1347
0
بين تغيير القيادة النقدية وتشديد الرقابة… هل يدخل بنك الجزائر مرحلة إعادة ضبط؟

بقلم:ضياء الدين سعداوي
يأتي قرار إنهاء مهام محافظ بنك الجزائر صلاح الدين طالب وتكليف نائبه معتصم بوضياف بتسيير البنك المركزي بالنيابة في توقيت بالغ الحساسية، ليس فقط من زاوية التسيير المؤسساتي بل في سياق إقتصادي ومالي يتسم بضغط السيولة وتحديات محاربة الإقتصاد الموازي ومتطلبات الإمتثال المالي داخلياً وخارجياً .
القرار الصادر عن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التنظيمية المتسارعة الأخيرة التي باشرها بنك الجزائر صباح اليوم الإثنين.
في هذا الإطار تكتسب المذكرة الجديدة الصادرة اليوم عن بنك الجزائر المتعلقة بآليات تموين الحسابات التجارية دلالة سياسية-اقتصادية أعمق من كونها مجرد إجراء تقني، فالسماح بتموين الحسابات عبر وسائل الدفع الكتابية أو الإيداع النقدي المباشر مع ربط ذلك بحجم الأعمال اليومي أو الأسبوعي لكل حساب يعكس توجهاً نحو عقلنة التعامل مع السيولة دون الانزلاق إلى تقييد خانق للنشاط التجاري ، غير أن التشديد الواضح على “توافق العمليات مع الملف الشخصي للزبون” يؤكد أن البنك المركزي ماض في ترسيخ منطق الرقابة القائمة على المخاطر لا على المنع الشامل.
إلغاء وتعويض المذكرة السابقة الصادرة في ديسمبر 2025 لا يبدو تراجعاً بقدر ما هو تصحيح مسار، فالتجربة العملية أظهرت أن بعض التعليمات رغم وجاهتها الرقابية أحدثت ارتباكاً في المعاملات التجارية وأثرت على الثقة بين المتعاملين والبنوك، من هنا يمكن فهم المذكرة الجديدة كمحاولة لإعادة التوازن بين متطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل النشاط الإقتصادي الحقيقي خاصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تعتمد بشكل كبير على التدفقات النقدية.
أما على مستوى القيادة فإن تعيين محافظ بالنيابة يفتح باب التأويلات، فهل نحن أمام مرحلة انتقالية لإعادة تقييم السياسة النقدية؟ أم أن القرار يحمل رسالة سياسية مفادها أن البنك المركزي مطالب اليوم بدور أكثر فاعلية لا يقتصر على الضبط النقدي بل يمتد إلى مرافقة التحول الإقتصادي الذي تعلنه السلطة التنفيذية؟ في كلتا الحالتين يبدو واضحاً أن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة إدارة روتينية بل إختبار لقدرة بنك الجزائر على التوفيق بين الصرامة والمرونة.
لب القول أن تزامن تغيير رأس الهرم النقدي مع تعديل الإطار التنظيمي لتموين الحسابات التجارية يوحي بأن الجزائر تدخل مرحلة “إعادة ضبط” في سياستها النقدية، مرحلة عنوانها العريض رقابة أذكى بدل قيود أوسع، وحوكمة مالية أكثر انسجاماً مع واقع الإقتصاد دون التفريط في متطلبات الشفافية والإمتثال. ويبقى الرهان الحقيقي في التطبيق لا في النصوص.

