21
0
غزة حليب الآلام: حين يصبح الألم لغة الحياة ..
قراءة في كتاب علي أبو ياسين
بقلم: رانية فؤاد مرجية
ليس كل ما كُتب عن الحرب يصلح لأن يُقرأ بوصفه أدبًا. في «غزة حليب الآلام»، لا تُقدَّم الحرب كحدث خارجي، بل كحياة تُعاد كتابتها من داخل الانكسار نفسه، حيث يصبح الإنسان مادة السرد الأساسية، لا مجرد ضحية في خلفيته.
هذا الكتاب لا يضيف وثيقة جديدة إلى أرشيف الحرب، بل يطرح سؤالًا أعمق: كيف يمكن للإنسان أن يُروى وهو يُمحى في اللحظة نفسها؟
العنوان وبداية الدلالة
يحمل عنوان «غزة حليب الآلام» مفارقة حادة بين ما يرتبط بالحياة (الحليب) وما يرتبط بالألم. هذا التوتر ليس زخرفًا لغويًا، بل مفتاحًا لفهم العالم الذي يبنيه النص؛ عالم لم تعد فيه الحياة منفصلة عن الألم، بل مشروطة به.
السرد من الداخل
يكتب علي أبو ياسين الحرب من داخلها، لا من خارجها. الشخصيات لا تظهر كرموز أو نماذج جاهزة، بل ككائنات عالقة داخل تفاصيل يومية محاصرة بالخطر.
اللغة في النص لا تسعى إلى التجميل أو التفسير الكامل، بل تقترب من الشهادة، وكأنها تكتب ما يحدث وهي داخله، لا بعده. وهذا ما يمنح السرد صدقه وقوته.
الشخصيات والذاكرة
في قصة «كوال»، نلتقي بشاب عادي يعيش حياة بسيطة: يعمل، يضحك، يتحرك داخل الحارة كجزء من نسيجها اليومي. هذه العادية هي ما يمنحه ثقلًا إنسانيًا خاصًا.
لكن موته لا ينهي حضوره. بل يبدأ حضوره الحقيقي داخل ذاكرة من حوله: الأم التي ترفض تصديق الغياب، الحبيبة التي تتمسك بظله، والأب الذي ينكفئ في صمت طويل. يتحول الغياب هنا إلى شكل آخر من الحضور.
الحزن بأشكاله المختلفة
لا يقدم النص الحزن بوصفه شعورًا واحدًا، بل كحالات متعددة.
الأم تعيش إنكارًا ممتدًا، وكأنها تعيد بناء حضور الابن عبر الذاكرة.
الأب، في المقابل، ينسحب إلى صمت كثيف، يبدو فيه الحزن أقل صخبًا وأكثر عمقًا.
هذا التباين يكشف أن الفقد لا يُعاش بطريقة واحدة، بل يتشكل حسب كل وعي وتجربة.
«أم بدر» وانهيار الحياة اليومية
في قصة «أم بدر»، يبدأ السرد من حدث بسيط: شاب يخرج لجلب الخبز. لكن هذا الفعل اليومي ينقلب سريعًا إلى مأساة تكشف تفكك الحياة نفسها.
مشهد العثور على الجثة لا يُقدَّم بوصفه صدمة فقط، بل كعلامة على غياب الحماية الإنسانية. وفي هذا السياق، يصبح الجسد مكشوفًا أمام عالم فقد توازنه الأخلاقي.
السرد بين الشهادة والمشهد
يميل النص إلى بناء مشاهد مكثفة وحوارات مشحونة، تحمل أثرًا مسرحيًا واضحًا. لكنه لا يغلق التجربة داخل شكل فني محدد، بل يبقيها قريبة من الشهادة المباشرة.
وهكذا يتقاطع السرد بين كونه نقلًا للواقع، وكونه إعادة تشكيل له داخل اللغة.
زمن لا يسمح بالحزن
يبدو الزمن داخل الكتاب مضغوطًا إلى درجة تمنع اكتمال الحداد. فالموت لا يأتي كحدث منفصل، بل كحالة متكررة تُربك الوعي وتمنعه من التثبيت أو الفهم الكامل.
في هذا السياق، يعيش الأفراد بين الإنكار والإدراك، بين محاولة التماسك واستحالة الاستمرار كما كان.
لا يقدّم «غزة حليب الآلام» الحرب كحدث خارجي، بل كتجربة تمسّ الإنسان في تفاصيله الأكثر هشاشة. قوته الأساسية أنه يعيد الإنسان إلى مركز السرد، في مواجهة عالم يحاول اختزاله باستمرار.
إنه نص لا يكتفي بوصف الألم، بل يحاول أن يمنح الإنسان حقه في أن يُرى، حتى وهو يُدفع إلى أقصى حدود الغياب.

