24

0

جمال أبو الجديان... حين يرحل الجسد وتبقى القامة بقلم: سامي إبراهيم فودة

 
 
هناك رجال يمرّون في الحياة كأسماءٍ عابرة، وهناك رجال يتحولون إلى علاماتٍ فارقة في ذاكرة الشعوب، وإلى محطاتٍ لا يمكن تجاوزها مهما امتد الزمن وتعاقبت الأجيال.
 
ومن بين أولئك الذين تركوا بصمتهم في الوجدان الوطني، يبرز اسم القائد الشهيد جمال أبو الجديان "أبو ماهر" كواحد من الرجال الذين صنعوا حضورهم بالفعل قبل القول، وبالعطاء قبل الظهور، وبالوفاء قبل كل شيء.
 
لم يكن قائداً يبحث عن الأضواء، بل كان ضوءاً يهتدي به الآخرون. ولم يكن صاحب موقع تنظيمي فحسب، بل كان مدرسةً في الالتزام والانتماء والمسؤولية الوطنية. حمل الوطن في قلبه قبل أن يحمله في موقعه، وعاش قضايا الناس وهمومهم اليومية كما يعيش الإنسان نبضه وأنفاسه.
 
وفي زمنٍ امتلأ بالمحن والعواصف، ظل ثابتاً كجذع زيتونةٍ فلسطينيةٍ عتيقة، تضرب جذورها عميقاً في الأرض، وترفع أغصانها نحو السماء. كان من أولئك الرجال الذين لا تزلزلهم الأحداث، ولا تكسرهم الأزمات، لأنهم يؤمنون أن الوطن أكبر من الأشخاص، وأن القضية أكبر من المصالح الضيقة والحسابات العابرة.
 
جاءت السنوات الأخيرة مثقلةً بالوجع الفلسطيني، حافلةً بالمآسي والدمار والدماء، لكنها كشفت أيضاً معادن الرجال الحقيقيين. وفي تلك اللحظات القاسية برزت قيمة القائد الذي لا يتخلى عن شعبه، ولا يغادر ميدانه، ولا يساوم على مبادئه مهما اشتدت العواصف. فكان الشهيد جمال أبو الجديان واحداً من أولئك الذين بقوا أوفياء حتى اللحظة الأخيرة، مؤمنين بأن الكرامة الوطنية لا تُشترى ولا تُباع.
 
إن عظمة بعض الرجال لا تُقاس بعدد السنوات التي عاشوها، بل بالأثر الذي يتركونه وراءهم. والأثر الذي تركه أبو ماهر لا يزال حاضراً في ذاكرة رفاقه ومحبيه وكل من عرفه عن قرب. حضوره لم يكن حضوراً عابراً، بل كان حضوراً إنسانياً ووطنياً عميقاً، ترك في النفوس احتراماً لا يزول، وفي القلوب محبةً لا تنطفئ.
 
وحين نستذكر الشهداء الكبار، فإننا لا نستحضر الموت، بل نستحضر المعنى الذي انتصر على الموت. نستحضر القيم التي عاشوا من أجلها، والمبادئ التي تمسكوا بها، والطريق الذي رسموه للأجيال القادمة. ولذلك يبقى أمثال جمال أبو الجديان أحياء في وجدان شعبهم، لأن الرجال العظام لا تغيبهم المقابر، بل تخلدهم المواقف.
 
سلامٌ على روحه الطاهرة يوم حمل هموم وطنه، ويوم واجه المحن بشجاعة المؤمنين، ويوم ارتقى شاهداً على واحدةٍ من أكثر مراحل التاريخ الفلسطيني قسوةً وإيلاماً.
 
والمجد كل المجد لشهداء فلسطين الأبرار، الذين كتبوا بدمائهم فصول الكرامة، وتركوا للأحياء وصية الصمود والوفاء والانتماء.
 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services