30
0
في حديثهم لبركة نيوز ..نواب البرلمان يبرزون أهمية التعديل التقني للدستور

شهدت الجزائر، يوم أمس، محطة مفصلية في مسارها الوطني الديمقراطي بعد المصادقة بالإجماع من قبل أعضاء البرلمان بغرفتيه على مشروع القانون المتضمن التعديل التقني للدستور.
نسرين بوزيان
تأتي هذه الخطوة في إطار جهود الدولة الرامية إلى تطوير المنظومة المؤسساتية وضبط آليات العمل القانوني بما يعزز فعالية الجهاز البرلماني ويكرس إرادة الدولة في بناء مؤسسات قوية وشفافة، قادرة على تلبية تطلعات المواطنين ومواكبة التطورات للمرحلة الراهنة.
ويندرج هذا الإصلاح ضمن تحليل معمق للممارسة الدستورية منذ إقرار دستور 2020، ويشمل مشروع القانون 12 تعديلا تقنيا دقيقا يهدف إلى معالجة النقائص التي كشفت عنها التجربة الدستورية السابقة مع الحرص على انسجام النصوص وتعزيز الانضباط المؤسسي، بما يضمن سير العمل داخل المؤسسات دون أي اضطراب أو لبس.
وقد تم عرض المشروع على الأحزاب السياسية مطلع العام الحالي ليحظى بموافقة ثلاثة أرباع أعضاء البرلمان، وهو ما يعكس توافقا واسعا حول الإصلاحات المقترحة.
وعقب المصادقة، اتجهت الأنظار إلى قراءة نواب البرلمان بغرفتيه لمضامين هذا التعديل وأبعاده حيث رصدت "بركة نيوز" انطباعات عدد من النواب حول أهمية هذه الخطوة في دعم المسار المؤسساتي للدولة الجزائرية.
خطوة هامة لتعزيز العمل المؤسساتي

في هذا السياق وبالنظر إلى البعد السياسي والمؤسساتي لهذه الخطوة، اعتبر عضو مجلس الأمة عن الثلث الرئاسي، فاتح بوطبيق المصادقة على التعديل التقني تمثل محطة تاريخية جديدة في مسار العمل الديمقراطي والمؤسساتي بالبلاد.
مضيفا أن هذه التعديلات تشكل "درسا آخر يضاف إلى سلسلة الجهود الرامية إلى تقوية العمل المؤسساتي وتقويم المنظومة القانونية وتعزيز فاعلية المؤسسات، بما يضمن استمرارية العمل البرلماني وتفادي أي ثغرات قد تعيق أداء المؤسسات".
كما تطرق بوطبيق إلى طبيعة النقاش الذي دار داخل البرلمان ومستوى الوعي السياسي لدى النواب، معتبرا أن ذلك يعكس إدراكا عميقا بأهمية حماية مصالح السلطات العليا وبناء مؤسسات شفافة وفعالة، وهو ما يعزز ثقة المواطن في مؤسسات بلاده ويكرس منطق الدولة المؤسساتية.
المواد الصماء لا تعدل إلا باستفتاء شعبي

ومن زاوية تفسير الخلفيات القانونية التي فرضت التوجه إلى هذا التعديل، أوضح عضو مجلس الأمة عن الثلث الرئاسي، أبو جرة سلطاني، أن هذه التعديلات جاءت أساسا لمعالجة الثغرات التي ظهرت أثناء تطبيق دستور 2020، مؤكدا أنها "تقنية بحتة" ولا تمس بالثوابت الوطنية أو التوازنات الكبرى للسلطات.
وفي معرض حديثه عن التعديلات المتضمنة في المشروع، توقف سلطاني عند تعديل تحديد يوم افتتاح الدورة البرلمانية حيث أشار إلى تعديل المادة 138 من الدستور المتعلقة بتاريخ افتتاح الدورة البرلمانية العادية لاسيما أن التعديل يهدف إلى منح مرونة أكبر من خلال إمكانية افتتاح الدورة خلال "الأسبوع الأول" أو "العشرة أيام الأولى" من شهر سبتمبر بدلا من الالتزام باليوم الثاني، وذلك لتفادي التعارض مع العطل أو المناسبات الدينية، بما يضمن انتظام العمل التشريعي.
وانتقل عضو مجلس الأمة إلى تعديل آخر يتعلق بتنظيم العملية الانتخابية حيث أبرز أن المشروع شمل تخفيف العبء عن السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات، عبر إحالة المهام اللوجستية والتنظيمية إلى وزارة الداخلية والجماعات المحلية، مع الإبقاء على مهام الرقابة والإشراف وهو ما من شأنه تحسين فعالية تنظيم الانتخابات وتفادي التعقيدات الميدانية خاصة في ظل اتساع الرقعة الجغرافية.
كما أشار المتحدث إلى التعديل المتعلق بمراجعة تشكيلة المجلس الأعلى للقضاء من خلال استبعاد بعض التمثيلات التي قد تخلق تعارضا في المهام، بهدف ضمان انسجام أكبر في عمل هذه الهيئة الحساسة.
وخلص سلطاني بالقول إلى أن هذه التعديلات لم تمس إطلاقا الحقوق والواجبات للمواطنين أو التوازنات الكبرى للسلطات أو الطابع الاجتماعي للدولة الجزائرية.
مؤكدا أن " المواد الصماء " في الدستور تظل محصنة ولا يمكن تعديلها إلا عبر استفتاء شعبي عام.
محاولة فاشلة لتقزيم الانجاز

كما اعتبر عضو مجلس الأمة عن الثلث الرئاسي، حمزة أل سيد الشيخ، أن المشروع التقني للدستور يشكل إنجازا هاما في ظل ما رافق هذه المصادقة من نقاش واسع في الأوساط الإعلامية حيث حاولت بعض الجهات تقزيم الإنجاز والتقليل من أهميته، معتبرة إياه خطوة هامشية.
موضحا أن هذه الإصلاحات تعكس قدرة الجزائر على الحفاظ على سيادتها وتعزيز مؤسساتها التي تندرج ضمن مسار بناء "الجزائر الجديدة" القائمة على مؤسسات قوية وفعالة، وتهدف إلى تعزيز الثقة بين الدولة والمواطن وتقوية الجبهة الداخلية.
خطوة تعكس مرونة الدستور الجزائري

وحول ما إذا كانت هذه التعديلات قد مست الثوابت الوطنية، أكد نائب برلماني عن حركة البناء الوطني، عبد القادر بريش، أن هذه الخطوة تعكس مرونة الدستور الجزائري وقدرته على التكيف مع المتغيرات دون المساس بالثوابت الوطنية للدولة الجزائرية.
مشيرا إلى أن هذه التعديلات تتيح معالجة الاختلالات التي قد تظهر أثناء التطبيق ضمن الإطار الدستوري، بما يعزز الثقة في مؤسسات الدولة ويضمن استمرارية عملها بشكل منتظم.
حضور قوي وفاعل للجالية الجزائرية

كما كان للجالية الجزائرية بالخارج دور وصوت في هذا المسار حيث شدد ممثلها بالمجلس الشعبي الوطني، فارس رحماني، على حضورها القوي ومساهمتها الفاعلة في هذا المسار من خلال نوابها ، للمصادقة على هذا المشروع الذي يتضمن تعديلات تقنية تهدف إلى تنظيم وتقويم العمل المؤسساتي وتعزيز فعالية الجهاز البرلماني.
وفي سياق حديثه عن التعديلات، أشار ممثل الجالية إلى التعديل المتعلق بمدة رئاسة مجلس الأمة حيث تم رفع عهدة الرئيس من ثلاث إلى ست سنوات في إطار المساعي الرامية إلى تكريس استمرارية مؤسسات الدولة، والحفاظ على الخبرة البرلمانية وضمان انتقالها بين التشكيلات المتعاقبة.
مبرزا أن هذا التعديل يهدف أيضا إلى تفادي أي انقطاع قد يحدث نتيجة تغيير رئاسة المجلس أثناء التجديد النصفي لتشكيلته كل ثلاث سنوات، بما يضمن ثبات العمل المؤسساتي واستمرارية الخبرة المكتسبة.
وبالنسبة للتعديل الخاص بعدد أعضاء مجلس الأمة عن كل ولاية، أوضح النائب أن التمثيل أصبح مرتبطا بعدد السكان بحيث قد تمثل الولاية بعضو واحد أو اثنين وفق كثافتها السكانية.
مؤكدا أن هذا الإجراء يعزز العدالة في التمثيل بين الولايات ويجعل عدد المقاعد متوافقا مع التفاوت السكاني، بما يتماشى مع المعايير المعتمدة.
كما أشاد النائب بقرار إجراء الانتخابات المحلية والتشريعية في وقت واحد لاسيما أن هذا الإجراء يساهم في ترشيد المال العام وتقليص التكاليف التنظيمية، ويعزز فعالية العملية الانتخابية والتنظيم السياسي.
وخلص ممثل الجالية بالقول أنه صوت بـ"نعم" انطلاقا من قناعته بأن هذه التعديلات تخدم مصلحة البلاد وتعزز فعالية مؤسساتها.
في الختام، أجمع المتدخلون على أن هذه التعديلات تمثل خطوة تقنية مدروسة تهدف إلى تحسين أداء المؤسسات ومعالجة النقائص السابقة مع الحفاظ على الثوابت الوطنية، بما يعزز استقرار الجزائر ويواكب متطلبات المرحلة.

