652
0
في رحاب الأسرة... القرآن ربيع القلوب
.jpg)
بقلم الأستاذ إسماعيل محمد
باحث في شؤون الأسرة
في زمنٍ مضى، كان القرآن الكريم روحَ البيوت ونبضَ القرى، وكانت الكتاتيب مناراتٍ يتلألأ فيها نور الوحي. هناك، حيث يجلس الصغار والبنات على حدٍّ سواء أمام ألواحهم الخشبية، يتلقّون كلام الله بخشوع، وينادون معلمهم بوقارٍ ومحبة: «سيدي».
يبدأ يومهم مع تباشير الفجر، في السادسة صباحًا، فتصدح الحناجر بتلاوةٍ عذبةٍ تمتد إلى السابعة والنصف، ثم ينطلقون إلى مدارسهم وقد ارتوت قلوبهم من معين القرآن.
كان يوم الخميس يومَ عرضٍ وحصاد؛ يقف التلميذ بين يدي شيخه، يقرأ ما حفظ، فإن أجاد أُذن له أن يخطّ ما بعده بالحبر الذي تُصنع دوايته بيد المعلم. وهكذا يمضي في طريق الحفظ حتى يُتمّ الختمة، فيرسم له الشيخ علامةَ فخرٍ ودلالةَ إنجاز. يحملها الطفل مزهوًّا، يطوف بها بيوت الأقارب والجيران، فيباركون له ويشجّعونه ببعض النقود، فتكون فرحته مضاعفة، وعزيمته أقوى على مواصلة الحفظ. وفي صباح الجمعة، يأتي كلٌّ بما تيسّر من إكرامية، في مشهدٍ مفعمٍ بالمحبة والتكافل، وأصوات الطلبة تتعالى بالتكرار في نغمةٍ جماعيةٍ تأسر القلوب.
إنها صورةٌ من الماضي الجميل، نستحضرها لنوقظ في نفوسنا معاني العظمة التي يحملها كتاب الله. قال تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ ۚ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ﴾ (فاطر: 29-30)،
وقال سبحانه: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَٰئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (البقرة: 121).
فالقرآن دستور المؤمن، ومنهاجه إلى الصلاح والفلاح، ونورٌ لا يخبو في دروب الحياة. والحمد لله الذي شرّفنا بالإسلام، وخصّنا بهذا الكتاب العظيم. وإننا اليوم نشهد بفضل الله صحوةً مباركة، إذ انتشرت الجمعيات القرآنية بأسلوبٍ أكاديميٍّ رصين، يشرف عليه مختصون من خريجي الجامعات الإسلامية، في تعليمٍ غالبُه مجانيٌّ أو برسومٍ رمزية، لا تثقل كاهل طالب علم.
وفي الجزائر وسائر البلاد العربية، تتجدد كل عام مسابقات حفظ القرآن الكريم، وتُكرَّم ثلّة الحفّاظ بجوائز قيّمة، ومكافآت معتبرة، ورحلات عمرة، في مشهدٍ يبعث على الفخر والرجاء. وما يزال عدد حفّاظ كتاب الله في ازديادٍ مطّرد، والحمد لله رب العالمين.
وها هو شهر رمضان يلوح في الأفق، شهر القرآن والرحمة، فلنسارع إلى تلاوته وتدبّره، ولنجعل منه أنيسًا لقلوبنا، وشفيعًا لنا يوم نلقى ربّنا. فطوبى لمن جعل القرآن رفيق دربه، ونال به التجارة التي لا تبور.
_____________________________

