24
0
جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي... الجزء 2

حاوره : إبراهيم عاصي *
تبليغ و تعليق
محمد مراح
(كلمة)
(جلسة مفتوحة) ،حوار على السجية مع المفكر الإسلامي الجزائري المعروف ، مالك بن نبي . وأقول على (السجية) لأن اللقاء لم يكن مرتباً من قبل ، كما أن الأسئلة بالتالي لم تكن محضرة مسبقاً .. وبهذا يكون من الطبيعي أن تأتي الأجوبة كذلك ..
وأسميتها (جلسة مفتوحة) ، لأنهاكانت بالفعل هكذا . لقد ضمت جلستنا ـ وعلى الأصح جلساتنا ـ عدداً غير قليل من المستطلعين والمثقفين والمناقشين . فكانت أشبه بندوات فكرية ، وإن كانت على نطاق مصغر .
كما أنني أردت من هذه التسمية شيئاً آخر ، هو المعارضة لجلسة لي سابقة أجريتها مع نمط معين من (محترفي) الدين ، وأسميتها (جلسة مغلقة) ، صغتها قصة ونشرتها في مجموعتي القصصية (ولهان والمتفرسون) ، وقد آتت أكلها ثماراً طيبة مشجعة والحمد لله ، بما أحدثته من ردود فعل إيجابية ، إن لم أقل عند (المشايخ) المعنيين أنفسهم ، فعند عدد غير قليل من مريديهم الذين رأوا الحق فأخذوا يتبعونه .
وليس قصدي بالطبع من التسمية الجديدة ، المعارضة لوجه المعارضة ! وإنما القصد أن أربط في ذهن القارئ شيئاً بشيء ، ولو من قبيل الربط الضدي ، أو الربط بالتداعي .
في (جلسة مغلقة) كان الحوار مع شيخ (نمط) ، شيخ محترف ،سطحي ، مغلق ، يؤثر الظلمة ،يخاف نور الفكر والعقل أن يسلط على أفعاله وأقواله ليناقشه الحساب ! يحيط نفسه بهالة و(هيلمان) ما أنزل الله بهما من سلطان ويضع نفسه في مصاف الرسل والأنبياء تصريحاً أو تلميحاً !!
أما في (جلستنا المفتوحة) هذه ، فلسوف تجد نفسك أمام نمط آخر مختلف كل الاختلاف .. نمط يتميز بعمق الثقافة ، وسعة الأفق .. نمط يعيش الإسلام ماضياً وحاضراً ومستقبلاً .. ويعيش العصر بأبعاده المختلفة : اجتماعياً واقتصادياً ، ومذهبياً .
ومن هنا .. ولأن الرجل كذلك ، فلسوف تجدني في هذه الجلسة المفتوحة ، مختلفاً عني في الجلسة المغلقة اختلافاً كبيراً !!
في (المغلقة) ، كنت مناقشاً ومحاجاً ، وكاشفاً لزيف ، ومصححاً لخطأ .
أما في (المفتوحة) ، فستجدني : مستمعاً ، أكتفي بإثارة الأفكار ، أحرص على تفتيق ملكات الذهن ومذخوراته أنصت إلى الاستطراد ولو طال .. أسعى لسماع أكبر عدد ممكن من التحليلات والتعليلات .. أحاول سد ماقد يبدو لي بين الحين والآخر من ثغرات الحديث ، بمزيد من الأسئلة .
وليس هذا المسلك بالذي يعني ، أن كلام الرجل له امتياز العصمة ، فهو فوق النقاش !! لا ، لا .. إن العصمة لله وحده ثم لأنبيائه فيما بلّغوا من رسالات ..
كل ما يعنيه هذا المسلك مني ، هو الارتياح العام إلى منطق الرجل ، والإحساس بقصر الوقت معه ، والحرص على الاستفادة منه باستقراء فكره ورأيه عياناً من خلال أكبر عدد ممكن من الأجوبة والتفسيرات .
وفيما يلي ، وقبل عرض الحوار سيجد القارئ وصفاً خارجياً مختصراً ، ثم وصفاً آخر لطريقته في التفكير وأسلوبه في استنباط الأحكام والتفسير ، كما بدوا لي من خلال اللقاءات التي جمعتنا . أردت من ذلك أن تأتي الصورة ، صورة الحديث والمحدّث ، متكاملة قدر المستطاع . والله ولي التوفيق .
براهيم عاصي
لقيته أول مرة على غير اتفاق في إحدى دور النشر في بيروت ، ثم توالت لقاءاتنا ، والتأم اثنان منها على شكل أمسيتين فكريتين استمرت كل منهما حتى منتصف الليل ، وقد ضمتا لفيفاً من المستطلعين والمثقفين .
لا أدري كيف يتصوره الذين يقرأون له ولم يسبق لهم أن شاهدوه !.
إنه رجل يميل في قامته إلى الطول ، غير بدين ، لم يكتمل الشيب في رأسه بعد وإن كان الوقار سمته .. رقيق الحاشية ، متوقد العينين يطل بهما من وراء نظارته الطبية .. بادي الاعتناء بهندامه إن لم نقل التأنق . وقد يكون مختلفاً في هذا من الكثيرين من أمثاله من كبار المفكرين الذين يهملون مظهرهم ـ في الغالب ـ وينسون شعورهم فتطول وتسترخي بداعي الالتفات إلى الأهم والاشتغال بالعلم أو الفن الذي وقفوا أنفسهم من أجله !!
إذا تحدث انفعل هادئاً مع حديثه ، وبدا كمن يلد الأفكار أو يتمخض عنها ، إلا أن جوابه حاضر غير شرود إذ تكفيه الإطراقة الواحدة العجلى لدى مفاجأته بسؤال ما حتى يرفع وجهه إليك ثانية ويعطيك الجواب الفاصل .
يستخلص المعنى الكبير ، من المشهد الصغير ، بل يستخلص القانون العام من الحادثة العادية ، شأن أرخميدس الذي اكتشف قانونه العلمي الشهير من مشهد الطاسة التي طفت في جرن الحمام !
ومن هنا فإنك تلحظ كثرة ضربه الأمثلة والقصص التي يستحضرها للتو من ذاكرته ، ومعظمها مما مرّ معه وجرى له شخصياً .
إن الجالس إليه يحس مباشرة بأنه أمام مفكر كبير شمولي النظرة ، واسع التجربة ، عالمي الثقافة ، يشرف على الأمور والمشكلات إشرافاً ،يطل عليها من شاهق ولا ينظر إليها من جانب أو من تحت .. وهكذا يتاح له أن يحلل ويركب ، وأن يحيط بالكليات والجزئيات معاً ، وأن يربط الأسباب بالنتائج وأن يعطيك في النهاية الحكم السديد والرأي الناضج العميق الذي لا تحس معه بأية سطحية أو ابتسار .
لقد كتب عنه مرة أحد معارفه الأقربين فقال (1) : " ليس مالك أديباً أو كاتباً من أولئك الذين ينتجون بالقطعة أو بالمقالة ، وإنما هو يعيش مشكلة كلية ، تشمل عالم الإسلام طولاً وعرضاً وعمقاً . وهو من أشد الناس إيماناً بالعالم الإسلامي ، ومما ينطوي عليه من طاقات يمكن أن تسهم في حل مشكلاته ، وتحضير أرجائه ، وتطوير حضارة العالم بل إن العالم الإسلامي المعاصر لم يشهد وقف تفكيره من أجل تأصيل فكرة (الحضارة) في حياة المثقفين خاصة ، سوى مالك " . إن مجالس مالك ومحاوره ليحس بصدق هذا الوصف كلمة كلمة . وزيادة على ذلك فإن مالكاً يؤمن بالمنهج العلمي ويسترشد به في أحاديثه وأقواله . قال لنا في معرض كلامه عن تعريف العلم : العلم هو أن تقول إن 4 + 4 = 8 وكفى ! وإن هذا ليس بالأمر السهل ولا العادي كما قد يتبادر إلى أذهان بعض الناس ! ثم أضاف إنني ما زلت مديناً بهذا التفكير إلى أحد أساتذتي يوم كنت طالباً في باريس ، لقد عرف لنا العلم بقوله : العلم هو أن تقول عن القط هذا قط . دون أية زيادة أو نقصان .
شديد العناية والتدقيق على " المصطلح " فهو لا يسترسل معك في الإجابة على أي سؤال ، قبل أن يتفق معك على المدلول الموضوعي لكل كلمة مما تفوه به . وما ذلك إلا لاعتقاده ـ كما صرح ـ بأن عدم التحديد الدقيق لمدلول " المصطلح " هو الآفة الكبرى التي تعمل عملها في تزييف الأفكار وتضارب الآراء واختلاط المعاني بين المتحاورين أو المتصدين للتوجيه وقذف الكلام من فوق المنابر العامة أو من وراء الميكرفونات .
ومن هنا فإنه قلما يجيب على سؤال يكتنفه الغموض أيّ غموض في الصياغة أو اللفظ .. إنه لا يجيب عليه إلا بعد أن يصححه هو أو تصححه أنت بحيث يوضع في الصيغة الجامعة المانعة ! من ذلك مثلاً أنني طرحت عليه أحد أسئلتي بالصيغة التالية :
" هذا الانهيار الأخلاقي في بلادنا ما سببه ؟ وهل هو عرضي أم مقصود ؟ وهل جاء قبل أوانه ؟ "
فكان أول رده عليّ أن قال : الجزء الأول من سؤالك مفهوم ومحدد ، ولكن لماذا أضفت عبارة (جاء قبل أوانه) ؟ إن السؤال قد بدا لي بهذه الصيغة معقداً غير واضح !
فقلت له : لنحذف هذه العبارة ، لعلي تسرعت في استخدامها ، إذ أنني كنت أريد القول : " وهل كان لابد منه ولكنه جاء قبل أوانه ؟ "
عندها قال : الآن أصبح سؤالك محدداً ، ثم شرع في إعطائي الجواب .
نعم .. هكذا يبدو مالك بن نبي ، ذلك المفكر الجزائري ، العربي المسلم الفذ .. هكذا يبدو لمن يجالسه ويستمع له .. ولعله هكذا يبدو لمن يقرؤه من خلال كتبه الكثيرة (2) القيّمة التي أضافت إلى المكتبة العربية بخاصة ذخراً من العلم والفكر لا يقدر بثمن .
لقد كان الحوار معه ـ ولا سيما في الأمسيتين إياهما ـ مفيداً ، ودسماً ، وغنياً ، ولكم وددت لو أنني أتقن الاختزال الكتابي ، إذاً لقمت بنقل الفائدة كاملة للقارئ العربي .. ولكن كما تقول القاعدة الأصولية : (ما لا يدرك جُله ، لا يترك كله) ، وها أنا ذا أوافيه بأبرز ما دار بيننا من حوار ، أعني بأبرز ما أدلى به ـ حفظه الله ـ من آراء سديدة وأفكار قيمة خلال اللقاءات التي جمعتنا .
*هو الكاتب الأديب الداعية السوري المعتقل منذ عام 1979م، كان رائداً من رواد الأدب الإسلامي في سورية، فهو كاتب قصة بارع، يمتاز أسلوبه بالسخرية وخفة الظل، فضلاً عن ذلك هو مربٍ فاضل استطاع أن يتحدى ظروفه الصعبة، وأن يكون معلماً وقدوة لتلاميذه.
سجن في عهد حافظ الأسد عام 1979 ، وعذّ مفقودا منذ ذاك التاريخ .
مؤلفاته:
ترك عدداً من الكتب والقصص القصيرة، وقد أثنى على إنتاجه الفني القاص الدكتور عبد السلام العجيلي، والناقد الدكتور عماد الدين خليل.
وقد امتاز قلمه بالسخرية البارعة الهادفة.. ومن أبرز كتبه 1- سلة الرمّان 2- ولهان والمتفرسون 3- حادثة في شارع الحرية: 5- همسة في أذن حواء: 6- جلسة مفتوحة مع مالك بن نبي: كتيّب صغير يصوّر فيه الأستاذ إبراهيم مقابلة مع المفكر الجزائري المسلم مالك بن نبي - رحمه الله تعالى

