23
0
حوار علي مصطفى المِصْرَاِتي مع مالك بن نبي
مَلاَحِظٌ وتحقق وتبليغ

محمد مراح
الحلقة الأخيرة
• ما هو الكتاب الذي يشغلكم الآن؟
الكتاب الذي يشغلني الآن هو تتمة وإنهاء وإنجاز سلسلة المذكرات التي بدأتها بشاهد القرن.. والتي صدر منها الجزء الأول.. والثاني!
• إنها مذكرات أو ذكريات فريدة في باب التراجم الشخصية.. وتسجيل الرؤى والانطباعات لعصرك رائعة.. وكم تتوقعون أن تكون أجزاء الكتاب؟
أرجو أن تصدر منه الأجزاء الباقية أتوقع أن تكون خمسة أجزاء...
• وبهذه المناسبة عن معاناة الكتابة لديكم.. أنت كتبت غالب مؤلفاتكم بالفرنسية وتوالى على ترجمة مؤلفاتكم ونقلها إلى العربية أكثر من مترجم... منهم الأخ عبد الصبور شاهين وعمر كامل مسقاوي - وقنواتي وغيرهم... ترتاحون نفسياً أكثر إلى أية ترجمة.. بدون عواطف؟
لا شك أن الأخ عبد الصبور شاهين الذي أصبح شخصية بارزة في مجال الفكر العربي الإسلامي هو الذي فيما أعتقد يستطيع القيام بالترجمة بكل ما تقتضيه الترجمة من وفاء ودقة...
• وما سبب هذا فيما ترون؟
ربما هذا لأني عاشرته طويلاً وعاشرني طويلاً...
• هو أستاذ مصري أين كان تعارفكم به؟
نعم هو مصري متخرج من كلية دار العلوم وعاشرته طوال السنين التي عشتها في القاهرة كلاجئ سياسي أثناء الثورة الجزائرية.
ومن من الشخصيات الجزائرية في تاريخ الفكر تختارونها لنا كنموذج.. من التاريخ.. لا من المعاصرين؟
وهنا ضحك مالك.. وقال.. هنا تبتدئ المعركة كبيرة لو أقول كلمة.. سينطق الآخر التونسي ويحتج علي.. لأنني أعتز قبل كل شيء بابن خلدون.. فأجد التونسي والمصري وغيرهم يناقشونني.
• وهذا شأن الشخصيات العالمية العظيمة وقصة النزاع على ابن منظور تمثل هذا وسواء كان تونسياً أو مصرياً.. أو غيره فهو موطن اعتزاز للجميع... لدينا الفكر.
وعلى ذكر هذا.. أستاذنا مالك أنت تعلم أن ابن خلدون خرج مغاضباً عن محيطه آنذاك ولولا الصراع الفكري.. وعناية مصر به بعد صراعه مع فقهاء مجتمعه لما وجد الرعاية والعناية. لقد أعطته مصر القضاء وأولته المناصب.. ونَمَّت فيه روح العبقرية الموجودة لديه.. لو عاش في محيط ضيق.. لضاع...
الحقيقة هكذا.. شأن العظماء.. وشأن مصر مع العظماء.. أن تفسح المجال لكل عملاق مثل ابن خلدون المغربي على الأقل حتى لا ندخل في نقاش.. ومثل عناية مصر بالعز بن عبد السلام الدمشقي.
• أستاذ.. وماذا تقرأون من كتب الآن ما هو الكتاب الذي فرغتم منه هذا الأسبوع أو هذا الشهر؟
عادة.. أنا أتقيد بعادة أثناء سفري.. لا أقرأ.. أكتب ولا أقرأ.. أثناء السفر والرحلات..
• وماذا أنتجت أثناء سفرك هذا؟
"المسلم في عالم الاقتصاد" هذا كتاب، و"رسالة دور المسلم في الثلث الأخير من القرن العشرين" وكتاب يقدم الآن للطبع بعنوان «مجالس دمشق».
• لعلك تقصد محاضراتكم وأحاديثكم في دمشق؟
نعم محاضراتي الأخيرة لأني قضيت بدمشق ثلاثة أشهر وبفضل الإخوان الكرام من المستمعين قاموا بتسجيلها أولاً.. وكتابتها ونقلها وهم يقدمونها الآن للطبع تحت عنوان "مجالس دمشق" هذا عملي في التنقلات.. لا أقرأ...
• وماذا تطالعون في بيتك في هذه الفترة؟
أما في بيتي بالجزائر بدأت الآن في السنوات الأخيرة خصوصاً بعد تسريحي وتخلصي من المسؤوليات الإدارية بدأت في الحقيقة أكرس وقتي للاطلاع على التراث الإسلامي.. لأني كنت أعاني شيئاً من عدم الاطلاع أو النقص في هذه الناحية.
• لكثرة المشاغل والمشاكل من ناحية أو لحاجز اللغة قبل إتقانكم لها؟
كثرة المشاغل.. ولأني في الحقيقة كان تكويني الثقافي غربياً، أجنبياً كله فأردت إلى حد ما أن أكتمل بتحصيلي على جانب من التراث الإسلامي باللغة العربية.. والحمد لله الآن اطلعت على الكثير...
• أستاذ.. أنت قابلت الكثير من الشخصيات التي في دست الحكم في عالم الشرق.. والغرب.. رأيتم ماوتسي تونغ باختصار ما رأيكم في ماوتسي تونغ؟
كل إنسان يجب أن يكون معجباً بهذا الرجل من ناحية كونه ضحى في سبيل أمته ووطنه بكل ما يستطع أن يضحي به إنسان.. الرجل كرس كل حياته لوطنه.. ونحن عند زيارتنا له كوفد جزائري إلى الصين عام 1964م وضعوا لنا برنامجاً لزيارة الأماكن التي نشأت فيها حركته وأحسن أن نقول التي نشأ فيها كرجل سياسة.. مثلاً المكان الذي كان ينام فيه.. أول مدرسة أسست في - كابتون - أعتقد لنشر دعوته.. الخ ثم الزائر الذي يلتقي به يجد رجلاً في منتهى التواضع حتى القضايا التي قد تفوت الإنسان العادي في بلاده.. لأن الإنسان قلما ينتبه لما يدور حوله بينما ينتبه لكل ما جد.. وند.. بعيداً عنه فهو يهتم بكل شيء.. هذا ما رأيناه!
• ما هي هوايتكم.. حتى لا نجعل الحوار كله من طابع واحد.. هل تمارسون الرياضة.. أم السباحة أم تستمعون للموسيقى والطرب أوقات الفراغ؟
الاستماع إلى تجويد القرآن.. هو هوايتي.
• هل استمعت إلى أم كلثوم أو مطرب آخر؟
وسكت.. ولم يرد.. وكرر...
هوايتي أن أستمع إلى تجويد آيات الذكر الحكيم وأحياناً أستمع لموسيقى ذات الطابع الديني حتى من الفن الأجنبي.. قد تكون موسيقى تراتيل الكنيسة فيها أنغام موسيقية!
• ما هي أمنيتكم لعالمنا العربي الإسلامي المعاصر هذا العالم المضطرب ماذا تتمنى له كمفكر له منهج؟
أمنيتي هو أن يستعيد الشعور برسالة تنسجم مع المرحلة التاريخية التي تمر بها الإنسانية كما ننسجم مع ضرورته هي.. من ناحية نراه مضطراً إلى أن يعود إلى دورة حضارية جديدة أو يستعيد مركزه الحضاري كما كان لآبائه أثناء قرون الازدهار.. هذا من ناحية وهذا بداية رسالة.. شعور برسالته تبدأ كهذا.. ثم.. ربما.. سيكتشف أن العالم هذا.. العالم المضطرب هذا العالم الذي تكدست تحت يده أكوام من الأشياء الضخمة من صواريخ.. ومن قنابل ذرية.. ومن إمكانيات كبرى.. لا تعد ولا تحصى.
هذا العالم فقير روحياً.. ولعل دور المسلم يكون بالنسبة إليه أن يشبع أو يروي هذا الظمأ الروحي على شرط.. أن يتحقق الشرط الأول وهو أن المسلم يكون في نظره هو الرجل الذي يستحق كل التقدير...
+1
أعني الرجل المتحضر..
ولو لم يملك صاروخاً.. ولو لم يملك قنبلة ذرية ولكن إذا تم الشرط الأول.. إذا تحقق الشرط الأول.. وعاد المسلم كإنسان متحضر لحلبة التاريخ فإنه فعلاً يستطيع القيام بدور تخليص الإنسان المتحضر من ربقة المادية..
• وماذا تقصد بالربقة المادية؟
ولما نقول من ربقة المادية نعني بكل دقة الأزمة النفسية الخطيرة التي يعيش فيها الآن الإنسان المتحضر بحيث هو يفرج عن نفسه بطرق غير مشروعة مثلاً.. تناول المخدرات.. مثلاً الانتحار...
• هذا من دوافعه القلق والغربة النفسية؟
نعم كما أشرت يا أستاذ هو القلق والغربة النفسية! فهذا الوضع الإنساني العالمي ربما يوجد السبيل للمسلم ورسالته.. على شرط.. وأكرر هذا.. أن يعود المسلم إلى مستواه الحضاري.. ربما يمهد له السبيل أن يكون منقذاً فعلاً.. ويجعل الآخرين يتقبلون دوره كمنقذ.. كما كان المسلم الحضاري..
• أستاذ مالك كتبتم بعد مؤتمر باندونج 1955م كتابكم الذي يحمل فكرة الآسيوية الفكرية وطلع علينا تعبيركم الشهير - من جاكارتا إلى طنجة.. لو أتيح لكم أن تعدلوا الكتاب أو تطبعوه مراراً أخرى هل ترون إضافة شيء آخر إليه.. أم نظريتكم في كتابكم.. هي.. هي! وما هو الجديد؟
المؤتمر كتبت عنه ولم أحضره.. والكتاب ربما أعدل فيه بعض الأشياء أوحت بها المرحلة التي كنا نمر بها... وكان لزاماً علينا أن نشيد بدور الهند في تلك المرحلة التي تسمى مرحلة عدم الانحياز الذي كان بالنسبة إلى العالم الثالث الذي كان محور التفكير خصوصاً التفكير السياسي.
. الهند مسخت بعض مواقفها من جاراتها!
هذا ما يبدو لي الآن بحيث لو أعدت النظر في الكتاب فربما غيرت بعض تعابير خصوصاً فيما يسمى عدم العنف لأني ما وجدت عنفاً ممارساً كعنف أنديرا غاندي!
• تعني ابنة نهرو.. المناضل.. وربيبة غاندي! لقد أخذت أسلوب العنف!
هي في نظري زميلة جولدا ماير.
• تقصد إنها سلكت منهجاً غير منهج والدها وأستاذها غاندي!
أستاذ ما هي نصيحتكم لشباب ليبيا ولكم هنا تلامذة.. وطلاب وقراء.. وحواريون؟
في ليبيا لنا أخوان كرام وأعتز بإخواننا الليبيين سواء الشباب منهم.. أو الذين من جيلنا..
أقول هذا لا مداهنة.. إنما إخلاصاً لحقيقة لأنني ألمس في الشعب الليبي حقيقة تسرني وأؤكد أنها تسر كل عربي. هي.. أصالة الشعب.. نظافة الشعب.. وهذا ما يهمني...
• شكراً.. وبارك الله فيكم.. وما هي وجهتكم الآن؟
باريس
•حضور مؤتمر أم مهمة علمية؟
أنا ذاهب لمهمة عائلية من أجل بنتي الصغيرة التي حجت معي هذه السنة كي أقدمها لكشف طبي.. وأنا رزقت بها وبأختها على كبر وتقدم في العمر.. فلذة كبدي.. ها هي أمامك!
• وما اسمها؟
رحمة.. أليس جميلاً.. حلواً.. اسم رحمة.. هي رحمة من الله..
• من مواليد أي عام أستاذ مالك؟
أنا من مواليد عام 1905 بقسنطينة بالجزائر.. كما أثبت هذا في ذكرياتي في «شاهد القرن».
شكراً يا أستاذ.. وبارك الله فيكم، ومضى الأستاذ في بسمة المؤمن... مودعاً في هدوء واعتزاز.. وكان الحوار والوداع الأخير...

