50

0

فلسطين في عين العواصف... تقدير موقف وتحليل لمسارات البقاء والتحرر

بقلم: د. صلاح عبد العاطي

مدخل: بين خطر التفكك وفرصة إعادة التأسيس
تمر القضية الفلسطينية بمرحلة تحوّل بنيوي عميق، لم تعد فيه دولة الاحتلال تكتفي بإدارة الصراع، بل تعمل بصورة منهجية على إعادة تشكيل الجغرافيا والديموغرافيا والسيادة الفلسطينية. ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس ليس أحداثًا منفصلة، بل حلقات في استراتيجية مركّبة تستهدف تفكيك المشروع الوطني وتحويله من مشروع تحرر سياسي إلى قضية إنسانية مُدارة خارجيًا.
الخطر لم يعد محصورًا في استمرار الاحتلال، بل في اعتياد واقع التفكك بوصفه “الحد الممكن”، وفي انزلاق الفعل الوطني إلى إدارة الإغاثة بدل صناعة المسار السياسي. وعليه، يصبح السؤال المركزي: هل نواصل إدارة الخسائر، أم نعيد صياغة قواعد الاشتباك السياسية والاستراتيجية بما يمنع ضياع القضية ويؤسس لمرحلة جديدة؟
أولاً: اللحظة المفصلية – من إدارة الصراع إلى إعادة تشكيله
في غزة، يتكرّس نموذج الإبادة البطيئة: حصار شامل، تعطيل ممنهج للإغاثة، استهداف للبنية التحتية، انهيار للقطاع الصحي، واستخدام المساعدات كأداة ضغط سياسي وأمني. الخطر الأكبر لا يكمن فقط في ما وقع، بل في قابلية تكراره متى توفرت الذرائع أو تغيرت الحسابات الإقليمية. إن منع عودة الإبادة يتطلب تغيير قواعد الردع السياسي والدولي، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها الإنسانية.
في الضفة الغربية والقدس، يتسارع الضم الزاحف عبر توسيع الاستيطان، تقطيع الأوصال الجغرافية، تكريس نظام قانوني تمييزي، وتقليص صلاحيات السلطة إلى إدارة خدمات بلا سيادة. هذا المسار يستهدف إنهاء إمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة، وتحويل الحكم الذاتي إلى إطار إداري هش.
بالتوازي، تُطرح صيغ لإعادة هندسة غزة عبر “الإعمار مقابل الأمن”، أو إدارات انتقالية، أو مجالس سلام، بما قد يحوّل إعادة البناء إلى أداة لضبط سياسي طويل الأمد. الإعمار دون سيادة يُعيد إنتاج التبعية، ولا ينهي الاحتلال.
ثانياً: العواصف الخمس المحيطة بالقضية
1. عاصفة التغيير الإقليمي والدولي
النظام الدولي يعيش مرحلة انتقالية تتسم بتراجع فاعلية المؤسسات متعددة الأطراف، وصعود منطق الصفقات والمصالح البراغماتية. المقاربات الأمريكية السائدة تركز على التهدئة وإدارة الأزمة، لا على إنهاء الاحتلال. في الإقليم، تتقدم أولويات اقتصادية وأمنية على مركزية القضية الفلسطينية، ما يضعها في موقع ورقة تفاوضية ضمن توازنات أوسع.
2. عاصفة استمرار الإبادة واحتمالات توسعها في غزة
المعطيات تشير إلى نمط ممنهج من تدمير مقومات الحياة. استمرار هذا النمط دون ردع دولي يفتح الباب أمام سيناريوهات كارثية: توسيع التدمير، تهجير قسري مباشر أو غير مباشر، أو تحويل غزة إلى كيان معزول تحت إدارة أمنية–دولية طويلة الأمد.
3. عاصفة ضم الضفة الغربية والقدس
الضم بات مسارًا جاريًا، لا احتمالًا نظريًا. توسيع المستوطنات، ربطها ببنية تحتية متكاملة، تقطيع المجال الفلسطيني، وتسريع تهويد القدس، كلها خطوات تُعيد رسم الخريطة فعليًا. استمرار هذا المسار يعني تقويض أي أفق سياسي قائم على السيادة الفلسطينية.
4. عاصفة بقاء الانقسام وغياب القيادة الموحدة
هذه العاصفة هي الأخطر. فغياب قيادة وطنية موحدة وبرنامج سياسي جامع أدّى إلى:
ضعف الرد الرسمي والشعبي على الجرائم، خاصة في الضفة والقدس وداخل أراضي 48.
تراجع القدرة على تنظيم حراك شعبي شامل ومتدرج.
فقدان المبادرة السياسية لصالح ردود فعل متفرقة.
الفراغ القيادي لا يبقى فراغًا؛ بل تملؤه ترتيبات خارجية قد تُفرض باسم الاستقرار.
5. عاصفة إدارة الإبادة تحت وهم السلام
مبادرات مثل المجالس الانتقالية أو الإدارة الدولية المؤقتة قد تبدو تقنية، لكنها قد تؤسس لفصل غزة عن الضفة، وربط الإعمار بترتيبات أمنية طويلة الأمد، وخلق وجود أمني أجنبي دائم. وهكذا تتحول شعارات السلام إلى غطاء لإعادة إنتاج السيطرة بأدوات ناعمة.
ثالثاً: نقد ذاتي بنيوي – أزمة القيادة وإدارة اللحظة
إن استمرار الفشل القيادي والتردد في اتخاذ قرارات استراتيجية كبرى يشكل خطرًا وجوديًا. الخلل يتجلى في:
غياب إطار قيادي جامع يدير المواجهة.
ضعف الفعل الشعبي المنظم في مواجهة الجرائم اليومية.
الارتهان لأوهام استعادة دور السلطة أو إنهاء الاحتلال عبر مقاربات جزئية دون تغيير ميزان القوى.
غياب استراتيجية مقاومة متعددة الأدوات ومتكاملة.
المعركة الحالية معركة وجود، لا إدارة نفوذ أو تحسين شروط حكم ذاتي.
رابعاً: السيناريوهات الاستشرافية 
إدارة مُدوّلة للأزمة: تجميد طويل الأمد، مساعدات محدودة، إدارة خدمات دون حل سياسي، واستمرار الضم الزاحف.
تصعيد دوري منخفض الكثافة: جولات عسكرية متقطعة تستنزف المجتمع دون تغيير جذري.
إبادة موسعة وتهجير قسري: تدمير شامل ودفع السكان للنزوح الجماعي.
مواجهة إقليمية واسعة: انخراط أطراف إقليمية، مع كلفة بشرية ومادية مرتفعة.
إعادة تأسيس المشروع الوطني: إنهاء الانقسام، إعادة بناء المؤسسات، صياغة استراتيجية موحدة.
السيناريو الخامس هو الأقل احتمالًا في المدى القصير، لكنه الوحيد القادر على تغيير المسار التاريخي.
خامساً: المقاربة فوق الاستراتيجية – كيف نواجه العواصف؟
1. الانحناء للعاصفة دون الانكسار
في ظل اختلال ميزان القوى، قد تقتضي الحكمة السياسية الذهاب إلى أبعد نقطة ممكنة دبلوماسيًا لتفادي الكارثة، خاصة لمنع عودة الإبادة، مع الحفاظ على الثوابت الوطنية. التكتيك المرن ليس تنازلًا عن الهدف، بل حماية له.
2. حفظ السلاح ونزع الذرائع
صياغة مقاربة وطنية تضمن:
ضبط استخدام السلاح ضمن قرار وطني موحد.
حماية الجبهة الداخلية من الفوضى.
نزع الذرائع التي تُستخدم لتبرير العدوان أو التهجير.
المعادلة: الحفاظ على عناصر القوة، مع تجنب ما يمنح الاحتلال مبررًا لتوسيع جرائمه.
3. بناء حائط صد عربي ودولي وإنساني
يتطلب الأمر تحركًا متعدد المستويات:
تفعيل المساءلة الدولية وعدم الإفلات من العقاب.
توسيع التحالفات مع قوى الجنوب العالمي.
تحويل التضامن الشعبي العالمي إلى سياسات حكومية وعقوبات.
إعادة تعريف القضية كقضية عدالة عالمية، لا ملفًا أمنيًا إقليميًا.
4. خطة وطنية شاملة للمواجهة
تشكيل قيادة وطنية موحدة انتقالية ببرنامج سياسي واضح.
إطلاق مقاومة شعبية متدرجة ومنظمة في الضفة والقدس و48.
توحيد أدوات العصيان المدني والمقاطعة الاقتصادية.
تدويل الصراع قانونيًا ودبلوماسيًا.
التحضير لانتخابات شاملة للمجلس الوطني، ليقر المشروع الوطني التحرري ويُنتخب إطار قيادي جديد موحد.
سادساً: مخاطر ضياع القضية بين التفكك وإعادة البناء
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في استمرار العدوان، بل في:
تطبيع واقع الضم كأمر دائم.
تحويل غزة إلى كيان معزول مُدار خارجيًا.
فقدان الثقة الشعبية بالمؤسسات.
إعادة تعريف القضية كأزمة إنسانية مزمنة لا كقضية تحرر وطني.
لكن العواصف، رغم قسوتها، تفتح فرصًا لإعادة البناء: تجديد القيادة، تحديث أدوات النضال، إعادة تعريف المشروع الوطني، واستعادة وحدة الشعب في كافة أماكن وجوده.
خاتمة :فلسطين اليوم أمام مفترق تاريخي:
إما استمرار التفكك تحت ضغط العواصف الخمس،
أو إعادة تأسيس مشروع وطني تحرري بقيادة موحدة، واستراتيجية شاملة، وحائط صد عربي ودولي، وانتفاضة شعبية متدرجة، ومأسسة قانونية للصراع.
بدون وحدة وطنية لا سيادة.
بدون استراتيجية شاملة لا حماية للحقوق.
وبدون إرادة سياسية جريئة سيُعاد تعريف فلسطين من الخارج.
والتاريخ لا ينتظر المترددين، والعواصف لا ترحم السفن بلا قيادة.
لكن الشعوب التي تعيد ترتيب بيتها الداخلي تستطيع – حتى في عين الإعصار – أن تغيّر اتجاه الريح.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services