيتوهات) المغلقة حتى لا يتعاملوا مع الغرباء ولا يصل لهم الغرباء ولقد تطورت العقيدة الصهيونية مع بداية سنة 2000 وذلك بسبب الازدياد السكاني لعدد الفلسطينيين داخل الارض المحتلة فاصبح "الامن الديمغرافي " مصطلح متداول في الاوساط الصهيونية واصبح الجدار العازل ضرورة امنية وذريعة لابتلاع الاراضي الفلسطينية بحجة حماية الامن الصهيوني.
نعم لقد تغيّر تعريف " التهديد " داخل المؤسسة الأمنية الصهيونية فلم يعد الخطر الرئيسي متمثلا في الجيوش العربية، بل في التحوّل الديموغرافي الفلسطيني الذي سوف يُفقد "دولة الاحتلال" تفوقها العدديداخل الأرض المحتلة والتي من المفترض ان تكون اراضي الدولة اليهودية الخالصة كما اعلنها رئيس وزرائهم " اسرائيل الكبرى".
ومن هنا وُلد مفهوم "الأمن الديموغرافي"، الذي يقوم على السيطرة علىالأرض دون ضم السكان، أي احتلال الأرض وتقليل عدد السكانالفلسطينين بالقتل او دفعهم الى الهجرة بسياسة التضييق الاقتصادي والحواجز والبوابات والاعتقال والاقتحام والقمع وهدم البيوت والمزارع واقتلاع الاشجار
ولقد شكّل جدار الفصل العنصري عام 2002 ذروة هذا التحول: جدار اسمنتي مرتفع يفصل الكتل الاستيطانية الكبرى عن التجمعات الفلسطينية،ويُبقي نحو 85 % من المستوطنين داخل ما يسميه الاحتلال "المنطقة الأمنة".
ولكن الجدار المعلون هذا تجاوز غايته الأمنية المعلنة ليصبح أداة سياسية ترسخ الضمّ الجغرافي الفعلي وتفرض واقع حدودي جديد.
ومع تصاعدالتهديدات من غزة ولبنان، أعادت "دولة الاحتلال" تعريف الضفة الغربية باعتبارها جبهة الأمن الداخلي؛ أي المنطقة التي لا يمكن فقدان السيطرةعليها؛ لأنها تمثل " قلب الدولة " من حيث الجغرافيا والسكان. من منظورالجيش الإسرائيلي، وبالتالي فإن الانسحاب من الضفة يعني ترك وسط"الدولة" مكشوفًا، بل جعل "تل أبيب" نفسها على مرمى نيران قصيرة المدىفي المستقبل. ولذلك، تُصرّ المؤسسة العسكرية على الاحتفاظ بسيطرة كاملةعلى غور الأردن بوصفه الحزام الأمني الشرقي، وسيطرة كاملة علىالمرتفعات الوسطى كنقاط مراقبة مركزية.
إضافة إلى المعابر والحدود التي تُعد أدوات أساسية للتحكم في الحركة والاقتصاد الفلسطيني
ومع تصاعد نفوذ اليمين المتطرف، دخلت خطة الضم مرحلة جديدة تُعرف بـ"عسكرة الاستيطان"، حيث سمحت حكومة بنيامين نتنياهو بتسليح المستوطنين وتشكيل ميليشيات محلية تحت إشراف وزارة الأمن القومي التييقودها المتطرف المعتوه بن غفير.
وهكذا تحولت المستوطنات إلى وحداتدفاعية ميدانية ، والمستوطن إلى "جندي مدني" في خدمة المشروع القوميالصهيوني. وهذه السياسة رسّخت مبدأ أن الأمن لا يُدار من الجيش فقط،بل من المجتمع الاستيطاني ذاته، وهو ما يعكس تحولًا جذريًا في العلاقة بين الأمن والهوية داخل "الكيان الصهيوني ".
إن حرب الضمّ الصامتة قائمة فعليًا منذ سنوات، لكن "دولة الاحتلال" تسعىاليوم إلى منحها غطاءً قانونيا وسياسيا وإن جوهر البعد الأمني فيمشروع الضمّ هو الاستمرارية فالعالم يرى ويظن أن الاحتلال حالة مؤقتةيمكن ان تنتهي بشكل او بآخر، بينما يراه الاحتلال حالة أمنية دائمة ولذلك يقوم بضم مساحات كبيرة من اراضي الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة حتى يتم تثبيت امر واقع خطير جدا على الارض المحتلة بحيث لا يمكن تغيير هذا الامر الواقع مستقبلا ولا يمكن اقامة دولة فلسطينية لأنه لم يتبقى ارض فلسطينية أصلا لإقامة حتى دويلة فلسطينية وهكذا فإن كل مستوطنةجديدة، وكل طريق التفافي، وكل نقطة تفتيش، ليست تفصيلا ميدانيا، بلجزء من هندسة استراتيجية استيطانية كبرى تُعيد تعريف معنى الأمنوالسيادة والحماية ومنع الارهاب .. وبلغة الارقام : في عام 2025 وحده،ارتفع عدد وحدات البناء المخصصة للتوسع الاستيطاني إلى 2,749 وحدةخلال ستة أسابيع فقط، في مؤشر واضح على أن مشروع " الأمن عبرالتوسع" لا يعرف التوقف.
كما، كشفت تقارير فلسطينية أن نحو % 44.5 من مساحة الضفة الغربيةباتت تحت سيطرة الإحتلال المباشرة أو غير المباشرة. وتشير بيانات بحثيةإلى أن نحو 50 ألف وحدة استيطان ستُعتمد في 2025، وهو رقم يُعدّأربعة أضعاف العام السابق.
كما تقدّم خطّة وزير المالية الإسرائيلي سموتريتش المسؤول عنملف المستوطنات اقتراحاً لضم نحو %82 من الضفة الغربية، بما يقضيعلى فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة تقريبًا.
وهكذا، حين تتحدث "دولة الاحتلال" عن الضم، فهي لا تعني مجرد توسيعالحدود، بل تثبيت معادلة وجودية تُلخّص فلسفتها الأمنية من نكبة1967 وهي : " لا أمن بلا أرض، ولا أرض بلا سيطرة صهيونية كاملة".
وكل ما تقدم يؤدي الى شرعنة سرقة الارض القائمة على البعد السياسي , فمنذ عقود ، يشكل المشروع الاستيطاني أحد أعمدة السياسة الإسرائيلية،ليس فقط باعتباره نشاطًا عمرانيا، بل أداة سياسية تهدف إلى فرض وقائعميدانية تُفرغ مفهوم "حل الدولتين " من مضمونه. وفي هذا الإطار تنتهج دولة الاحتلال منذ عقود ما يمكن تسميته بـ" الضم الزاحف" أي الضم التدريجيالهادئ الصامت الذي يُنفذ خطوة بخطوة لتفادي ردود الفعل الدولية تماما مثل مرض السرطان الذي يتفشى بصمت ويؤدي للانتكاسة المفاجئة وعدم القدرة على العلاج وهكذا اعتمدت دولة الاحتلال على التوسع الاستيطاني السرطاني لتنفيذ الضم كاستراتيجية غير معلنة
.وهذه الاستراتيجية لا تعتمدعلى إعلانٍ سياسي مباشر، بل على تراكمٍ جغرافي بطيء ، يتمثل في توسّعالمستوطنات ، وتغيير طبيعة المناطق المصنفة "ج" ، ودمجها اداريا ضمن بنية دولة الاحتلال.
فعلى سبيل المثال، شكّلت مستوطنة " معاليه أدوميم " التي تمتد حتى حدود غور الأردن ما يقارب % 10 من مساحة الضفة الغربية، ضمن ما يُعرف بـ"مشروع القدس الكبرى " الذي يهدف إلى فصل القدس عن محيطهاالفلسطيني ودمجها جغرافيًا في عمق دولة الاحتلال. أما مستوطنة "آريئيل"، وهي الأكبر في شمال الضفة، فقد تحوّلت إلى حاجز استراتيجي يفصلشمال الضفة الغربية جنين ونابلس) عن وسطها ( رام الله ،
مما يجعل التواصل الجغرافي الفلسطيني شبه مستحيل حاليا بسبب الحواجز والجدار ومستقبلا بسبب وجود سكان مستوطنين يهود بالآلاف لا يمكن اقناعهم بترك بيوت ومدارس استقروا فيها ظلما وعدوانا وسيكون ذلك موضع تفاوض وستضطر أي جهة فلسطينية للتنازل عن ارض مقابل ازالة حاجز او ارض اخرى.
أما الموقف الأمريكي: فهو توافق ضمنيا بل هو شريك متواطئ :
.في تموز / يوليو 2025، صوّت الكنيست على قرار يطالب بضمّالأراضي المعروفة توراتياً بـ "يهودا والسامرة (الضفة الغربية) وفي شهرأكتوبر/ تشرين أول 2025، أقرّ كنيست الإحتلال ، قراءة أولى لمشروعقانون يوسّع سيادة الدولة على نحو أكثر من 60 ٪ من الأرض التي تحكمهاسياسة الاحتلال منذ عام 1967.وهذه المصادقة على قانون ضم الضفةالغربية بالتزامن مع زيارة نائب الرئيس الأمريكي دي فانس لـ "تل أبيب" لمتكن مصادفة، بل رسالة بأن الضم مشروع "إجماع وطني صهيوني " مدعوم أمريكياً. وهذه المصادقة خطوة محسوبة ورسالة دقيقة تعكس التوافق و تقاطع المصالح بين الائتلاف الحاكم حاليا والمعارضة داخل " دولة الاحتلال".
فاليمين الصهيوني المتطرف استخدم لحظة الضم لإظهار أن أي اعتراضأمريكي قد يُفسّر كصدام بين "أكبر ديمقراطيتين في العالم "؛ للتأثير علىالرأي العام الأمريكي. ومن الواضح ان الإدارة الأمريكية الحالية لا ترفضالضم من حيث الجوهر، بل من حيث التوقيت ، إذ تعتبر أن تأجيل الإعلانيخدم أولوياتها في التهدئة الإقليمية وتهيئة المناخ لـ "لتطبيع الإقليميالموسع".
بمعنى آخر، فإن الخلاف بين واشنطن و تل أبيب تكتيكي لا استراتيجي: وكلا الطرفين يتبنيان الرؤية ذاتها تجاه مستقبل الضفة الغربية ، لكنهمايختلفان في التوقيت وطبيعة الإعلان،
إن " دولة الاحتلال" تدرك تماما أن الشرعية الأمريكية بالنسبة لها أثمن منأي شرعية دولية، لذلك تُوازن خطواتها بين التوسع الميداني الصامتوالحفاظ على الغطاء السياسي الأمريكي الذي يمنحها حصانة في مواجهةالمجتمع الدولي وبذلك يترسخ المبدأ الاستراتيجي الصهيوني". التوسع أولاًوالتفاوض لاحقاً " وفي قراءة عميقة لهذا المبدأ الاستراتيجي الخطير، لايمكن النظر إلى حرب الضم في الضفة الغربية باعتبارها رد فعل ظرفيّ أومناورة انتخابية، بل هو تحول استراتيجي طويل المدى يعيد صياغة بنيةالصراع العربي الصهيوني.
فمنذ "خطة آلون" عام 1967 وحتى"صفقة القرن" في 2020 ، حافظت"دولة الاحتلال" على منهجيتها الثابتة: (( التوسع أولاً ، والتفاوض لاحقاً،))
وهذا الضمّ بالنسبة لليمين الإسرائيلي المتطرف هو إعلان وفاة رسمي لفكرةالدولة الفلسطينية. أما بالنسبة للولايات المتحدة فهو ورقة ضغط إقليمية مؤجلةتُستخدم حين تنضج اللحظة السياسية المناسبة لإعادة صياغة "التسويةالنهائية" وفق الرؤية الأمريكية -الصهيونية المشتركة.
إن البعد السياسي لخطة الضم في جوهره، يعكس تحول "دولة الاحتلال" من دولة تبحث عن أمنها إلى دولة تسعى لشرعنة توسعها الاستيطاني
فبينما يُقدَّم الضم بوصفه "استجابة للأمن قومي"، تكشف السياساتالميدانية أنه أداة لإلغاء الكينونة الفلسطينية سياسيًا وجغرافياً
.روبين الخطاب الأمريكي عن "السلام الإقليمي" والخطاب الصهيوني" عن"الحق التاريخي"، تتلاشى تدريجياً فكرة الحل السياسي، (( حل الدولتين)) لصالح واقعٍ جديد عنوانه:
سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية.
ورغم انخراط السلطة الفلسطينية في مسار التسوية منذ مؤتمر مدريدللسلام عام 1991، الذي اقيم على مبدأ "الأرض مقابل السلام"، استمرت"دولة الاحتلال" في توسيع المستوطنات بلا توقف وتجاهلت كل القراراتالدولية وعلى رأسها؛ قرار مجلس الأمن 242 الذي يرفض الاستيلاء علىالأراضي الفلسطينية بالقوة.
واليوم، ومع تجاوز عدد المستوطنين في الضفة الغربية حاجز الـ 700 ألف،يبدو بوضوح أن المشروع الاستيطاني لم يعد عائقاً مؤقتاً، بل تحول إلىسياسة صهيونية بنيوية تهدف إلى تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينيةمتصلة جغرافياً، وهو ما يهدد بإدامة الصراع ونسف أي أفق لحل سياسيعادل ودائم.
لقد ظلّ القانون الدولي (( الأعرج مزدوج المعايير )) وعلى امتداد أكثر من سبعةعقود، يشكّل أحد أهم الأسس التي استندت إليها المنظومة الدولية فيمتابعة الصراع العربي- الصهيوني. وهذا البعد القانوني مزدوج المعايير ادى الى شرعنة الاحتلال بالقوة حيث تعدُّ المستوطنات في الضفة الغربية وشرقالقدس، وبنصّ اتفاقيات جنيف الرابعة، خرقًا صريحًا للقانون الدولي الذييحظر على دولة الاحتلال نقل سكانها إلى الأراضي المحتلة أو مصادرة موارده.
ورغم هذا الوضوح القانوني والإجماع الدولي الراسخ، تستمر دولة الاحتلالفي فرض واقع ميداني يناقض كل القرارات الدولية، مستخدمة خليطاً منالأدوات والذرائع السياسية والاحكام القانونية الظالمة لشرعنة احتلالهاالزاحف.
وهذا التناقض بين الشرعية القانونية الدولية ومنطق القوة بات يمثل أحد أبرزمظاهر تآكل النظام الدولي القائم على القانون الدولي مزدوج المعايير،ويكشف عن تحوّل في طبيعة الصراع من نزاع على الأرض إلى نزاع علىتعريف الشرعية ذاتها. فالقانون الدولي الإنساني يؤكد، ولا سيما اتفاقيةجنيف الرابعة (1949)، أن الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 هيأراضي محتلة بالقوة لا يجوز المساس بوضعها القانوني، ولا يحق لدولةالاحتلال نقل سكان مستوطنين إليها أو مصادرتها تحت أي ذريعة.
إذن.. كافة قرارات الشرعية الدولية أقرت بتحريم إنشاء المستوطناتالإسرائيلية على الأراضي المحتلة عام 1967 .وهذه القرارات تستند إلىمنظومات قانونية متكاملة مثل معاهدة لاهاي واتفاقية جنيف الرابعة، التيتؤكد صراحة أن الاحتلال لا يمنح المحتل أي حق في تملك الأرض أو تغييرطبيعتها الديموغرافية
كمان إن قرار مجلس الأمن رقم (2334) الصادر أواخر عام 2016 جاءليعيد التأكيد على هذا المبدأ.ويعتبر الأنشطة الاستيطانية "انتهاكًا صارخًاللقانون الدولي"، مشدداً على رفض الأمم المتحدة كافة أشكال الضم ، سواءًفي الضفة الغربية أو القدس الشرقية او قطاع غزة.
لكن "دولة الاحتلال"، طوّرت منظومة قانونية هجينة تمكّنها من تجاوزالالتزامات الدولية دون إعلان صريح بذلك. فهي "تستخدم مزيجاً من القوانينالعثمانية والبريطانية والأردنية، إلى جانب أوامرها العسكرية الخاصة،لتبرير السيطرة على الأراضي الفلسطينية"،.وتقوم هذه المنظومة على منطقبسيط لكنه فعّال وهو:
تحويل القانون الدولي والصهيوني إلى أداة استعمارية توسعية
بدل أن يكون قيداً على سلطة الاحتلال
إن المشرع الصهيوني يعتبر ان الضفة الغربية ليست "أراضي محتلة"، بل"أراضي بلا سيادة" أو "في حالة فراغ قانوني"، ما يتيح لدولة الاحتلال -من منظورها- ممارسة صلاحياتها كدولة قائمة بإدارة الأرض لا كقوةاحتلال. وهذا الخطاب القانوني تطوّر ليصبح جزءاً من السردية الصهيونيةالجديدة، التي تصف الضفة الغربية بأنها " يهودا والسامرة " جزء من أرض إسرائيل التاريخية التي استُعيدت بعد غياب قسري لليهود في العالم بعيدا عن ارض الميعاد وفقا للتوراة المزورة... وتشير هذه السردية المزيفة إلى أنالفلسطينيين سكان طارئون يمكنهم البقاء فقط في مناطق معزولة لا تمتلكمقومات الدولة أو الاستقلال لذلك.انتقلت " دولة الاحتلال في السنوات الأخيرة " من مرحلة الالتفاف القانوني إلى مرحلةفرض الأمر الواقع. فقد أقرّ الكنيست قوانين تمهّد لضم المستوطناترسمياً، معتبراً أن أي تشريع يصدر عن الكنيست هو "المرجعية القانونيةالعليا" ، خصوصاً مع الغطاء السياسي الذي توفره الولايات المتحدة.
وفي هذا السياق، كشف رئيس مجلس المستوطنات الأعلى أنه طالب رئيسالوزراء بنيامين نتنياهو بإعلان ضمّ المنطقة" ج " فوراً لكن نتنياهو أجابهبأن الظروف السياسية لم تنضج بعد ، داعياً إلى الاستيلاء على أكبرمساحة ممكنة بانتظار اللحظة المناسبة لإعلان الضم الكامل للضفة الغربية والقدس وهذه السياسة تُترجم على الأرض عبر أدوار متكاملة لوزراء الحكومةالمتطرفة فالوزير .سموترتش يشرف على تمويل مشاريع التوسّعالاستيطاني، بينما يعمل بن غفيرعلى تسليح المستوطنين وتوفير الحمايةالميدانية لهم.
وتبرز نتائج هذه السياسة في شمال القدس، حيث أقدمت سلطات الاحتلالعلى ضم أراضٍ واسعة من قرى النبي صمويل وقرى الجيب وقطنة ، بمايشمل المساكن دون سكانها. إذ يُسمح للفلسطينيين هناك بالوصول إلىبيوتهم فقط، من دون أي حقوق إقامة أو خدمات مدنية، ما يجعلهم عملياً"سكاناً بلا أرض" داخل منطقة ضُمت قسراً إلى حدود "القدس الكبرى".
وكما قلت سابقا اعود واؤكد أن التجربة الفلسطينية في السنوات الأخيرةكشفت أن الصراع مع الاحتلال لم يعد صراعًا حول الأرض فحسب،بل صراع حول تعريف الشرعية الدولية ذاتها.
فبينما تستند فلسطين إلى النصوص القانونية وقرارات الأمم المتحدة، تعتمد" دولة الاحتلال" على "شرعية القوة" و "قوة الشرعية" ، أي قدرتها علىفرض تفسيرها الخاص للقانون الدولي بدعم سياسي امريكي و غربي.
و استمرار هذا النهج الصهيوني يهدد منظومة القانون الدولي برمّتها، حيث سيمنح الاحتلال شرعية دولية خصوصا إذا كان مدعومًا بالقوة الامريكية،وستتراجع العدالة الدولية حين يفقد القانون الدولي أدوات التنفيذ.
وبذلك، لا يعود السؤال حول مستقبل الدولة الفلسطينية فحسب، بل حولمستقبل النظام الدولي ذاته فهل يمكن للقانون الدولي أن يظلّ مرجعية للعدالة في عالم تُعيد فيه " دولة الاحتلال" - ومعها قوى أخرى مشابهة لها وداعمة لها - تعريف معنى الشرعية الدولية وفق مصالحها الخاصة وموازينالقوى الدولية ؟.
ختاما فإننا لا يمكن أن نفهم حرب الضمّ القائمة في الضفة الغربية والقدس وغزة حاليا دون إدراك البعد الأيديولوجي الذي يمنح الاحتلال الصهيونيغطاءً دينيًا، ففي الرواية الصهيونية، ترتبط السيطرة على "يهودا والسامرة وهو الاسم التوراتي للضفة بب "الحق الإلهي" في أرض الميعاد.ويستند الصهاينة في ذلك إلى روايات توراتية تعتبر مدنًا مثل القدسوالخليل وبيت لحم قلب " أرض الميعاد"، حيث يُصوَّر الوجود الصهيونيهناك كاستمرارية تاريخية علما أن الصهيونية لم تكن منذ نشأتها حركةدينية، بل كانت ولا تزال علمانية ذات أهداف استعمارية واقتصاديةوديمغرافية .
لكن الحركة الصهيونية استخدمت الدين كوسيلة لتبرير السيطرة علىالأراضي الفلسطينية.وهذا التحول في الخطاب الصهيوني من السياسيإلى الديني تزايد مع صعود نفوذ الأحزاب الدينية داخل "دولة الاحتلال" ومحاولة اليمين كسب تأييد التيارات المسيحية الإنجيلية في الغرب خصوصا الولايات المتحدة (البروتستانتية).
و هذا التداخل بين الدين والسياسة يُنتج خطابًا مزدوجا داخليا، لحشدالشارع الصهيوني حول فكرة أن ضم الضفة الغربية والقدس هو تطبيقلإرادة إلهية.
بينما خارجيا يتم تسويق المشروع الصهيوني بوصفه تجسيداً لنبوءةدينية تتناغم مع معتقدات جمهور المحافظين الغربيين، خصوصاً في الولاياتالمتحدة كما قلت. وهذه الرواية الدينية تتجاوز كونها موروثاً ثقافياً إلىكونها أداة تعبئة سياسية؛ فالتيار الديني القومي داخل دولة الاحتلال يرىفي الضفة الغربية أرضاً مقدسة، والسيطرة عليها واجباً عقائدياً يجب توريثه لكل اطفال وجنود اليهود وتنفيذ ذلك لإرضاء الرب وهذا التحول في بنيةالخطاب جعل الصراع في جوهره عقائديا ووجوديا وسياسيا.
في "سلطات الاحتلال" لم تعد تتحدث عن حدود أو تفاوض أو أمن، بل عنحق تاريخي وديني في الأرض ، وبهذا، يتراجع منطق "حل الدولتين " أمامسردية تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها عقيدة لا يمكن ان تكون موضوعتفاوض. والنتيجة: أن الاحتلال اكتسب غطاءً أيديولوجياً يصعب تفكيكهبالمفاوضات أو الضغط الدبلوماسي؛ لأن ما يُقدَّم على أنه " أمن قومي" يُعادإنتاجه في الوعي الصهيوني كـ "قدر تاريخي"،
فيتم ترجمة هذه العقيدة إلى خطوات ملموسة مثل: إعادةتسمية المستوطنات بأسماء توراتية، وإنشاء متاحف ومراكز دينية في مناطقحساسة مثل القدس والخليل، لتثبيت الهوية اليهودية على الأرض.
, وهذه الممارسات ليست مجرد أدوات رمزية، بل إعادة هندسة للذاكرةالمكانية تهدف إلى محو الرواية الفلسطينية واستبدالها بسردية دينية تمنحالوجود الصهيوني طابعاً "أبدياً".
ومع مضيّ "الإحتلال" في فرض الوقائع على الأرض، يظهر واضحا أنالضمّ لم يعد مجرد سياسة توسعية، بل تحوّل إلى استراتيجية وجودية تُعيدتعريف معنى الدولة والحدود والسيادة في الشرق الأوسط.
ان ما يجري في الضفة الغربية ليس توسعًا جغرافيًا فحسب، بل إعادةهندسة للمنطقة العربية بأكملها تحت لافتة الأمن والتاريخ والدين.
وفي ظلّ انكفاء الإرادة الدولية وانشغال او غياب الارادة العربية والاسلاميةيرسم الاحتلال واقعًا أحادياً عنوانه: سيادة بلا حدود، واحتلال بلا نهاية وهي نقطة اللاعودة الى ما قبل عام 2000 وذلك للتهرب من كل استحقاقات اوسلو رغم هشاشتها بالنسبة للشعب الفلسطيني لكننا وكما يقول المثل
( رضينا بالهم والهم مش راضي فينا ) ...

