1384

0

جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر: من عنف التأسيس إلى مسؤولية لا تسقط بالتقادم

قراءة في العدد 42 من مجلة الفكر البرلماني

بواسطة: بركة نيوز


بقلم الحاج بن معمر 
لا يمكن التعامل مع العدد الثاني والأربعين من مجلة الفكر البرلماني بوصفه إصدارًا دوريًا عاديًا، ولا كمجرد مساهمة معرفية في حقل الدراسات التاريخية، بل هو وثيقة فكرية وقانونية مركّبة، تندرج ضمن مسار وطني متكامل يسعى إلى إعادة تفكيك ملف جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، لا باعتباره ماضيًا منتهيًا، بل باعتباره جريمة تاريخية ممتدة، ذات آثار قانونية، إنسانية، وبيئية لا تزال قائمة إلى اليوم.

فهذا العدد، الصادر عن مؤسسة دستورية هي مجلس الأمة، يكتسب رمزية مضاعفة، لأنه يرفع ملف الذاكرة من مستوى السرد التاريخي إلى مستوى النقاش المؤسسي والقانوني، ويضعه في قلب سؤال العدالة الدولية والمسؤولية غير القابلة للتقادم.
ينطلق العدد من توطئة إبستيمولوجية للبروفيسورمخلوف ساحل، رئيس ديوان رئيس مجلس الأمة، لا تكتفي بتقديم الموضوع، بل تؤسس لإطار مفاهيمي صارم، يعيد مساءلة المدلول الإيتيمولوجي لجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر. فالمقاربة هنا لا تتعامل مع الاستعمار كحدث سياسي عابر أو تجربة تاريخية منتهية، بل كنظام عنف متكامل، قائم على الإخضاع الممنهج، ونفي الآخر، وتدمير شروط الوجود المادي والرمزي للشعب الجزائري.

هذا التفكيك المفاهيمي يكتسي أهمية بالغة، لأنه يحرر مفهوم “الجريمة الاستعمارية” من التوظيف الخطابي أو الانفعالي، ويضعه ضمن سياق معرفي وقانوني يسمح بإدانته على أسس علمية دقيقة.
وفي امتداد لهذا التأسيس النظري، يقدّم المحور الأول من العدد قراءة تاريخية موثّقة لجرائم الاحتلال الفرنسي في الجزائر، من خلال مقاربة شاملة تبرز أن الاستعمار لم يكن مجرد احتلال عسكري للأرض، بل مشروعًا كاملاً لإعادة هندسة المجتمع الجزائري بالقوة.

ففي دراسة الأستاذ الدكتور زغيدي محمد لحسن، منسق اللجنة الوطنية للتاريخ والذاكرة، تتجلى صورة الاستعمار كعنف شامل استهدف الإنسان والأرض معًا خلال الفترة الممتدة من 1830 إلى 1962،  فالقتل الجماعي، التهجير، مصادرة الأراضي، تدمير القرى، وسياسات الإفقار الممنهج، ليست أحداثًا متفرقة، بل حلقات في سلسلة واحدة، هدفها اقتلاع الجزائري من مجاله الحيوي، وتحويله إلى كائن منزوع السيادة والكرامة.
ويتعمق هذا البعد الاجتماعي في مساهمة الأستاذ والباحث محمد ياحي المجاجي، الذي يسلط الضوء على الجرائم الاستعمارية في بعدها الاجتماعي، مبرزًا دورها في تفتيت بنية المجتمع الجزائري،  فالاستعمار الفرنسي لم يكتف بالقمع العسكري، بل سعى إلى ضرب الروابط الاجتماعية، وتفكيك البنى التقليدية، وإعادة تشكيل المجتمع على أسس تخدم الهيمنة الاستعمارية. لقد كانت المدرسة، والإدارة، والمدينة الاستعمارية، أدوات لإعادة إنتاج التبعية، وإقصاء الأغلبية الجزائرية من المجال العام، في عملية تفكيك ممنهجة للهوية الجماعية.
غير أن أخطر أوجه الاستعمار، كما يكشفه الدكتورجلة سماعني، يتمثل في الإبادة النفسية،  فالعنف الاستعماري لم يستهدف الجسد فقط، بل استهدف الوعي، والذاكرة، والصورة الذاتية للجزائري. من خلال سياسات الإرهاب النفسي، والإذلال، ونزع الإنسانية، سعى الاستعمار إلى تدمير الذات الجزائرية، وتحويل الخضوع إلى حالة نفسية دائمة،  هذه المقاربة تفتح أفقًا جديدًا لفهم الاستعمار بوصفه جريمة مركّبة، لا تكتمل آثارها بانتهاء الاحتلال العسكري، بل تستمر في الذاكرة الجماعية، وفي آثار الصدمة النفسية العابرة للأجيال.
وينتقل العدد في محوره الثاني إلى مستوى أكثر حساسية وتعقيدًا، وهو مستوى القانون الدولي،  هنا تخرج الذاكرة من فضاء السرد إلى فضاء المساءلة،  فمساهمة الأستاذة الدكتورة فايزة مدافر تطرح إشكالية جوهرية تتعلق بإمكانية بناء نموذج قانوني عالمي لمساءلة الدول عن جرائم الاستعمار، متخذة الحالة الجزائرية نموذجًا دالًا.

هذه المقاربة لا تنطلق من فراغ، بل تستند إلى تطور القانون الدولي الجنائي، وإلى مبادئ عدم تقادم الجرائم ضد الإنسانية، ما يجعل من الجرائم الاستعمارية موضوعًا قانونيًا قابلًا للملاحقة، وليس مجرد شأن أخلاقي أو تاريخي.
ويعزز هذا الطرح ما يقدمه الدكتور قريدي سامي، الذي يعالج الجرائم الاستعمارية في الجزائر من منظور القانون الدولي، مؤكدًا أن هذه الجرائم تندرج ضمن أخطر الانتهاكات الجسيمة، وأن غياب المساءلة لا يعني انتفاء المسؤولية،  فالقانون الدولي، وإن كان قد تطور في سياقات لاحقة، إلا أن مبادئه الجوهرية المتعلقة بحماية الإنسان، وعدم جواز الإبادة، تشكل أساسًا قانونيًا يمكن الارتكاز عليه في المطالبة بالاعتراف والمسؤولية.
ويبلغ النقاش ذروته في المحور الثالث، الذي يربط بين ضرورة الاعتراف الفرنسي الرسمي وحتمية المسؤولية الدولية غير القابلة للتقادم،  ففي هذا السياق، يؤكد الأستاذ الدكتور مروك نصر الدين أن جرائم فرنسا في الجزائر لا يمكن تبريرها بمفهوم التقادم، لأن الجرائم ضد الإنسانية، بحكم طبيعتها، تظل مفتوحة على المساءلة، ولا يكتفي هذا الطرح بالمطالبة الرمزية بالاعتراف، بل يربطها بمسؤوليات قانونية وأخلاقية واضحة، تتعلق بجبر الضرر، والاعتذار الرسمي، وفتح الأرشيف دون قيود.
وتكتسب هذه الإشكالية بعدًا أكثر إلحاحًا في مساهمة الأستاذة الدكتورة موالي أسماء، التي تتناول ملف الإبادة البيئية النووية في الصحراء الجزائرية، فالتجارب النووية الفرنسية ليست مجرد صفحة سوداء من الماضي، بل جريمة استعمارية مستمرة، لا تزال آثارها الصحية والبيئية قائمة إلى اليوم.

إن الحديث عن التقادم في هذا السياق يصبح ضربًا من الإنكار، لأن الجريمة لم تتوقف نتائجها، ولا يزال الإنسان والأرض يدفعان ثمنها،  ومن هنا، تتحول القضية النووية إلى اختبار حقيقي لمدى جدية المجتمع الدولي في تطبيق مبادئ العدالة والإنصاف.
ويُختتم العدد بمحور بصري توثيقي، يتمثل في معرض صور من أرشيف جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر، من مجازر 8 ماي 1945، إلى جرائم التنكيل بجثث الشهداء، وصولًا إلى التفجيرات النووية. هذا المحور لا يؤدي وظيفة جمالية أو توثيقية فقط، بل يتحول إلى خطاب إدانة بصري، حيث تصبح الصورة دليلًا تاريخيًا لا يقبل التشكيك، وذاكرةً ماديةً تقاوم محاولات الطمس والنسيان.
إن العدد 42 من مجلة الفكر البرلماني لا يستدعي الذاكرة من أجل البكاء على الأطلال، ولا يوظف التاريخ لأغراض خطابية ظرفية، بل يسعى إلى بناء وعي وطني وقانوني جديد بجرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر،  وعيٌ يدرك أن العدالة التاريخية لا تتحقق بالصمت، وأن الاعتراف ليس منّة، بل التزام قانوني وأخلاقي. وهو عدد يؤكد أن الاستعمار، مهما حاولت بعض الخطابات تبييض صورته، يظل جريمة بنيوية، وأن الذاكرة، حين تُسلّح بالمعرفة والقانون، تتحول من عبء إلى أداة مطالبة، ومن جرح مفتوح إلى قوة أخلاقية وسياسية.
بهذا المعنى، لا يمثل هذا العدد مجرد إضافة إلى رصيد المجلة، بل يشكل لبنة أساسية في معركة الذاكرة والعدالة، ويؤكد أن جرائم الاستعمار الفرنسي في الجزائر ليست شأنًا من شؤون الماضي، بل قضية حاضرة، ومسؤولية دولية، وحقًا لا يسقط بالتقادم.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services