283

0

"حاسي القارة بالمنيعة: الثقافة تزين يناير وترسخ الهوية الوطنية"

الفضاءات الجوارية تتحول من مرافق خدماتية إلى أدوات لصناعة الوعي وترسيخ الهوية الوطنية

بواسطة: بركة نيوز

لم يعد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية "يناير" في حاسي القارة فعلاً فولكلورياً معزولاً عن سياقه الاجتماعي، بل أصبح مؤشراً على تحوّل عميق في مقاربة الفعل الثقافي محلياً، حيث انتقلت الثقافة من الهامش إلى قلب الفضاء العمومي، ومن الطابع المناسباتي إلى وظيفة اجتماعية ذات أبعاد تربوية وهوياتية واضحة.

الهوصاوي لحسن

التظاهرة التي احتضنها المركب الرياضي الجواري "نفنوف بن عبد النبي" بولاية المنيعة، لم تُقرأ فقط من زاوية الاحتفال، بل كانت رسالة مفادها أن الهوية الوطنية تُبنى بالفعل الجماعي، وباستثمار الفضاءات القريبة من المواطن. فالحدث عكس وعياً متنامياً بأهمية إعادة توظيف الهياكل الجوارية وتحويلها إلى منصات للتلاقي الثقافي والاجتماعي، بعيداً عن حصرها في أدوارها التقليدية.

في هذا السياق، برزت مسابقة الأكلة الشعبية كأحد أبرز تعبيرات الذاكرة الجماعية، حيث لم يكن الطبخ غاية في حد ذاته، بل وسيلة رمزية لاستحضار تاريخ مشترك ونقل عادات ضاربة في العمق الثقافي الجزائري. فالمطبخ التقليدي، بما يحمله من قيم التضامن والتكافل، شكّل مدخلاً عملياً لربط الماضي بالحاضر، في زمن تتعرض فيه الخصوصيات الثقافية لضغوط العولمة.

 

كما أضفت العروض الفنية، من أزياء تقليدية ولوحات تراثية وأغانٍ شعبية، بعداً جمالياً على التظاهرة، لكنها في جوهرها كانت إعلاناً صريحاً عن أن التراث ليس مجرد أرشيف جامد، بل مادة حية قابلة للتجدد وإعادة القراءة. هذا التفاعل بين الأصالة والتعبير المعاصر منح الاحتفال بعداً رمزياً يؤكد أن صون الهوية لا يتحقق بالانغلاق، بل بالانخراط الواعي في الحاضر.

ولم يكن الحضور اللافت للأطفال تفصيلاً ثانوياً، بل اختياراً استراتيجياً يعكس إدراك المنظمين بأن ترسيخ الوعي الثقافي يبدأ من سن مبكرة. فالأنشطة الترفيهية الهادفة والأناشيد الموجهة حملت رسالة واضحة: الاستثمار في الطفولة هو استثمار في استدامة الهوية الوطنية.

وتندرج هذه المبادرة ضمن رؤية أشمل تهدف إلى تعزيز الدور الاجتماعي للمركبات الرياضية الجوارية، كما أكد مدير المركب، الزوبير معراج، الذي شدد على أن احتضان المناسبات الوطنية والثقافية يندرج ضمن مقاربة قاعدية تسعى إلى خدمة المجتمع وتعزيز روح الانتماء. في حين أوضحت الإطار بالمركب، بكاي يمينة، أن نجاح التظاهرة كان ثمرة تنسيق فعّال بين مختلف الفاعلين الجمعويين، ما يعكس نضج التجربة التشاركية محلياً.

وقد لقي هذا الحدث استحساناً واسعاً لدى سكان حاسي القارة، الذين رأوا فيه نموذجاً عملياً لكيفية توظيف الثقافة كأداة لبناء التماسك الاجتماعي، وتعزيز المشاركة المواطنة، وصون التراث اللامادي بعيداً عن المقاربات الشكلية.

بهذا المعنى، يثبت احتفال يناير في حاسي القارة أن الثقافة، حين تُدار برؤية واعية وتُنزل إلى الميدان، تتحول من نشاط رمزي إلى قوة ناعمة فاعلة، قادرة على إعادة بناء العلاقة بين المواطن وذاكرته الجماعية، وترسيخ قناعة راسخة بأن الهوية الوطنية مشروع يومي، لا مناسبة عابرة.

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services