94

0

أنامل تشفي الخشب.. الطبيب الفنان كمال بن نعمون يبهر جمهور قسنطينة بإبداعات "الحرق"

 

في قلب مدينة العلم والعلماء، وببهو دار الثقافة مالك حداد العريق، تتقاطع المسارات بين مشرط الجراح وريشة النار، حيث وتحت إشراف مديرية الثقافة والفنون لولاية قسنطينة، افتُتحت فعاليات المعرض الفني المتميز للفنان كمال بن نعمون، المتخصص في فن "النقش بالحرق على الخشب".

 

صبرينة دلومي

 

وجاء تنظيم هذا المعرض في الفترة الممتدة من 12 إلى 18 أفريل 2026، في تظاهرة فنية لفتت انتباه الزوار منذ لحظاتها الأولى، لما تحمله من تجربة تجمع بين الإبداع التشكيلي والبعد الإنساني العميق.

 

 

مسار فنان بين الطب واكتشاف موهبة الحرق

لم يكن المعرض مجرد فضاء لعرض لوحات خشبية، بل جاء ليحكي قصة إنسانية كاملة، بطلها طبيب اختار أن يحوّل محنته إلى مساحة إبداع. فالفنان كمال بن نعمون، الذي قضى سنوات طويلة في خدمة الطب، وجد نفسه أمام اختبار صحي صعب غيّر الكثير في مسار حياته اليومية، لكنه لم يكن نهاية الطريق بقدر ما كان بداية لاكتشاف عالم جديد. ففي تلك اللحظات الفارقة، وبدلاً من الاستسلام، اكتشف موهبة كانت كامنة بين أنامله، وهي فن النقش بالحرق على الخشب، الذي تحوّل تدريجياً إلى لغة بديلة للتعبير عن الذات.

 

 

سحر الحرق على الخشب يخطف الأنظار

وفي تصريح خاص لجريدة "بركة نيوز"، أكد بن نعمون أن هذا الفن لم يكن مجرد هواية عابرة، بل أصبح وسيلة علاجية للروح قبل الجسد، حيث منحه القدرة على تجاوز مرحلة صعبة، وإعادة ترتيب علاقته بالحياة من زاوية أكثر هدوءاً وتأملاً. وأضاف أن الخشب والنار لم يعودا مجرد مادتين خام، بل صارا مساحة للتأمل وإعادة صياغة المشاعر، حيث يتحول الحرق إلى أسلوب كتابة بصري يعكس ما لا يمكن قوله بالكلمات.

وقد لقي هذا البعد الإنساني صدى واسعاً لدى زوار المعرض، الذين لم يتعاملوا مع الأعمال باعتبارها قطعاً فنية فقط، بل باعتبارها تجربة حياة مكتملة، تنبض بالصبر والتحدي وإعادة اكتشاف الذات من جديد.

تنوع الأعمال وإقبال لافت من الزوار

وقد تجول زوار المعرض في أروقة بهو دار الثقافة بين فضاءات احتضنت أعمالاً فنية صُنعت بدقة متناهية، حيث بدت كل قطعة وكأنها تحمل توقيعاً خاصاً لا يشبه غيره. وتنوعت المعروضات بين لوحات فنية جسدت شخصيات إنسانية ومناظر طبيعية، اعتمد فيها الفنان على درجات الحرق المختلفة لإبراز العمق والظل والضوء، مما منح الصور إحساساً بصرياً قريباً من الحياة.

كما شمل المعرض صناديق خشبية مزخرفة بنقوش دقيقة تمزج بين الطابع الجمالي والبعد التراثي، حيث بدت الزخارف وكأنها امتداد لذاكرة الحرف التقليدية الجزائرية، مع لمسة معاصرة أضفت عليها روحاً جديدة. ولم تتوقف حدود الإبداع عند اللوحات والصناديق، بل امتدت إلى أدوات تقليدية مثل "المهراس" والملاعق الخشبية، التي أعاد الفنان تشكيلها بصرياً لتتحول من أدوات وظيفية إلى تحف فنية تحمل بصمة الحرق الدقيقة.

 

وقد شهد المعرض إقبالاً كبيراً من المثقفين والمهتمين بالفن التشكيلي، إضافة إلى مواطنين من مختلف الفئات، الذين توقفوا طويلاً أمام تفاصيل الأعمال المعروضة. وقد عبر العديد منهم عن إعجابهم الشديد بالدقة المتناهية التي ميزت كل قطعة، معتبرين أن ما يقدمه الفنان كمال بن نعمون يتجاوز حدود الإبداع التقني ليصل إلى مستوى التجربة الإنسانية الملهمة، التي تؤكد أن الفن قادر على إعادة تشكيل الحياة من جديد مهما كانت التحديات.

كما أكد عدد من الزوار أن هذا المعرض يمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي في قسنطينة، خاصة وأنه يعكس قدرة دار الثقافة مالك حداد على احتضان طاقات إبداعية متنوعة، ومنحها فضاءً للتعبير والانتشار، بما يعزز الحركية الثقافية داخل المدينة.

 

سيمفونية النار والظل.. "بركة نيوز" تنقل تفاصيل المعرض الفني للنقش على الخشب 

أما على مستوى التفاصيل التقنية والجمالية، فقد أبهر الفنان الحضور بقدرته على تحويل الخشب الصامت إلى أعمال تنبض بالحياة، حيث بدت كل لوحة وكأنها مشهد بصري مشبع بالعمق والتدرج اللوني. واعتمد الفنان في أعماله على تقنية الحرق الحراري التي تسمح بإبراز تدرجات دقيقة تبدأ من الألوان العسلية الفاتحة وصولاً إلى الأسود العميق، ما منح اللوحات طابعاً بصرياً يجمع بين الواقعية واللمسة الفنية التأملية.

كما تميزت الصناديق الخشبية المعروضة بزخارف هندسية مستوحاة من التراث الجزائري والقسنطيني، حيث امتزجت الخطوط المتداخلة مع أثر الحرق لتشكل أنماطاً بصرية غنية بالتفاصيل، توحي بأن كل قطعة تحمل قصة خاصة بها. ولم تكن هذه الزخارف مجرد عناصر تزيينية، بل بدت وكأنها جزء من بنية العمل نفسه، تمنحه عمقاً بصرياً وروحاً تراثية متجددة.

أما قطع "المهراس"، فقد حظيت باهتمام خاص من الزوار، حيث التف النقش المحروق حولها بشكل حلزوني دقيق أبرز جمال الخشب الطبيعي وعروقه، مانحاً هذه الأدوات التقليدية بعداً جمالياً غير مألوف.

وفي السياق ذاته، برزت الملاعق الخشبية المزينة بزخارف نباتية دقيقة، والتي تطلب تنفيذها مستوى عالياً من التحكم في آلة الحرق، بما يضمن الحفاظ على توازن الشكل ودقة التفاصيل دون إتلاف طبيعة الخشب.

 

وتتميز هذه الأعمال عموماً بجماليات خاصة تقوم على المزج بين نعومة الخشب المصقول وخشونة آثار الحرق، مع اعتماد كامل على الألوان الطبيعية دون أي إضافات صناعية، ما يجعل كل قطعة عملاً فريداً لا يتكرر. كما تعكس هذه التجربة الفنية صبراً طويلاً ومهارة دقيقة في تطويع مادة الخشب، وتحويلها من عنصر جامد إلى كائن بصري حي، ينبض بالدفء والذاكرة والهوية، في مشهد فني لقي إعجاباً واسعاً من جمهور قسنطينة.

دعوات للاهتمام بفن النقش بالحرق كجسر بين الأصالة والمعاصرة

وفي سياق متصل، أشار الكثير من المتابعين للشأن الثقافي ببهو دار الثقافة، إلى ضرورة الالتفات لهذا النوع من الفنون النادرة التي تجمع بين الحرفة التقليدية واللمسة العصرية، مؤكدين أن تجربة الفنان كمال بن نعمون تفتح الباب أمام جيل الشباب لاكتشاف تقنيات النقش بالحرق، كطريقة للتعبير الفني والحفاظ على الهوية التراثية في آن واحد، داعين الجهات الوصية إلى تكثيف مثل هذه التظاهرات التي تبرز كنوزاً فنية مخفية.

أبواب المعرض مفتوحة إلى غاية 18 افريل

وتجدر الإشارة إلى أن أبواب المعرض ستبقى مفتوحة أمام الجمهور القسنطيني وعشاق الفن التشكيلي ببهو دار الثقافة مالك حداد إلى غاية يوم 15 أفريل، حيث تعد هذه التظاهرة فرصة لا تعوض للاطلاع عن قرب على كيفية تحويل قطع خشبية صماء إلى لوحات وصناديق تنبض بالحياة، والاستماع إلى قصة الفنان الملهمة التي جعلت من الصبر والنار وسيلة لتقديم أرقى أنواع الإبداع.

مديرة دار الثقافة مالك حداد: كمال بن نعمون نموذج للمثابرة والإبداع رغم المرض

أكدت مديرة دار الثقافة مالك حداد  دريدي سناء، أن أعمال الفنان والطبيب كمال بن نعمون تمثل نموذجاً حياً للمثابرة والتحدي، مشيرة إلى أن مسيرته الإبداعية جاءت لتؤكد أن الإرادة قادرة على تحويل الألم إلى طاقة خلاقة. وأضافت أن ما يقدمه بن نعمون في مجال النقش بالحرق على الخشب يعكس تجربة فنية وإنسانية استثنائية، خاصة وأنه واصل عطاؤه رغم الظروف الصحية التي مر بها، ليقدم أعمالاً تحمل بصمته الخاصة وتجمع بين الدقة والجمال والروح الفنية الرفيعة.

 

وأوضحت المتحدثة أن أنامل الفنان كمال بن نعمون “تصنع الجمال وكأنه ذهب من نوع خاص”، حيث تتحول قطع الخشب الخام تحت يديه إلى تحف فنية مدهشة، تنبض بالتفاصيل الدقيقة وتعكس حساً فنياً عالياً في التحكم في تقنية الحرق. كما أشارت إلى أن هذه الأعمال تمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي بالمدينة، وتبرز قدرة الفنان على المزج بين خبرته الطبية وموهبته الفنية في صياغة لوحات وأشكال خشبية فريدة، جعلت من معرضه فضاءً مفتوحاً للإبداع والإلهام داخل دار الثقافة مالك حداد.

 

 

 

 

 

 

شارك رأيك

التعليقات

لا تعليقات حتى الآن.

رأيك يهمنا. شارك أفكارك معنا.

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services

barakanews

اقرأ المقالات البارزة من بريدك الإلكتروني مباشرةً


للتواصل معنا:


حقوق النشر 2026.جميع الحقوق محفوظة لصحيفة بركة نيوز.

تصميم وتطويرForTera Services