احتضنت أمس الأربعاء دار جمعية واحة بالوحدة الجوارية 18 بقسنطينة فعاليات دورة تكوينية حول الإعلام الصحي، بمبادرة من جمعية واحة، وذلك في إطار مسعى يهدف إلى تعزيز مهارات التغطية الصحفية في القطاع الصحي والارتقاء بالممارسة الإعلامية المتخصصة في هذا المجال الحيوي، تحت إشراف البروفيسور نصر الدين بوزيان، أستاذ بكلية علوم الإعلام والاتصال والسمعي البصري بجامعة قسنطينة 3.
ص دلومي
وشكّل هذا اللقاء محطة مهمة للنقاش الأكاديمي والميداني حول واقع الإعلام الصحي في الجزائر، في ظل التحديات المهنية والأخلاقية التي تفرض نفسها بقوة، خاصة مع تنامي دور المنصات الرقمية وتأثيرها على صناعة المحتوى الصحي.
برنامج تكويني يجمع بين التأطير الأكاديمي والنقاش الميداني
وفي هذا السياق، أكد البروفيسور نصر الدين بوزيان أن الهدف من هذه الدورة يتمثل في “تزويد الصحفيين بالأدوات العلمية والمهنية اللازمة للتعامل مع المواضيع الصحية المعقدة، وضمان تقديم محتوى إعلامي دقيق يخدم الصالح العام ويحترم أخلاقيات المهنة”.
نقص في ممارسة الإعلام الصحي المتخصص
وخلال مداخلته، تطرق الأستاذ إلى ما وصفه بـ“النقص الواضح في ممارسة إعلام صحي متخصص”، مشيراً إلى أن التغطيات الحالية تظل في معظمها عامة وموسمية، وتقتصر على الحملات التحسيسية أو إحياء الأيام العالمية على غرار اليوم العالمي لمكافحة السرطان والسيدا وغيرها، دون الغوص في التحليل العميق للقضايا الصحية .
واعتبر المتحدث أن هذا الواقع يعكس ضعفاً في الإعلام الصحي، سواء من حيث اختيار المواضيع أو من حيث الإبداع في المعالجة الصحفية، مؤكداً أن الصحفي مطالب بالخروج من النمطية والاشتغال بمنهجية علمية دقيقة تقوم على التحقق من المعلومات والاعتماد على مصادر موثوقة.
الإعلام الصحي بين أخلاقيات المهنة وخدمة المصلحة العامة
وأبرز اللقاء جملة من الإشكاليات المرتبطة بالتغطية الإعلامية للمواضيع الصحية في الجزائر، من بينها ضعف الالتزام بالأخلاقيات المهنية، والمسارعة إلى السبق الصحفي على حساب الدقة، إضافة إلى بعض الممارسات التي قد تمس بالكرامة الإنسانية أو تنتهك الخصوصية، كما حدث في بعض الحوادث التي أثارت جدلاً واسعاً بسبب تصوير الضحايا أو نشر معطيات حساسة.
وشدد البروفيسور بوزيان على ضرورة تغليب الفائدة العامة على السبق الصحفي، وإعلاء قيمة الحقيقة المهنية والموضوعية والدقة، مع التأكيد على أن المرجعية الأساسية في العمل الصحفي هي الخدمة العمومية والمصلحة العامة، بعيداً عن الحسابات الشخصية أو العلاقات الضيقة.
كما دعا إلى احترام حقوق وواجبات الصحفي، وبناء علاقات قائمة على الثقة مع مختلف الشركاء في القطاع الصحي، بما يعزز مصداقية المحتوى الإعلامي ويخدم حق المواطن في الحصول على معلومة صحيحة.
الإعلام الصحي في زمن الأزمات والتحولات الرقمية
وتناول المشاركون دور الإعلام خلال الأزمات الصحية، مستحضرين تجربة جائحة كورونا التي كشفت أهمية الإعلام الفعال في إدارة الأزمات ونشر الوعي الصحي. وأجمع المتدخلون على أن الإعلام يمكن أن يكون عاملاً حاسماً في توجيه السلوك المجتمعي، سواء إيجاباً من خلال نشر ثقافة صحية سليمة، أو سلباً في حال تداول معلومات غير دقيقة.
كما طُرحت مسألة تأثير المنصات الاجتماعية على المحتوى الصحي، في ظل الانتشار السريع للأخبار غير الموثوقة، ما يفرض على الصحفيين مضاعفة الجهد في التحقق والتدقيق، والاعتماد على طرق مشروعة في الحصول على المعلومات.
وفي هذا الإطار، تم التأكيد على أهمية مواكبة التحولات الرقمية وتطوير السياسات الإعلامية بما ينسجم مع الممارسات الميدانية، والانتقال من التفكير النظري إلى التنفيذ الفعلي الذي ينعكس على جودة المحتوى.
نحو إعلام صحي شامل خارج المركزية
ومن بين النقاط التي أثيرت خلال النقاش، ضرورة تعزيز دور المراسلين خارج العاصمة، وتمكينهم من تغطية مختلف القضايا الصحية في ولاياتهم بنظرة شمولية تضمن تنوع وجودة المحتوى الصحفي، بما يعكس انشغالات المواطنين الحقيقية.
كما شدد المشاركون على أهمية الاستثمار في التكوين المستمر للصحفيين، باعتباره ركيزة أساسية لتحسين الأداء الإعلامي والارتقاء بالخدمة العمومية، خاصة في مجال حساس كقطاع الصحة الذي يتطلب دقة ووعياً بالمسؤولية.
الإعلام الصحي… مقاربة متعددة الزوايا
واختُتمت أشغال الدورة بالتأكيد على أن الإعلام الصحي لا يمكن مقاربته من زاوية واحدة، بل يجب تناوله من أبعاد متعددة تشمل الأخلاقيات، اختيار المواضيع، الإبداع في الطرح، احترام الصورة وعدم التنميط، وضمان إيصال المعلومة بشكل واضح ودقيق يخدم المواطن.
وتم التأكيد على أن هذه الدورة التكوينية تشكل فرصة حقيقية لمد جسور التواصل بين الجامعة والميدان، من خلال تقريب الرؤية الأكاديمية من انشغالات الصحفيين العاملين في الممارسة اليومية.
وتبقى مثل هذه المبادرات خطوة مهمة نحو بناء إعلام صحي فعال في الجزائر، إعلام يضع خدمة المواطن في صدارة أولوياته، ويحرص على تقديم محتوى مهني يوازن بين الدقة العلمية والبعد الإنساني، بما يعزز الثقة في الرسالة الإعلامية ويخدم أهداف الصحة العمومية.
تضمّن برنامج اليوم فترة صباحية خصصت لورشة تكوينية مكثفة أطرها البروفيسور نصر الدين بوزيان، تمحورت حول تقنيات التغطية الصحفية للمواضيع الصحية وأساليب التبسيط العلمي، بما يسمح للصحفيين بالتعامل مع القضايا الطبية المعقدة بلغة دقيقة ومفهومة في آن واحد.
أما الفترة المسائية، فشهدت تنظيم ندوة مفتوحة جمعت صحفيين ومختصين في القطاع الصحي، خُصصت لطرح أبرز الإشكاليات المرتبطة بالتغطية الإعلامية للمواضيع الصحية في الميدان، ومناقشة سبل تجاوزها من منظور مهني وأخلاقي.