192

0

بوعلام صنصال والكولونيل بن داود..قصة خيانة تتكرر

 

 

بقلم: ضياء الدين سعداوي 

 

"العربي عربي ولو كان الكولونيل بن داود".. هذا المثل الشعبي الذي ولد من رحم التجربة الإستعمارية الفرنسية في الجزائر، يعود اليوم بقوة ليتجسد في شخص الكاتب بوعلام صنصال. فما حدث للضابط الجزائري الذي وصل إلى أعلى الرتب في الجيش الفرنسي ثم اكتشف أنه يبقى مجرد "أهلي" في أعينهم، هو نفسه ما يحدث اليوم لمن راهنوا على فرنسا سلاحاً ضد وطنهم. فالتاريخ يعيد نفسه، والخيانة تظل صفقة خاسرة مهما تبدلت الأزمنة والأشكال.

 

كان الكولونيل بن داود ضابطاً جزائريا في الجيش الفرنسي، تخرج من أكاديمية "سان سير" العسكرية العريقة، ووصل إلى رتبة عقيد. خدم فرنسا عقوداً طويلة، وظن أن ولاءه المطلق سيمحو عنه "وصمة" أصله الجزائري. لكن الحقيقة صدمته بقسوة حين جاءه جنرال فرنسي في زيارة تفقدية، فصافح كل الضباط الفرنسيين وتجاهله تماماً ، متعمداً عدم مصافحته وكأنه غير موجود. في صباح اليوم التالي، وجد الكولونيل بن داود ميتاً والمسدس عند رأسه، وبجانبه ورقة كتب عليها: "إخواني تذكروا هذا جيداً ، حتى لو كنت الكولونيل بن داود، فسأبقى عربياً "، ليكتب بذلك خلاصة تجربة مريرة مع استعمار لا يعترف بالمساواة أبداً ، ولا يرى في "الأهالي" مهما علت رتبتهم سوى أدوات تستخدم ثم ترمى.

 

اليوم، يعيد بوعلام صنصال إنتاج هذه التراجيديا نفسها. فها هو الكاتب الجزائري السابق الذي راهن على فرنسا لسنوات، يعلن بمرارة: "فرنسا انتهت بالنسبة لي، لم يتبق لي سوى بضعة أشهر وسأغادر وسأرحل". إنها نفس لحظة الصدمة التي عاشها الكولونيل بن داود، نفس الإكتشاف الموجع بأن الولاء المطلق لم يشتري القبول ولا المساواة ولا حتى الإحترام. فصنصال، الذي كان وسائل الإعلام الفرنسية تصفه بكل فخر بـ"الكاتب الفرنسي" طوال فترة هجومه على الجزائر، اكتشف فجأة أن هذا الوصف كان مؤقتاً مرتبطاً بأدائه لوظيفته كأداة في حملاتهم ضد الجزائر. وما إن أعلن رحيله عن فرنسا، حتى تحول في نظرهم إلى "كاتب جزائري"، رغم أن الجزائر كانت قد سحبت منه جنسيتها. هكذا تتبدل الأوصاف بتبدل المصالح، وتفصل الهويات على مقاس المواقف، وكأن الإنتماء مجرد سلعة تستخدم عند الحاجة ثم تلفظ عند انتهائها.

 

إن قصة الكولونيل بن داود وبوعلام صنصال ليست مجرد حكايتين فرديتين، بل هما نموذجان لنمط ثابت في العلاقة بين المستعمر وخدامه. فالتاريخ يعيد نفسه مع كل من يظن أن خيانة وطنه يمكن أن تشتري له وطناً بديلاً. من الحركى الذين سلموا أنفسهم للجيش الفرنسي ثم تركتهم فرنسا لمصيرهم بعد الإستقلال، إلى أصحاب الأقلام المأجورة اليوم الذين يظنون أن مهاجمة الجزائر عبر شاشات فرانس 24 وقنوات اليمين المتطرف سيفتح لهم أبواب الجنسية الفرنسية. كلهم اكتشفوا بنفس الطريقة أن ولاءهم المطلق لم يشتر لهم ما أرادوا، وأنهم يبقون في أعين الفرنسيين مجرد "عرب" و"أهالي" و"أنديجين" أي من السكان الأصليين الدونيين في نظرهم، مهما بلغت رتبهم أو شهرتهم أو خدماتهم.

 

وما حدث مؤخراً في دار النشر الفرنسية Grasset يؤكد هذه الحقيقة بأقسى صورة. فها هو الملياردير فانسون بولوري يستخدم صنصال كورقة في صراعاته الإعلامية والسياسية، وها هم الأدباء الفرنسيون، ومنهم من كان يدافع عن صنصال بحماس خلال فترة سجنه في الجزائر، يغادرون الدار احتجاجاً عليه. حتى بيرنار هنري ليفي، ذلك الفيلسوف الذي لا يمل من انتقاد الجزائر والذي كان في طليعة المدافعين عن صنصال، غادر الدار نفسها بسبب الرجل نفسه. هذا التحول لم يأت من فراغ، بل لأن صنصال تجاوز حدود ما يمكن تبريره باسم حرية التعبير، وأصبح عبئا حتى على من وظفوه طوال هذه السنوات. فلم يتبق لصنصال اليوم سوى القنوات اليمينية المتطرفة التي تحتاج إلى صوته لضرب الجزائر، لكن حتى هذه القنوات ستتخلى عنه عندما ينتهي مفعوله الإعلامي، كما فعلت من قبله مع عشرات "الخبراء" و"المفكرين" الذين استخدمتهم ثم ألقوا بهم في مزبلة التاريخ.

 

ليس في قصة صنصال ما يثير الدهشة حقا فمن يركب النمر لا يستطيع النزول متى شاء. ففرنسا التي احتاجت إلى صوته لتوجيه سهامها نحو الجزائر، لم تكن يوما وطنا بديلاً يمكنه أن يمنحه الكرامة التي افتقدها. الرجل الذي شكك في كل ما هو جزائري، والهوية التي حاول تفكيكها، والعروبة التي حاربها، والإسلام الذي طعن فيه، اكتشف في النهاية أن كل ما راهن عليه كان سراباً. فالجزائر التي هاجمها هي التي كانت يمكن أن تمنحه ما لم تنله فرنسا أبداً: الكرامة والانتماء والهوية. لكن الأوان فات، فهو اليوم بلا وطن (الجزائر سحبت جنسيته)، وبلا وطن بديل (فرنسا طردته عملياً )، وبلا أصدقاء (الأدباء المغادرون شاهدون على ذلك)، وبلا صدقية (حتى مؤيدوه السابقون يشككون في مواقفه المتقلبة).

 

إن قصة بوعلام صنصال اليوم هي درس حي لكل من تسول له نفسه مساومة وطنه أو التفريط في هويته. التنازل لا يزيد إلا نقصانا وخنوعا، والمستعمر لا يحترم إلا من يصمد أمامه، ولا يكافئ إلا من يخافه. أما من يظن أن مهاجمة الجزائر طريق إلى فرنسا، فليتذكر جيداً عبارة الكولونيل بن داود قبل أن يرتكب حماقته: "حتى لو كنت الكولونيل بن داود، فسأبقى عربياً ". والجزائر تبقى الجزائر، شامخة بإرثها ومقاومتها، ومن خانها يخون نفسه أولاً وقبل كل شيء. أما فرنسا، فستبقى كما عهدناها: تستخدم ثم تتخلى، تحتضن ثم تلفظ، تصنع الأوصاف على مقاس المصالح ثم تغيرها في طرفة عين. وحدها الكرامة والوطنية هما الإستثمار الرابح. أما الخيانة، فمصيرها معروف منذ زمن الكولونيل بن داود وحتى بوعلام صنصال، ولن يتغير.

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services